آخر الأخبار

أوضاع غزة الإنسانية والصحية بعد وقف إطلاق النار

شارك

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي شن غاراتها على مناطق متفرقة في قطاع غزة، مما أدى إلى سقوط تسعة شهداء خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، في تصعيد ميداني يتجاوز متوسط الضحايا اليومي منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه الاستهدافات تتركز بشكل مكثف في المناطق القريبة من الحدود وما يعرف بـ'الخط الأصفر'، حيث يفرض الجيش قيوداً أمنية مشددة تمنع وصول الطواقم الإغاثية.

وتمتد الاعتداءات لتطال عمق القطاع والأحياء السكنية، كما حدث في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، حيث استشهد ثلاثة أفراد من عائلة واحدة أثناء محاولتهم تجهيز خيمتهم. وتؤكد هذه الحوادث أن حالة الهدوء المفترضة لم توفر الأمان للسكان، الذين يواجهون خطر الاستهداف المباشر سواء خلال تنقلهم أو حتى داخل مراكز النزوح المؤقتة.

على الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يلتزم بالتفاهمات الحدودية، بل عمد إلى توسيع نطاق سيطرته العسكرية لتشمل مساحات إضافية تقدر بنحو 10% من مساحة القطاع. هذا التوسع أدى إلى تضييق الخناق على السكان وحرمانهم من الوصول إلى أراضيهم ومنازلهم، وسط مخاوف جدية من عودة العمليات العسكرية الشاملة في ظل تعثر المفاوضات السياسية.

وفيما يخص ملف المساعدات، تواصل سلطات الاحتلال تقنين دخول الشاحنات الإغاثية، حيث لا يتجاوز المتوسط اليومي 200 شاحنة، وهو رقم يقل بكثير عن الـ 600 شاحنة المتفق عليها في المرحلة الأولى. هذا النقص الحاد تسبب في جفاف الأسواق من السلع الأساسية، واستمرار أزمة الوقود وغاز الطهي التي تعصف بمئات آلاف العائلات النازحة.

وتشير الإحصائيات إلى أن سبع عائلات من بين كل عشرة لا تمتلك غازاً للطهي، مما يضطر السكان لاستخدام وسائل بديلة وخطيرة مثل حرق النفايات والكرتون لإعداد الطعام. وتتزامن هذه الأزمة مع تصنيف الاحتلال للعديد من المواد الأساسية، كالأخشاب ومعدات الطاقة الشمسية، ضمن قائمة 'المواد مزدوجة الاستخدام' المحظور دخولها للقطاع.

أزمة الجوع لا تزال تضرب بقوة في مختلف مناطق غزة، حيث تعجز عائلة واحدة من بين كل خمس عائلات عن تأمين أكثر من وجبة واحدة يومياً. وأصبحت 'التكيات' والمطابخ الخيرية هي الملاذ الوحيد لآلاف الفلسطينيين الذين فقدوا مصادر دخلهم وقدرتهم على شراء المواد الغذائية الشحيحة والمرتفعة الأثمان.

وتزداد معاناة النازحين داخل المخيمات مع ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الأوبئة والقوارض بين أكوام الركام والنفايات المتراكمة. وقد سُجلت حالات مرضية صادمة، من بينها إصابة طفل بالشلل نتيجة تعرضه لعضة قارض داخل خيمته، مما يدق ناقوس الخطر حول البيئة الصحية المتردية التي يعيش فيها الأطفال وكبار السن.

الاستهدافات الإسرائيلية المتواصلة تفاقم بصورة كبيرة الظروف الإنسانية والمعيشية في القطاع، والفلسطينيون ما زالوا يعيشون هاجس الحرب.

إلى جانب ذلك، تمثل أزمة المياه تحدياً يومياً للفلسطينيين، حيث يعاني القطاع من ندرة حادة في المياه الصالحة للشرب وانهيار شبكات الصرف الصحي. وتضطر العائلات لقطع مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه التي غالباً ما تكون ملوثة، مما يفاقم من انتشار الأمراض الجلدية والمعوية بين النازحين.

وفي ملف الجرحى والمرضى، لا تزال العراقيل الإسرائيلية تحول دون سفر الآلاف لتلقي العلاج في الخارج، رغم إعادة فتح معبر رفح بشكل جزئي. وتؤكد المصادر أن عدد المغادرين يومياً لا يتجاوز 60 شخصاً، وهو ما يمثل أقل من نصف العدد المتفق عليه، مما يضع حياة آلاف المصابين في خطر حقيقي.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 20 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة لتحويلات طبية عاجلة، في حين لم يتمكن سوى 12% فقط من الفئات المستهدفة من السفر فعلياً. وقد أدى هذا التأخير المتعمد إلى وفاة عدد من مرضى السرطان والأمراض المزمنة الذين انتظروا طويلاً دون جدوى للحصول على حقهم في العلاج.

من جانبها، أطلقت وزارة الصحة في غزة تحذيراً أخيراً من انهيار شامل في الخدمات المخبرية والدوائية داخل المستشفيات المتبقية. وأعلنت الوزارة نفاد نحو 47% من قائمة الأدوية الأساسية، بالإضافة إلى نقص حاد في المستهلكات الطبية الضرورية لعمليات غسيل الكلى وجراحات العيون والقسطرة القلبية.

البيان الصحي أوضح أيضاً أن 87% من مواد الفحص المخبري أصبحت أرصدتها صفراً، مما يعني توقف المختبرات عن إجراء الفحوصات الأساسية مثل تحليل الدم الشامل. هذا النقص يهدد بشكل مباشر قدرة الأطباء على تشخيص الحالات الحرجة ومتابعة المرضى في أقسام العناية المركزة والطوارئ.

وتعتبر قطاعات علاج السرطان وأمراض الدم والرعاية الأولية من أكثر الفئات تضرراً، حيث يواجه المرضى هناك مصيراً مجهولاً في ظل غياب البدائل العلاجية. وتناشد الكوادر الطبية المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لكسر الحصار الطبي وإدخال المستلزمات الضرورية قبل توقف ما تبقى من مرافق صحية عن العمل.

إن الواقع المرير في قطاع غزة يثبت أن وقف إطلاق النار لم ينهِ الكارثة، بل كشف عن عمق الانهيار الذي أصاب كافة مناحي الحياة. وبينما تستمر الغارات المتقطعة، يظل الجوع والمرض والحصار أدوات تفتك بالسكان الذين ينتظرون حلولاً جذرية تنهي معاناتهم الإنسانية المستمرة منذ سنوات.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا