لم تعد التناقضات التي تطبع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تثير الاستغراب، إلا أن التراجع الأخير في ملف المواجهة مع إيران كشف عن حجم الارتباك في البيت الأبيض. فبعد أيام قليلة من إعلان ما سمي بمشروع الحرية في مضيق هرمز وحشد ترسانة عسكرية ضخمة، اضطر ترامب للتراجع تحت وطأة الحقائق الميدانية والرفض الدولي للانخراط في مغامرة غير محسومة النتائج.
المصادر الميدانية أكدت زيف الادعاءات الأمريكية بشأن تأمين عبور السفن التجارية تحت حماية المدمرات؛ إذ أثبتت الوقائع أن طهران فرضت قواعدها الخاصة للملاحة. هذا الفشل العسكري الميداني دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ما وجهها، وهو ما تجلى في تسريبات حول اتفاق تهدئة شامل تم بوساطة باكستانية.
الاتفاق المسرب، الذي يتكون من 14 نقطة، يبدو أقرب إلى الرؤية الإيرانية التي تشترط وقف الحرب نهائياً ورفع الحصار قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية. وتتمسك طهران برفض تصفير التخصيب النووي أو تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، مع إبداء مرونة في نقله إلى دولة ثالثة مثل روسيا لضمان استمرارية برنامجها السلمي.
على الصعيد الداخلي الإيراني، أثبت النظام تماسكاً غير متوقع بعد رحيل آية الله علي خامنئي، حيث تولى القائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي زمام الأمور بصلابة. ويظهر مجتبى تناغماً كبيراً مع قيادات الحرس الثوري، مما أفشل المراهنات الأمريكية على حدوث انهيار داخلي أو تغيير في بنية النظام السياسي.
الخسائر المادية والبشرية الأمريكية كانت عاملاً حاسماً في كبح جماح التصعيد، حيث كشفت تقارير إعلامية عن تضرر 16 قاعدة أمريكية في المنطقة. ورغم محاولات وزير الدفاع الأمريكي تقليل حجم التكاليف، إلا أن تقديرات الصحافة المستقلة أكدت تجاوز الفاتورة حاجز الـ 50 مليار دولار، وهو ما شكل ضغطاً سياسياً هائلاً داخل واشنطن.
في المسار الدبلوماسي، نجح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بناء جبهة دولية داعمة لموقف بلاده عبر جولات شملت مسقط وموسكو وبكين. هذه التحركات أكدت أن طهران ليست معزولة دولياً، وأن القوى الكبرى ترفض سياسة القوة التي تحاول واشنطن فرضها خارج إطار القانون الدولي.
أما على جبهة لبنان، فقد فرضت المقاومة معادلات ردع جديدة باستخدام تكنولوجيا مسيرات الألياف الضوئية التي أربكت حسابات جيش الاحتلال. هذا التطور الميداني جعل من فكرة فصل الساحات أو الاستفراد بلبنان أمراً بعيد المنال، رغم المحاولات الأمريكية الحثيثة لجر بيروت نحو اتفاقات تطبيع مشبوهة.
المخطط الأمريكي الرامي لتوريط الجيش اللبناني في صراع داخلي أو مواجهة مع المقاومة واجه وعياً شعبياً وسياسياً حال دون انزلاق البلاد نحو حرب أهلية. وتشير استطلاعات الرأي إلى رفض واسع لدى اللبنانيين لأي مسار تطبيعي، مؤكدين على أولوية حماية السيادة الوطنية في وجه الأطماع التوسعية الإسرائيلية.
ختاماً، يظهر المشهد الإقليمي أن موازين القوى قد مالت لصالح الأطراف التي أبدت صموداً استراتيجياً في وجه التهديدات. إن تراجع ترامب عن مشروعه في هرمز ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو اعتراف ضمني بنهاية حقبة الهيمنة الأحادية والقدرة على فرض الإرادة بالقوة العسكرية المجردة.
المصدر:
القدس