د. أحمد رفيق عوض: تكرار الادعاءات الإسرائيلية بشأن استعداد "حماس" لجولة قتال جديدة يُستخدم ذريعة للدفع نحو تحركات ميدانية بحثاً عن "نصر" سياسي
طلال عوكل: ما يجري يعكس إصراراً إسرائيلياً على الحسم العسكري وتجاهل المسارات السياسية ما ينذر بمزيد من التصعيد والتدهور بغزة خلال المرحلة المقبلة
هاني أبو السباع: التغيرات داخل قيادة حركة حماس بما في ذلك عودة مشعل قد تعكس توجهاً نحو معالجة أزمات القطاع عبر المسار السياسي
ماجد هديب: طريقة الإعلان عن التحشيد وتسويقه ضمن حرب نفسية تستهدف أهالي القطاع وحماس بهدف إحداث حالة من الإرباك والانقسام الداخلي
سري سمور: طبيعة التدخل الأمريكي ستحدد شكل التصعيد سواء أكان حرباً واسعة قد تصل لمستوى الإبادة الجماعية أم مجرد ضربات تكتيكية ومناورات عسكرية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
مع توجه الاحتلال الإسرائيلي نشر ست فرق عسكرية في محيط قطاع غزة، في خطوة تعكس استعدادات ميدانية غير مسبوقة، تتصاعد المخاوف من إمكانية اتساع العدوان إلى حرب شاملة وعودة حرب الإبادة الشاملة على القطاع، وربما العودة إلى سيناريوهات التهجير واحتلال القطاع، ما يشكل معاناة أخرى للأهالي.
وترافقت هذه التعزيزات بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، مع إجراءات ميدانية مشددة، شملت توسيع نطاق السيطرة على الأرض، وتشديد الحصار، وتقليص تدفق المساعدات الإنسانية، إلى جانب تعطيل أي ترتيبات دولية لإدارة القطاع، حيث يشير ذلك إلى توجه نحو فرض واقع جديد عبر أدوات عسكرية وضغوط متعددة المستويات، تتجاوز مجرد الاستعدادات الدفاعية.
ويلفتون إلى أنه بين سيناريوهات التصعيد التدريجي أو العمليات المحدودة، تبقى غزة أمام احتمالات مفتوحة تنذر بتطورات ميدانية معقدة خلال الفترة المقبلة.
توجه جدي نحو استئناف العمليات العسكرية
يرى الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن التحشيد الإسرائيلي المتصاعد حول قطاع غزة يعكس توجهاً جدياً نحو استئناف العمليات العسكرية، في ظل حملة تحريض واسعة تقودها حكومة وجيش ووسائل الإعلام الإسرائيلية، إلى جانب بعض قادة الأحزاب الإسرائيلية، الذين يروّجون لرواية مفادها بأن حركة حماس استعادت قوتها، وتعمل على تجنيد عناصر جدد، وتسيطر على الحياة اليومية، وتصادر المساعدات، وترفض تسليم السلاح.
ويشير عوض إلى أن إسرائيل أعلنت منع "قوة الاستقرار" واللجنة الوطنية لإدارة غزة من دخول القطاع، في سياق تكريس السيطرة الكاملة على مختلف مفاصل الحياة.
إسرائيل تتحكم فعلياً بغزة
ويبيّن عوض أن إسرائيل تتحكم فعلياً بكافة الجوانب الإنسانية والمعيشية في غزة، بدءاً من إغلاق المعابر وتقييد حركة الأفراد، وصولاً إلى تقليص دخول المساعدات بشكل حاد، حيث انخفض عدد الشاحنات من نحو 600 إلى أقل من 50 شاحنة، ما يعكس سياسة تضييق ممنهجة.
ويؤكد عوض أن تكرار الادعاءات الإسرائيلية بشأن استعداد حماس لجولة قتال جديدة يُستخدم كذريعة لدفع المؤسسة العسكرية نحو تحركات ميدانية، بحثاً عن "نصر" سياسي، خاصة في ظل ضغوط داخلية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه انتقادات لعدم تحقيق إنجاز ملموس في غزة، مع بقاء حماس لاعباً رئيسياً في إدارة القطاع.
ويرجّح عوض أن أي تصعيد مقبل قد لا يكون على شاكلة الحروب السابقة، بل ربما يتخذ طابع "الضربات الانتقائية" أو العمليات السريعة، معتبراً أن هذا التحشيد ينطوي على مخاطر كبيرة واحتمالات مفتوحة لتصعيد واسع.
محاولات تسجيل نصر قبيل الانتخابات المقبلة
ويشير عوض إلى أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز البعد العسكري، لتشمل السعي لتسجيل "نصر" قبل الانتخابات المقبلة، والتفكير بإعادة الاستيطان في غزة، إلى جانب مصالح اقتصادية واستثمارية مرتبطة بممرات تجارية ومشاريع إقليمية قد تكون غزة جزءاً محورياً فيها.
ويعتقد عوض أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، ومنع تدويل القضية، عبر إبقاء القطاع تحت سيطرتها المباشرة وتحويله إلى مسألة داخلية، محذراً من أن هذه المؤشرات قد تنذر بأيام صعبة قادمة، في ظل مخططات قد تشمل تهجير السكان وإعادة فرض السيطرة الكاملة على القطاع.
الحرب التي لم تتوقف على غزة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن إسرائيل لم توقف حربها على قطاع غزة، بل واصلت سياساتها الرامية إلى إفشال ما يُعرف بـ"خطة ترمب"، وتعطيل تنفيذ استحقاقات مرحلتها الأولى، رغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة عليها في وقت سابق.
ويوضح عوكل أن موافقة نتنياهو على الخطة لم تكن سوى خطوة تكتيكية، إذ كان واضحاً أنه يراهن على إفشالها، ويعمل على تقويض أي مسار قد يحد من حرية إسرائيل في التصرف داخل القطاع.
ويشير عوكل إلى أن نتنياهو يتمسك بسياسة "الحرب الدائمة" كنهج ثابت، في محاولة لتحقيق انتصار عسكري لم يتمكن من تحقيقه في أي من الجبهات التي تنقل بينها خلال الفترة الماضية.
ويعتقد عوكل أنه في ظل حالة الهدوء النسبي على الجبهات الأخرى، يسعى نتنياهو إلى تصعيد الأوضاع في غزة، من خلال رفع وتيرة العمليات تدريجياً، بدءاً من الاغتيالات وتشديد الحصار، وصولاً إلى مرحلة قد تقترب من "حرب إبادة".
ويلفت عوكل إلى أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت أن مهمة نزع سلاح "حماس" والقضاء عليها ستُسند إلى الجيش الإسرائيلي، في تأكيد على التوجه نحو الحسم العسكري.
ويبيّن عوكل أن إسرائيل رفضت السماح بدخول اللجنة الوطنية المعنية بإدارة غزة، وكذلك ممثلي قوات حفظ الاستقرار، في خطوة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي ترتيبات دولية أو إقليمية قد تُقيّد تحركاتها أو تفرض عليها التزامات ضمن إطار الخطة المطروحة.
ويشير إلى أنه رغم أن بعض التقديرات ترى أن نتنياهو يستغل انشغال الولايات المتحدة والوسطاء بالتطورات في منطقة الخليج، لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى "تواطؤ أمريكي"، يتيح لإسرائيل التحرك بحرية في القطاع دون قيود فعلية.
ويؤكد عوكل أن هذا المسار يشير إلى أن التصعيد بات قريباً، وأن الهدف النهائي يتمثل في فرض السيطرة الكاملة على قطاع غزة، باعتبار ذلك "الانتصار الوحيد" الذي يمكن لنتنياهو تسويقه داخلياً.
ويحذر من أن تحقيق هذا الهدف من شأنه أن يقوّض أي أفق سياسي يتعلق بإقامة دولة فلسطينية، مشيراً إلى أن هذا التوجه يشكّل هدفاً مركزياً لدى مختلف أطياف المشهد السياسي الإسرائيلي.
ويعتقد عوكل أن استمرار هذه السياسات يعكس إصراراً إسرائيلياً على حسم الصراع عسكرياً، مع تجاهل المسارات السياسية، ما ينذر بمزيد من التصعيد وتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة.
تفعيل "أمر 8"
يرى الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن هناك جملة من المؤشرات الميدانية والسياسية توحي باقتراب عودة القتال في قطاع غزة، في ظل تصاعد المطالب داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باستئناف العمليات، وعقد عدة جلسات داخل "الكابينت" لبحث هذا الخيار.
ويوضح أن من أبرز هذه المؤشرات ما تداولته مواقع إخبارية عبرية بشأن إعادة تفعيل "أمر 8" الخاص باستدعاء قوات الاحتياط، إلى جانب دعوات أطلقتها وزيرة الاستيطان في الحكومة الإسرائيلية لبدء إنشاء مستوطنات جديدة داخل القطاع، في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً يتجاوز مجرد العمليات العسكرية إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في غزة.
ويشير أبو السباع إلى أن الإعلام العبري عاد مؤخراً للحديث عن "تعاظم قوة المقاومة"، مدعياً أنها نجحت في تجنيد آلاف العناصر وإعادة ترميم جزء من شبكة الأنفاق، رغم سيطرة الجيش الإسرائيلي على نحو 59% من مساحة القطاع، واستمرار الحصار المشدد المفروض عليه.
محاولة منع "الأوكسجين" عن المقاومة
ويلفت أبو السباع إلى أن رد المقاومة الأخير في الثاني من مايو / أيار الحالي، والذي رفضت فيه تسليم سلاحها مقابل إعادة الإعمار وتأجيل هذا الملف إلى الحل النهائي، اعتُبر من قبل إسرائيل خرقاً لاتفاق التهدئة ومبرراً للعودة إلى القتال، خاصة في ظل مواقف متشددة داخل الحكومة، حيث عبّر كل من بن غفير وسموتريش عن رفضهما للتهدئة، واعتبرا أنها تمنح "الأوكسجين" للمقاومة.
ويشير أبو السباع إلى وجود تقديرات تفيد بأن التغيرات داخل قيادة حركة حماس، بما في ذلك عودة خالد مشعل المعروف عنه بالدبلوماسية السياسية إلى رئاسة الحركة، قد تعكس توجهاً نحو معالجة أزمات القطاع عبر المسار السياسي، وهو ما تدعمه تصريحات الناطق باسم الحركة حازم قاسم، الذي أكد أن المقاومة لن تكرر تجربة عام 1982 في لبنان، حين تم تسليم السلاح وتعرضت المخيمات لاحقاً لمجازر.
ويؤكد أبو السباع أن احتمالات استئناف الحرب تبقى قائمة، بل تمثل رغبة لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن تطورات إقليمية، وعلى رأسها احتمال تجدد المواجهة مع إيران، قد تؤدي إلى تأجيل هذا السيناريو.
محاولات محو تداعيات السابع من أكتوبر
ويشير أبو السباع إلى أن القطاع، بعد توقف إطلاق الصواريخ منذ أكثر من نصف عام، واستمرار الحصار من مختلف الجهات، لم يعد يشكل تهديداً مباشراً، غير أن الحكومة اليمينية الإسرائيلية ترى أن تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لا يمكن محوها إلا عبر تصعيد جديد، قد يأخذ شكل عمليات عسكرية واسعة تحمل مزيداً من الدمار والخسائر.
التحشيد كأداة حرب نفسية
يشدد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د.عقل صلاح على أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لم تتوقف فعلياً، لكنها اتخذت أشكالاً وأدوات مختلفة، مشيراً إلى استمرار القصف والاغتيالات واستهداف مراكز ودوريات الشرطة، إلى جانب تنفيذ عمليات خاصة، ووجود "ميليشيات متعاونة" تنفذ مهام ميدانية بدعم وحماية من الطيران الإسرائيلي.
ويوضح صلاح أن التحشيد العسكري الإسرائيلي المتصاعد حول القطاع يمثل أداة حرب نفسية، تهدف إلى ممارسة ضغط عسكري للحصول على تنازلات سياسية من حركة حماس، خصوصاً في ملف نزع سلاح المقاومة، وهو الهدف الذي لم تنجح إسرائيل في تحقيقه خلال الحرب.
إضعاف قدرات المقاومة
ويلفت صلاح إلى أن هذه التحشيدات قد تستخدم لتنفيذ هجوم متعدد المسارات في وقت واحد، بهدف إضعاف قدرات المقاومة، بالتوازي مع دعم المليشيات المتعاونة لتنفيذ عمليات اغتيال داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس، تجنباً لمخاطر تعرض قوات الاحتلال لعمليات أسر أو استهداف مباشر في مناطق نفوذ المقاومة.
ويوضح صلاح أن هذه التحشيدات تحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى موجهة للمجتمع الإسرائيلي لإظهار جاهزية الجيش لخوض حرب جديدة رغم الانخراط في جبهات أخرى، والثانية موجهة للمجتمع الدولي لتهيئته لاحتمال استمرار الحرب أو تصعيدها.
ويلفت صلاح إلى أن هذه التحشيدات لا تعني بالضرورة قرب اندلاع حرب شاملة، بل يمكن أن تستخدم كأداة ردع ووسيلة ضغط مع الحفاظ على جاهزية عسكرية لسيناريوهات أوسع.
ويربط صلاح بين هذه التحشيدات والحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، معتبراً أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بحاجة إلى تحقيق إنجازات ملموسة، في ظل تراجع شعبيته بعد الإخفاقات في جبهات أخرى مثل لبنان وإيران.
محاولة لتعزيز الرصيد السياسي
ويشير صلاح إلى أن التوجه نحو غزة، بوصفها الجبهة الأضعف، قد يشكّل محاولة لتعزيز الرصيد السياسي، إلى جانب الحفاظ على تماسك الائتلاف اليميني، بما يشمل شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يرى صلاح أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في رفض حماس لمطلب نزع السلاح، لما يحمله من أبعاد سياسية ووطنية، ما سيدفع إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية برية محدودة ومحسوبة، تهدف إلى زيادة الضغط عبر توغلات مؤقتة، مدعومة بضربات جوية ومدفعية مكثفة تستهدف "بنك أهداف" تم تحديثه بعد مرحلة التهدئة الحالية.
تحسين شروط التفاوض
ويبيّن صلاح أن هذا النمط من العمليات يهدف إلى تحسين شروط التفاوض وفرض ترتيبات أمنية جديدة، معتبراً أن التحشيد العسكري يشكّل "ورقة ضغط" مركزية، واختباراً حقيقياً لقدرة حماس على الصمود سياسياً وعسكرياً.
ويؤكد صلاح أن استمرار هذا النهج يعني بقاء دائرة التصعيد مفتوحة، معتبراً أن الحل الوحيد يكمن في إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى هدنة طويلة الأمد، وإلا فإن المنطقة ستبقى عرضة لموجات متكررة من التصعيد، في ظل اعتماد إسرائيل على "العصا الغليظة" والخطاب السياسي المتشدد لتحقيق أهدافها دون الانزلاق إلى حرب شاملة في المرحلة الراهنة.
احتمالية التحضير لحرب طويلة الأمد
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن التحشيد العسكري الإسرائيلي الأخير لا يمكن اعتباره إجراءً روتينياً، بل يمثل إشارة استراتيجية متعددة الأبعاد، تنطوي على رسائل عسكرية وسياسية ونفسية.
ويوضح هديب أن الدلالة العسكرية لهذا التحشيد قد تعكس استعداداً فعلياً لتنفيذ اجتياح بري للقطاع، أو انتقالاً في العقيدة الإسرائيلية من إدارة الصراع مع حركة حماس إلى محاولة حسمه وإنهاء وجودها، إضافة إلى احتمالية التحضير لحرب طويلة الأمد قد تمتد إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية داخل إسرائيل.
ويشير هديب إلى أن هذا التحشيد يوجّه رسائل إلى ثلاث جهات رئيسية؛ أولها حركة حماس، في إطار الضغط عليها خلال المفاوضات الجارية، وثانيها الجمهور الإسرائيلي، لإظهار أن الجيش لا يزال يحتفظ بقدرته على الردع ولم يتأثر بما يُثار عن إخفاقات، وثالثها وما يُعرف بمحور المقاومة، كإشارة إلى استعداد إسرائيل لخوض مواجهات على عدة جبهات، في محاولة لترسيخ صورة "الجيش الذي لا يُقهر".
حرب نفسية تستهدف أهالي غزة وحماس
ويلفت هديب إلى أن البعد الإعلامي والنفسي يشكّل ركناً مهماً في هذا التحشيد، إذ إن طريقة الإعلان عنه وتسويقه تدخل في إطار حرب نفسية تستهدف أهالي قطاع غزة وحركة حماس على حد سواء، بهدف إحداث حالة من الإرباك وربما الانقسام الداخلي، سواء على المستوى الشعبي أو داخل بنية الحركة، خاصة في ظل تنامي أصوات تنتقد استمرار الحرب وتشكك في جدواها.
الجاهزية العسكرية
ويطرح هديب ثلاثة مسارات رئيسية بشأن السيناريوهات المحتملة، الأول "سيناريو الضغط"، حيث تُبقي إسرائيل قواتها في حالة جاهزية مع تنفيذ ضربات جوية محدودة أو عمليات نوعية، بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، خاصة في ظل إدراكها لتعقيدات ما بعد أي اجتياح بري من استحقاقات سياسية قد تكون مكلفة، فضلاً عن تحفظات دولية، لا سيما من جانب الولايات المتحدة، في ظل استمرار طرح "خطة ترمب".
إمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة
أما السيناريو الثاني، فيتمثل وفق هديب، في تنفيذ عملية عسكرية محدودة، تشمل توغلات برية موضعية في بعض المناطق، يقابلها انسحاب من مناطق أخرى، مع استمرار الضربات الجوية وعمليات الاغتيال واستهداف منشآت تعتبرها إسرائيل تهديداً محتملاً.
ويهدف هذا السيناريو، بحسب هديب، إلى إعادة ترميم قوة الردع، خصوصاً في ظل اعتقاد إسرائيل بأن حماس تحاول إعادة تنظيم صفوفها وتعزيز سيطرتها على مفاصل الحياة في القطاع.
إمكانية اندلاع حرب شاملة
ويشير هديب إلى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، الذي يبقى مرتبطاً باحتمال اندلاع حرب شاملة تؤدي إلى احتلال كامل لقطاع غزة، إلا أن هديب يستبعد هذا الخيار في المرحلة الحالية، مرجحاً أن يتحقق فقط في حال انهيار المفاوضات بشكل كامل، وتراجع دور الوسطاء، وارتفاع مستوى الضغط الداخلي في إسرائيل، إلى جانب حدوث تصعيد ميداني كبير.
ويلفت هديب إلى أن المؤشرات الميدانية الحالية لا تدعم فرضية التوجه نحو حرب شاملة، موضحاً أن غياب إجراءات مثل إخلاء مستوطنات غلاف غزة، أو استدعاء واسع لقوات الاحتياط، أو تشغيل المستشفيات الميدانية، يدل على أن الأمور لا تزال ضمن نطاق السيطرة، ما يعزز ترجيح سيناريو "الضغط دون حرب" بوصفه الخيار الأقرب في المرحلة الراهنة.
عودة الحرب مرهونة بالموقف الأمريكي
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن التهديدات الإسرائيلية المتواصلة تجاه قطاع غزة، والتي يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جانب قيادات سياسية وعسكرية، تأتي في سياق محاولة فرض ما يسمى "نزع السلاح"، مشيراً إلى أن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه ميدانياً تسعى لفرضه عبر المفاوضات، ومع فشل ذلك تعود للتهديد باستئناف العدوان، "الذي لم يتوقف فعلياً".
ويوضح سمور أن مسألة شن حملة عسكرية موسعة على غزة تبقى مرهونة بقرار الإدارة الأمريكية، متسائلاً عما إذا كانت ستمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاجتياح شامل أو تكتفي بالسماح بعمليات محدودة.
ويلفت سمور إلى أن طبيعة التدخل الأمريكي ستحدد شكل التصعيد، سواء كان حرباً واسعة النطاق قد تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية كما حدث سابقاً، أو مجرد ضربات تكتيكية ومناورات عسكرية.
الانتقال للمرحلة الثانية دون تنفيذ استحقاقات الأولى
ويشير سمور إلى عدة سيناريوهات محتملة بينها إمكانية أن تكون التهديدات الحالية أداة ضغط على طاولة المفاوضات لدفع الجانب الفلسطيني إلى القبول بالشروط الإسرائيلية والانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، وبما يتماشى مع ما يُعرف بـ"خطة ترامب".
ويلفت سمور إلى احتمال توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية، مستنداً إلى تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إيال زامير حول توقع اندلاع حرب متعددة الجبهات في عام 2026، تشمل غزة ولبنان وإيران وسوريا، إضافة إلى الضفة الغربية.
كما طرح سمور سيناريو ثالثاً يتمثل في أن تضبط الولايات المتحدة إيقاع التصعيد، عبر منع حرب شاملة والاكتفاء بتكثيف عمليات الاغتيال ورفع وتيرتها لفترة محدودة، رغم ما قد تحمله من آثار مدمرة على السكان في قطاع غزة.
الميدان قد يحمل مفاجآت
وفيما يتعلق بقدرة المقاومة على المواجهة، يعتبر سمور أن الصورة لا تزال غير واضحة، مؤكداً أن الميدان غالباً ما يحمل مفاجآت.
ويشدد سمور على أن إسرائيل دأبت على استهداف المدنيين، خاصة النازحين في ظروف إنسانية قاسية، مع نقص حاد في المياه والغذاء، ما يجعل أي تصعيد جديد ذا كلفة إنسانية مرتفعة.
ويشير سمور إلى أن التقدير الإسرائيلي يقوم على انشغال العالم بملفات أخرى، خصوصاً مع إيران، ما قد يخفف الضغوط الدولية على أي عملية عسكرية جديدة في غزة.
ويستبعد سمور أن تقدم المقاومة على تقديم تنازلات جوهرية، لعدم وجود ضمانات حقيقية، خاصة أن إسرائيل "تبحث دائماً عن ذرائع لمواصلة العدوان".
ويرى سمور أن التصعيد قد يبقى محدوداً إذا شهدت جبهات أخرى تطورات دراماتيكية، مثل توسع المواجهة مع إيران أو لبنان، ما قد يدفع إسرائيل إلى إعادة توزيع قواتها والتركيز على جبهات أخرى، مع إبقاء الضغط على غزة ضمن حدود معينة.
المصدر:
القدس