تشهد أوساط المواطنين في قطاع غزة حالة من الغضب العارم والاستياء الشديد، إثر تداول معلومات وشهادات ميدانية تفيد بدخول كميات من السجائر ضمن شحنات وصلت عبر مسارات مخصصة للمساعدات الإنسانية. يأتي هذا الجدل في وقت يرزح فيه القطاع تحت وطأة أزمة معيشية هي الأسوأ تاريخياً، حيث يفتقر السكان لأدنى مقومات الحياة من طعام وشراب وعلاج.
وأثارت الصور والمقاطع المصورة التي تداولها ناشطون محليون صدمة واسعة، إذ أظهرت وجود كميات تجارية من السجائر قيل إنها دخلت عبر شاحنات تابعة لمنظمات دولية. واعتبر السكان أن توقيت إدخال هذه السلع الثانوية يعكس خللاً بنيوياً في إدارة العمليات الإغاثية، وتجاهلاً متعمداً للاحتياجات الطارئة لآلاف العائلات التي تبحث عن رغيف الخبز.
وفي أحاديث لمصادر محلية، أكد مواطنون أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لإدخال الطحين، وحليب الأطفال، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة التي نفدت من المستشفيات. وأشاروا إلى أن استبدال المواد الأساسية بسلع يمكن الاستغناء عنها يفاقم من حالة الاحتقان الشعبي تجاه الجهات المشرفة على إدارة وتوزيع المساعدات الدولية في ظل الانهيار الصحي الشامل.
من جانبه، سارع برنامج الغذاء العالمي إلى إصدار بيان رسمي ينفي فيه جملة وتفصيلاً المزاعم المتعلقة بتهريب السجائر عبر شاحناته. وأكدت المنظمة الدولية أنها تلتزم بأعلى معايير الشفافية والرقابة، مشددة على أن كافة الشحنات تخضع لتفتيش دقيق بالتعاون مع الجهات المعنية لضمان وصول المساعدات لمستحقيها بأمان.
واعتبرت المنظمة أن هذه الاتهامات تندرج ضمن حملات التشويه التي تستهدف عرقلة جهودها الإنسانية في القطاع، مؤكدة أن مثل هذه الشائعات لا تخدم مصالح المتضررين. ورغم هذا النفي، لا تزال المطالبات الشعبية والناشطون يصرون على ضرورة وجود رقابة مستقلة وتوضيحات أكثر دقة حول طبيعة ما يدخل عبر المعابر.
وفي سياق التحليل الاقتصادي، رأى خبراء أن دخول هذه الكميات الكبيرة لا يمكن وصفه بالتهريب العشوائي، بل هو عملية منسقة تهدف إلى إنعاش السوق السوداء. وأوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن وصول شحنات بهذا الحجم يتطلب تنسيقاً مسبقاً بين أطراف متعددة، بما في ذلك الجانب الإسرائيلي وجهات محلية متنفذة.
وأشار أبو قمر إلى أن السوق السوداء باتت تهيمن بشكل شبه كامل على مفاصل الاقتصاد المنهك في غزة، حيث يستغل تجار الأزمات النقص الحاد في السلع لتحقيق أرباح فاحشة. وأضاف أن السيطرة على حركة السيولة والبضائع أصبحت تتركز في يد فئة محدودة تستفيد من غياب الرقابة الحكومية الفاعلة والظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.
وتشير الأرقام الصادمة إلى أن سعر علبة السجائر الواحدة وصل في أسواق غزة إلى نحو 1000 شيكل، وهو مبلغ خيالي مقارنة بسعرها الأصلي الذي لا يتجاوز 15 شيكلاً. هذا الارتفاع الجنوني يعكس حجم التشوه الاقتصادي، حيث يضطر البعض لشرائها بأسعار باهظة، مما يؤدي إلى استنزاف ما تبقى من سيولة نقدية لدى السكان.
وحذر مراقبون من أن تجارة السجائر في هذه الظروف تؤدي إلى امتصاص الأموال من أيدي الفقراء لصالح طبقة من المتنفذين الذين باتوا يمتلكون نفوذاً يفوق الجهات الرقابية. وتتجاوز هذه الأزمة البعد المالي لتصل إلى أبعاد اجتماعية خطيرة تتعلق بانعدام العدالة وتعميق الفوارق الطبقية في وقت يواجه فيه الجميع خطر الموت جوعاً.
وليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبق وأن رصدت تقارير دخول مواد محظورة أو ثانوية مثل ألواح الطاقة الشمسية ومواد البناء بأسعار فلكية، بينما تمنع سلطات الاحتلال دخول المواد الأساسية. هذا التكرار يؤكد وجود خلل عميق في منظومة إدخال البضائع، ويستوجب مراجعة شاملة لآليات التنسيق والرقابة الدولية والمحلية.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن غالبية سكان قطاع غزة يعتمدون الآن بشكل كلي على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة بعد تدمير البنية التحتية وتوقف مصادر الدخل. وفي ظل هذا الاعتماد الكلي، يصبح أي تلاعب في نوعية أو كمية المساعدات الواصلة بمثابة تهديد مباشر للأمن الغذائي والسلم المجتمعي داخل القطاع المحاصر.
ختاماً، يطالب الشارع الفلسطيني في غزة بضرورة وضع حد لتغول تجار الحروب وتفعيل آليات رقابية صارمة تضمن وصول المواد التموينية والطبية دون عوائق. ويشدد الناشطون على أن كرامة الإنسان الفلسطيني تقتضي توفير احتياجاته الأساسية أولاً، بعيداً عن صفقات السوق السوداء التي تقتات على جراح المنكوبين وآلامهم.
المصدر:
القدس