آخر الأخبار

مبادرة إنقاذ التعليم الطبي في غزة: تخريج 613 طبيباً تحت الحر

شارك

في ظل الانهيار المتسارع للمنظومة الصحية في قطاع غزة جراء العدوان المستمر، برزت مبادرة أكاديمية تجمع الأطباء الفلسطينيين في أوروبا (بالميد) كطوق نجاة لآلاف طلاب الطب. تهدف هذه المبادرة إلى إنقاذ التعليم الطبي من الانهيار الكامل بعد تدمير المنشآت الجامعية، وضمان تخريج كوادر قادرة على سد العجز الهائل في المستشفيات التي فقدت مئات الأطباء والممرضين.

تجسد قصة الطالبة فاطمة عقل، التي وقفت عاجزة عن إسعاف والدتها المصابة في خيمة نزوح، الدافع الحقيقي وراء انخراط الطلاب في هذه البرامج التدريبية. فقد تحول شعور العجز إلى إرادة للتعلم، حيث وجدت ضالتها في تدريبات الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي التي تقام داخل مجمع ناصر الطبي بدعم من الأكاديمية الدولية.

تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى استشهاد نحو 1700 كادر طبي منذ أكتوبر 2023، مما جعل تعويض هذه الكفاءات ضرورة وجودية. ومن هنا انطلقت مبادرة 'بالميد' في أبريل 2024 مستهدفة 2500 طالب وطالبة من جامعتي الأزهر والإسلامية، لضمان عدم ضياع سنواتهم الدراسية وسط الركام.

نجحت المبادرة خلال عام واحد في تخريج أكثر من 613 طبيباً انخرطوا فوراً في الخدمة الميدانية داخل المستشفيات والعيادات المتبقية في القطاع. ويمثل هذا الرقم إنجازاً استثنائياً بالنظر إلى حجم الدمار الذي طال 90% من المؤسسات التعليمية، وخروج أغلب المستشفيات الكبرى عن الخدمة الفعلية نتيجة الاستهداف المباشر.

حدد الدكتور محمود لوباني، رئيس الأكاديمية، ثلاثة أهداف جوهرية للمبادرة تشمل استمرار التعليم الصحي ومساندة الجامعات المحلية ككيانات وطنية. وتسعى الأكاديمية من خلال برامجها إلى إعداد طاقة صحية شابة تكون قادرة على قيادة المجتمع الطبي في غزة مستقبلاً، وتجاوز آثار الحرب التدميرية على الكادر البشري.

واجه القائمون على المشروع تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على المحتوى الأكاديمي وضمان وصوله للطلاب الذين يفتقرون لأبسط الأدوات الإلكترونية. وكان الحفاظ على الاعتراف الدولي بشهادات جامعتي الأزهر والإسلامية أولوية قصوى، لضمان عدم تحول سنوات دراسة الطلاب إلى هباء بسبب التغييرات الاضطرارية في المناهج.

أوضح الدكتور رياض مشارقة، رئيس المجلس الاستشاري للتجمع أن الهيكلية الإدارية للمبادرة ضمت مجالس إدارة عليا ولجان مراقبة جودة متخصصة. وقد اعتمدت العملية التعليمية على منصة إلكترونية متطورة، بمشاركة نحو ألف طبيب متطوع من مختلف دول العالم قدموا محاضراتهم وخبراتهم للطلاب المحاصرين في غزة.

إن التعليم في غزة ليس ترفاً يمكن تأجيله حتى تصمت المدافع، بل هو فعل مقاوم يومي لصون ما تبقى من مقومات الحياة.

لم يقتصر التعليم على الجانب النظري، بل تم ابتكار نموذج للتدريب السريري داخل المستشفيات التي تحولت إلى ساحات طوارئ دائمة. وتم تقسيم الأسبوع الدراسي بين التدريب الميداني المكثف والدراسة عبر المنصة، مما سمح لطلاب السنوات المتقدمة باكتساب خبرات عملية مباشرة في التعامل مع الإصابات المعقدة والحرجة.

سجل في المبادرة رسمياً أكثر من 2100 طالب من أصل 2500، مما يعكس إصراراً فلسطينياً منقطع النظير على إكمال المسيرة التعليمية رغم النزوح والقصف. وبحلول منتصف عام 2024، كان جميع المسجلين يمتلكون القدرة على الوصول إلى المواد التعليمية، مما مهد الطريق لتخرج الدفعات الأولى وانخراطها في العمل الطبي.

يؤكد القائمون على المبادرة أن الهدف الأسمى هو تثبيت صمود الطلاب داخل غزة ورفض فكرة تهجيرهم للدراسة في الخارج، لضمان وجود جيل طبي يسد الفجوة الحالية. ووجه التجمع نداءات دولية للمؤسسات الإنسانية للمساعدة في توظيف هؤلاء الخريجين الجدد، نظراً للحاجة الملحة لخدماتهم في ظل استنزاف الكوادر القديمة.

على صعيد التمويل، يواجه المشروع تحديات مالية كبيرة، حيث تبلغ تكلفة التدريب السريري وحده نحو 200 ألف دولار شهرياً. وأشار الدكتور محمد الهمص إلى أن التمويل يعتمد بشكل أساسي على تبرعات مؤسسة 'بالميد' وبعض الجمعيات الخيرية في بريطانيا، في ظل غياب الدعم الحكومي أو الدولي الرسمي للمشروع.

رغم انقطاع الكهرباء والإنترنت، عملت الأكاديمية على ترميم بعض القاعات الدراسية وتزويدها بأجهزة حاسوب لتمكين الطلاب من متابعة دروسهم. هذا الإصرار حول طلاب المستويات العليا إلى مدربين ميدانيين لزملائهم الأصغر سناً، في دورة مستدامة من نقل المعرفة والخبرة تحت ظروف الحرب القاسية.

تصف الدكتورة هبة مكي، مديرة دائرة التدريب بوزارة الصحة، التدريب في زمن الحرب بأنه نقيض التدريب التقليدي، حيث يتعامل الطلاب مع إصابات غير مألوفة. وقد أسهم مئات الطلبة في دعم الطواقم المنهكة بمهام حيوية، مع التزام الوزارة بضوابط صارمة تمنع التعامل مع الحالات المعقدة دون الحصول على مزاولة المهنة الرسمية.

تتجاوز هذه المبادرة كونها استجابة طارئة لتصبح رؤية استراتيجية لمستقبل غزة، حيث يسعى المدير التنفيذي أسامة خلة لبناء تحالف عالمي لدعم التعليم الطبي. إن كل طبيب يتخرج اليوم من تحت الأنقاض يمثل رسالة صمود قوية، تؤكد أن إرادة الحياة والتعلم في فلسطين أقوى من آلة الدمار التي تستهدف الوجود الإنساني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا