آخر الأخبار

سياسة الضم الإداري في الضفة الغربية: الخليل نموذجاً

شارك

تواجه مدينة الخليل، كبرى مدن الضفة الغربية المحتلة، مرحلة جديدة من التضييق الإداري عقب انتخاب يوسف الجعبري رئيساً لبلديتها، حيث وجد نفسه مجرداً من الصلاحيات الأساسية المتعلقة بالتخطيط والبناء. وتتركز هذه القيود في محيط المسجد الإبراهيمي، وهي المنطقة الأكثر حساسية، بعدما قررت سلطات الاحتلال سحب هذه المهام من الجانب الفلسطيني ونقلها لمسؤولين إسرائيليين بشكل أحادي.

تأتي هذه الخطوة في سياق سياسة أوسع تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو، تهدف إلى تعزيز نفوذ الأقلية الاستيطانية داخل قلب المدن الفلسطينية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يمثل تسارعاً دراماتيكياً في عمليات الضم التدريجي التي استمرت لعقود، لكنها انتقلت الآن من الضم الفعلي عبر البؤر الاستيطانية إلى الضم القانوني والرسمي عبر تغيير القوانين الإدارية.

أفادت مصادر بأن التغييرات الأخيرة التي قادها وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش تهدف إلى نقل السلطة من الحكم العسكري إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية. هذا التحول يعني عملياً إلغاء الحاجة لموافقة الجيش على شراء الأراضي، ومنح وزارة العدل في دولة الاحتلال السيطرة الكاملة على سجلات الأراضي في معظم أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

تسمح هذه التعديلات القانونية للمسؤولين الإسرائيليين باتخاذ إجراءات تنفيذية مباشرة، تشمل هدم الممتلكات والتدخل في قضايا المياه والمخاطر البيئية في مناطق كانت تدار تاريخياً من قبل السلطة الفلسطينية. وتعتبر هذه الإجراءات تقويضاً مباشراً لما تبقى من أسس اتفاقيات أوسلو، حيث ترفع الحواجز القانونية التي كانت تحول دون الضم الكامل للأراضي.

تشير البيانات الصادرة عن منظمات حقوقية إلى أن حكومة الاحتلال الحالية وافقت على إنشاء 102 مستوطنة جديدة خلال أقل من أربع سنوات، وهو ما يعادل تقريباً ضعف عدد المستوطنات التي كانت قائمة قبل توليها الحكم. ومن أخطر هذه المشاريع مستوطنة 'إي 1' التي تهدد بفصل شمال الضفة عن جنوبها، مما يقضي على أي فرصة لقيام دولة فلسطينية متصلة.

بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، كثفت سلطات الاحتلال ضغوطها الاقتصادية على السلطة الفلسطينية، مما دفع مسؤولين فلسطينيين للتحذير من انهيار مالي وشيك. وصرح وزير المالية الفلسطيني، إستيفان سلامة، بأن الهدف من هذا الحصار المالي هو خلق فراغ سياسي وإداري يسهل عملية الضم النهائي للضفة الغربية وسط غياب ضغط دولي حقيقي.

على الصعيد الميداني، تصاعدت وتيرة عنف المستوطنين بشكل غير مسبوق، حيث وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1800 هجوم خلال العام الماضي وحده. وتتم هذه الاعتداءات في ظل مناخ من الإفلات من العقاب، مما أدى إلى استشهاد 13 فلسطينياً منذ بداية العام الجاري، بينهم أطفال سقطوا برصاص المستوطنين المباشر في قرى الضفة.

إنهم ينشئون بلدية داخل بلدية، وينزعون صلاحياتنا، ولا يحترمون الاتفاقيات التي وقعوها.

أدى هذا العنف الممنهج إلى تهجير قسري لـ 36 تجمعاً فلسطينياً بالكامل خلال السنوات الثلاث الماضية، بالإضافة إلى تهجير جزئي لعشرات التجمعات الأخرى. ويؤكد محللون أن الهدف من هذه الهجمات هو إجبار الفلسطينيين على ترك أراضيهم طوعاً لتسهيل سيطرة الدولة عليها وتخصيصها لاحقاً للمشاريع الاستيطانية.

تتضمن التغييرات الإدارية الجديدة تمويلاً لإعادة إطلاق عملية تسجيل الأراضي في المنطقة 'ج'، وهي العملية التي توقفت منذ عام 1967. ويحذر ناشطون من أن مطالبة الفلسطينيين بإثبات ملكيتهم للأراضي في ظل ظروف تعجيزية سيؤدي تلقائياً إلى تحويل مساحات شاسعة من الأملاك الخاصة إلى 'أراضي دولة' تابعة للاحتلال.

وفقاً لخبراء قانونيين، فإن عبء الإثبات في القوانين الجديدة انتقل ليكون على عاتق المواطن الفلسطيني، فكل أرض لا يثبت صاحبها ملكيتها الخاصة تذهب فوراً للاحتلال. هذا النظام القانوني الجديد يهدف إلى 'تطبيع' حياة المستوطنين وجعلهم مواطنين يتمتعون بكافة الحقوق المدنية الإسرائيلية فوق الأراضي المحتلة.

أعرب مسؤولون سابقون في أجهزة أمن الاحتلال عن صدمتهم من حجم العنف الممارس ضد القرى الفلسطينية، حيث وصف رئيس سابق للموساد ما شاهده في تلك القرى بأنه يذكره بأحداث تاريخية مأساوية. ومع ذلك، تستمر الحكومة في توفير الغطاء السياسي والقانوني لهذه الممارسات التي تهدف لتغيير ديموغرافيا المنطقة بشكل جذري.

يسود الشارع الفلسطيني قلق عميق من أن تكون هذه الإجراءات مقدمة لعمليات ترحيل جماعي، خاصة مع تصريحات وزراء في حكومة الاحتلال تدعو علانية لتشجيع هجرة الفلسطينيين. ويقول ناشطون في مدينة الخليل إن الخوف من 'نكبة ثانية' بات يلازم السكان في ظل غياب الحماية الدولية وتغول المستوطنين.

إن السيطرة على سجلات الأراضي وجعلها علنية، مع إلغاء الحظر على بيعها لغير العرب، يفتح الباب أمام الشركات الاستيطانية للاستحواذ على مساحات استراتيجية. هذه الخطوات الإدارية الصامتة تعتبر أكثر خطورة من العمليات العسكرية المباشرة، لأنها تخلق واقعاً قانونياً يصعب التراجع عنه في المستقبل.

في نهاية المطاف، تبدو استراتيجية الاحتلال واضحة في تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة تديرها بلديات فلسطينية منزوعة الصلاحيات، بينما تسيطر الإدارة المدنية الإسرائيلية على الموارد والأرض. هذا النظام يكرس واقع 'الأبارتهايد' الإداري الذي يسعى للقضاء على أي تطلعات وطنية فلسطينية بالاستقلال والسيادة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا