يواجه قطاع غزة المنكوب أزمة إنسانية متفاقمة تتمثل في ملف المفقودين الذين تحولت مصائرهم إلى لغز يطارد آلاف العائلات وسط ركام المنازل وحصار الاحتلال المشدد. وتشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرياً إلى أن أعداد المفقودين تتراوح ما بين 7 إلى 8 آلاف فلسطيني منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع.
وأكدت ندى نبيل، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين أن آلاف الأسر تعيش حالة من التيه لعدم معرفة مصير ذويها، وسط اعتقادات قوية بأن نحو 1500 شخص من هؤلاء المفقودين يقبعون حالياً في سجون الاحتلال تحت بند الإخفاء القسري. وأوضحت أن حجب المعلومات عن المعتقلين ليس مجرد خلل إداري، بل هو تكتيك عسكري متعمد يهدف لإطالة أمد المعاناة.
وتصف مصادر حقوقية سياسة التعتيم الإسرائيلية بأنها نوع من 'التعذيب النفسي' والعقاب الجماعي الممنهج ضد المدنيين في غزة. فبالرغم من قدرة السلطات الإسرائيلية على إصدار قوائم بأسماء المحتجزين، إلا أنها تصر على منع الصليب الأحمر والمنظمات الدولية من الوصول إليهم أو معرفة أماكن احتجازهم.
هذا الوضع أفرز ظاهرة نفسية قاسية تُعرف بـ 'الحزن المعلّق' أو 'الفقد الغامض'، وهي حالة تشل حياة الأسر التي لا تستطيع تجاوز الفقد لعدم وجود دليل قطعي على الموت أو الحياة. فبينما يجد من يدفن موتاه طريقاً للسكينة، يبقى أهالي المفقودين حبيسي حلقة مفرغة تتأرجح بين الأمل واليأس.
ولا تتوقف المعاناة عند الجانب النفسي، بل تمتد لتشمل تعقيدات قانونية واجتماعية شائكة تؤثر على بنية المجتمع الغزي. فالزوجات يجدن أنفسهن في وضع معلق، فلا هنّ متزوجات ولا هنّ أرامل، مما يعطل قضايا الميراث والحقوق المدنية، فضلاً عن الأعباء الاقتصادية الناتجة عن فقدان المعيل في ظروف النزوح.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز قصة الشاب عيد نائل أبو شعر كشاهد حي على مأساة الإخفاء القسري التي قد تنتهي بمعجزة. فعلى مدار 18 شهراً، عاشت عائلة عيد على يقين مؤلم باستشهاده، بعد أن فقدت أثره في ديسمبر 2024 بالقرب من محور 'نتساريم' الذي بات يُعرف بمحور الموت.
والد عيد، نائل أبو شعر، روى رحلة بحثه المضنية التي شملت النوم عند أبواب المشارح والمستشفيات في وسط القطاع. كان الأب يفتح ثلاجات الموتى بيده بحثاً عن أي أثر لابنه البكر، متنقلاً بين مستشفيات الأقصى والعودة والنصيرات دون أن يجد خيطاً يوصله إلى الحقيقة.
وبعد فقدان الأمل وتجاهل المنظمات الدولية لمناشداتهم، اضطرت العائلة لاستصدار شهادة وفاة رسمية من وزارة الصحة الفلسطينية. بل إن العائلة ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أقامت خيمة عزاء لاستقبال المعزين بعد عشرة أشهر من الاختفاء، معتبرين أن ابنهم قد انضم إلى قافلة الشهداء.
لكن القدر كان يخبئ مفاجأة قلبت موازين الحزن، حين تلقت العائلة مكالمة هاتفية من محامٍ تؤكد أن عيد لا يزال على قيد الحياة. المكالمة كشفت أن الشاب محتجز في سجن 'عوفر' الإسرائيلي، وهو أحد المعتقلات سيئة السمعة التي يواجه فيها الفلسطينيون صنوفاً من التنكيل والتعذيب.
والدة عيد، مها أبو شعر، كانت الوحيدة التي رفضت أداء صلاة الغائب على ابنها، مؤكدة أن قلبها كان يخبرها دائماً بأنه حي. ومع وصول الخبر اليقين، تحول منزل العائلة البسيط إلى ساحة للاحتفال وتوزيع الحلويات، في مشهد جسد انتصار الأمل على سياسات الإخفاء القسرية.
ورغم الفرحة العارمة التي اجتاحت حي العائلة، إلا أن القلق لا يزال يساور الأم بشأن الحالة الصحية والجسدية لابنها داخل الزنازين. فالمعرفة بوجوده حياً فتحت باباً جديداً من الخوف على ما يتعرض له من تعذيب، مؤكدة أن فرحتها لن تكتمل إلا بضمه بين ذراعيها بعيداً عن قضبان الاحتلال.
وتسلط هذه الواقعة الضوء على الفشل الذريع للمنظمات الدولية في إلزام إسرائيل بالقانون الدولي الإنساني. فالعجز العالمي عن حماية الضحايا أو تأمين زيارات الصليب الأحمر جعل من غزة ساحة مفتوحة لانتهاكات حقوق الإنسان دون رقيب أو حسيب، مما يترك آلاف العائلات في مهب الريح.
وتخشى العديد من العائلات في غزة حتى من التبليغ الرسمي عن مفقوديها، خوفاً من أن يصبحوا أهدافاً لغارات انتقامية أو أن يتعرض المعتقل لمزيد من التنكيل. هذا الخوف المزدوج يعزز من سياسة الصمت التي يسعى الاحتلال لفرضها لتغييب الحقيقة وتعميق جراح المجتمع الفلسطيني.
إن قصة عيد أبو شعر ليست إلا غيضاً من فيض في بحر من المآسي التي تعصف بقطاع غزة، حيث يظل آلاف المفقودين عالقين بين ركام المنازل أو خلف جدران السجون المظلمة. وتبقى صرخات العائلات تطالب العالم بكسر حاجز الصمت والكشف عن مصير أبنائهم الذين غيبتهم الحرب.
المصدر:
القدس