وجهت لجنة حماية الصحافيين نداءً عاجلاً إلى السلطات الأمريكية تطالب فيه بضرورة إعادة فتح ملف التحقيق في استشهاد المراسلة الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة. واعتبرت اللجنة أن بقاء القضية دون تقدم ملموس رغم مرور أربع سنوات على وقوع الجريمة يمثل إخفاقاً كبيراً في حماية مواطنة أمريكية استُهدفت أثناء أداء عملها الصحافي.
ودعت اللجنة في رسالة رسمية بعثت بها إلى القائم بأعمال المدعي العام الأمريكي تود بلانش، ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي كاش باتيل، إلى استئناف الإجراءات القانونية المعطلة. وأكدت الرسالة أن مقتل أبو عاقلة برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة عام 2022 يتطلب استجابة سريعة ونزيهة من قبل الحكومة الأمريكية لضمان العدالة.
وكان مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) قد أعلن عن فتح تحقيق في الحادثة خلال شهر نوفمبر من عام 2022، إلا أن اللجنة أشارت إلى أن هذا المسار لم يسفر عن أي نتائج حقيقية حتى الآن. ووصفت اللجنة هذا التأخير بأنه 'فشل ذريع' يعكس تراخياً في التعامل مع جريمة ارتكبها جيش أجنبي بحق صحافية كانت ترتدي سترة الصحافة الواضحة.
وتعود تفاصيل الجريمة إلى الحادي عشر من مايو عام 2022، حينما كانت أبو عاقلة تغطي اقتحاماً لقوات الاحتلال في مخيم جنين بشمال الضفة الغربية. وقد وثقت الكاميرات لحظات إصابتها القاتلة وسقوطها على الأرض، في وقت كان فيه زملاؤها يحاولون الوصول إليها تحت وابل من الرصاص المتعمد الذي استهدف الطواقم الإعلامية.
من جانبها، حاولت السلطات الإسرائيلية منذ اللحظات الأولى التنصل من المسؤولية عبر إلقاء اللوم على مسلحين فلسطينيين، وهو ما دحضته التحقيقات المستقلة لاحقاً. ورغم اعتراف جيش الاحتلال في سبتمبر 2022 بوجود 'احتمال كبير' لمقتلها بنيران جنوده عن طريق الخطأ، إلا أنه رفض اتخاذ أي إجراءات عقابية بحق المتورطين.
ونقلت اللجنة عن عائلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة تعبيرها عن خيبة أمل عميقة جراء تقاعس الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن اتخاذ خطوات فعلية. وترى العائلة أن غياب المحاسبة يمنح الضوء الأخضر للاستمرار في استهداف الصحافيين في الميدان دون خوف من العواقب القانونية الدولية.
وفي سياق متصل، كشف تقرير سنوي للجنة حماية الصحافيين صدر في فبراير الماضي عن أرقام صادمة تتعلق باستهداف الإعلاميين من قبل الاحتلال الإسرائيلي. حيث حمّل التقرير إسرائيل المسؤولية عن مقتل ثلثي الصحافيين الذين قضوا حول العالم خلال عام 2025، والذين بلغ عددهم الإجمالي 129 صحافياً وعاملاً في قطاع الإعلام.
وعلى الرغم من نفي جيش الاحتلال المتكرر لتعمد استهداف الصحافيين، إلا أن شهادات عسكرية أمريكية أثارت شكوكاً حول نزاهة التحقيقات السابقة. فقد صرح العقيد الأمريكي المتقاعد ستيف غابافيكس بأن واشنطن تعمدت تخفيف نتائج تحقيقاتها الخاصة في قضية أبو عاقلة لتجنب الصدام السياسي مع الحكومة الإسرائيلية.
وفي تطور لافت، نجح فيلم وثائقي أنتجته منصة مستقلة في تحديد هوية الجندي الإسرائيلي المشتبه بإطلاقه الرصاصة القاتلة التي أودت بحياة شيرين. الفيلم الذي حمل عنوان 'من قتل شيرين؟' كشف أن الجندي يدعى 'ألون سكاجيو'، وهو عنصر في إحدى وحدات النخبة التابعة لجيش الاحتلال التي شاركت في عملية مخيم جنين.
وأوضح منتج الفيلم، الصحافي ديون نيسنباوم أن إسرائيل بذلت جهوداً مضنية لإخفاء هوية الجندي ومنع وصول المحققين الأمريكيين إليه. وأكد نيسنباوم أن السلطات الإسرائيلية رفضت تزويد الجانب الأمريكي بأي معلومات جوهرية أو السماح بمقابلة الجندي للاستماع إلى إفادته حول تفاصيل إطلاق النار.
تأتي هذه المطالبات الحقوقية المتجددة لتضع الإدارة الأمريكية الحالية أمام اختبار حقيقي لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي تنادي بها. ويبقى ملف شيرين أبو عاقلة رمزاً للنضال الصحافي الفلسطيني في مواجهة الانتهاكات المستمرة، وسط إصرار دولي وشعبي على ضرورة إنهاء سياسة الإفلات من العقاب.
المصدر:
القدس