كشفت تقارير صحفية دولية عن توسع عسكري إسرائيلي غير مسبوق منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث بسط الاحتلال سيطرته على مساحات شاسعة تصل إلى 530 ميلاً مربعاً خارج حدوده المعترف بها. وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية تهدف إلى إنشاء 'مناطق عازلة' متقدمة داخل أراضي قطاع غزة ولبنان وسوريا، لضمان ما تصفه تل أبيب بالأمن الوقائي.
وأفادت مصادر إعلامية بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تعد تقتصر على التوغل المؤقت، بل تحولت إلى فرض واقع جغرافي جديد عبر السيطرة على شريط أرضي متصل في جنوب لبنان يمتد لمسافة 130 ميلاً. ويبدأ هذا الحزام الأمني من ساحل البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى الجانب السوري من جبل الشيخ، مشكلاً خط دفاع أمامي يهدف لعزل التهديدات الصاروخية.
وفي الجبهة الشمالية، استغلت القوات الإسرائيلية حالة عدم الاستقرار في سوريا عقب انهيار النظام السابق في ديسمبر 2024 لتعزيز تواجدها الميداني. وبررت سلطات الاحتلال هذا التوغل بوجود خلل في الالتزامات الأمنية على الحدود، رغم تأكيدات القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع على الرغبة في السلام مع اشتراط الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال بات يسيطر حالياً على نحو ثلثي مساحة قطاع غزة، مع تركيز الكتلة السكانية الفلسطينية في مناطق حضرية ضيقة بجهة الغرب. هذا التغيير الديموغرافي والجغرافي يتزامن مع تدمير واسع للبنية التحتية، مما يجعل العودة إلى حدود ما قبل الحرب أمراً معقداً في ظل الشروط الإسرائيلية الحالية.
ووصف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، العمليات الجارية في القرى اللبنانية الواقعة جنوب نهر الليطاني بأنها 'استنساخ لغزة'، في إشارة واضحة إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة والجرافات العسكرية لتغيير معالم المنطقة. وتهدف هذه السياسة إلى جعل المناطق الحدودية 'معقمة' أمنياً وخالية من أي تواجد عسكري للفصائل المسلحة.
من جانبه، أوضح الخبير الأمني كوبي مايكل أن سياسة المناطق العازلة لم تعد مجرد خيار تكتيكي، بل أصبحت استراتيجية أمنية عليا لإبعاد التهديدات عن العمق الإسرائيلي. وأضاف أن الهدف هو السيطرة المباشرة على البيئة المحيطة ومنع أي جماعات مسلحة من إعادة التموضع قرب الحدود، خاصة بعد فشل نظرية الردع التقليدي.
وفي سياق متصل، تبرز مخاوف دولية من أن تكون هذه التحركات العسكرية غطاءً لأجندات أيديولوجية تتبناها أطراف في الحكومة الإسرائيلية، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. حيث يدفع هؤلاء باتجاه مفهوم 'إسرائيل الكبرى' الذي يتجاوز الحدود الحالية ليشمل أجزاءً من دول الجوار، وهو ما يثير قلقاً من صراع إقليمي طويل الأمد.
وتؤكد مصادر مطلعة أن إسرائيل تضع شرطاً تعجيزياً للانسحاب من هذه المناطق، وهو النزع الكامل لسلاح حزب الله وحركة حماس، وهو أمر يراه المراقبون بعيد المنال في المدى المنظور. هذا التعنت يبقي المناطق العازلة في حالة عسكرية مفتوحة، ويحولها إلى نقاط احتلال دائم تحت مسميات أمنية.
وعلى الصعيد الإنساني، تسببت هذه السياسة في نزوح جماعي هائل، حيث تقدر الأمم المتحدة عدد النازحين في لبنان بنحو 1.3 مليون شخص تركوا قراهم الحدودية. وفي غزة، يعيش نحو مليوني فلسطيني في ظروف قاسية داخل مربعات أمنية ضيقة، وسط سيطرة إسرائيلية محكمة على الممرات الاستراتيجية والحدود.
وفي سوريا، شملت المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي تجمعات سكانية متنوعة، حيث تحاول تل أبيب اللعب على الوتر الطائفي عبر ادعاء حماية بعض الأقليات. ومع ذلك، يظل الموقف السوري الرسمي متمسكاً بضرورة استعادة السيادة الوطنية، معتبراً التواجد الإسرائيلي خرقاً صريحاً للقوانين الدولية.
ويرى المحلل ناثان براون أن التفكير الأمني الإسرائيلي شهد تحولاً جذرياً بعد صدمة أكتوبر، حيث انتقل من العمليات الاستباقية إلى السيطرة المباشرة على الأرض. وأشار إلى أن ما كان يُعتبر في البداية رد فعل مؤقت، أصبح الآن جزءاً أصيلاً من بنية القرار الأمني والعسكري في إسرائيل.
ورغم وجود انقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بين الرؤية الأمنية البحتة والتوجهات الاستيطانية، إلا أن المؤسسة العسكرية لا تزال هي المحرك الرئيسي للقرار. وتركز هذه المؤسسة على فرض واقع ميداني يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية، مما يكرس احتلالاً جديداً بملامح القرن الحادي والعشرين.
إن الجدل حول هذه المناطق العازلة يتجاوز البعد العسكري ليصل إلى أبعاد ديموغرافية وسياسية تهدف لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط. فالتدمير الممنهج للقرى والبلدات الحدودية يوحي برغبة في منع عودة السكان الأصليين، مما يمهد الطريق لسيطرة طويلة الأمد قد تمتد لعقود.
ختاماً، تظل المبادرات الدولية لإعادة الإعمار أو التوصل لاتفاقات سلام تصطدم بالواقع المعقد الذي فرضه الاحتلال على الأرض في ثلاث دول عربية. ومع استمرار العمليات العسكرية، يبدو أن مفهوم 'الحدود الأمنية' الإسرائيلية بات مرناً وقابلاً للتوسع في أي لحظة تحت ذريعة الضرورة الاستراتيجية.
المصدر:
القدس