آخر الأخبار

مستقبل غزة: هل يمنح ترمب الضوء الأخضر لنتنياهو لاستئناف الحر

شارك

يدخل قطاع غزة مرحلة حرجة من الغموض السياسي والميداني بعد انقضاء أكثر من مئتي يوم على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، حيث تتصاعد التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى الخيار العسكري الشامل. وتأتي هذه التطورات في وقت تتبادل فيه الأطراف الاتهامات حول عرقلة بنود التهدئة، وسط تصعيد في الغارات الجوية وعمليات الاغتيال الممنهجة التي ينفذها جيش الاحتلال.

ويرى مراقبون أن التلويح الإسرائيلي باستئناف الحرب ليس مجرد مناورة سياسية، بل يعكس إستراتيجية تهدف إلى تحويل الوجود العسكري المؤقت إلى واقع دائم عبر ما يعرف بـ 'أمننة' القطاع. وتتضمن هذه الخطة بناء قواعد عسكرية ثابتة في المناطق التي توغل فيها الجيش، وتحويل الخطوط الدفاعية إلى حدود جديدة تقتطع مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن سلطات الاحتلال قامت بإزاحة ما يسمى 'الخط الأصفر' بنسبة تصل إلى 9% داخل عمق القطاع، مما أدى إلى سيطرة الجيش فعلياً على أكثر من 60% من المساحة الإجمالية لغزة. هذا التوسع الجغرافي يهدف إلى خلق منطقة عازلة تضمن للاحتلال حرية الحركة العسكرية ومنع أي تهديدات مستقبلية من جانب فصائل المقاومة.

وفي سياق الحسابات السياسية الداخلية، يبرز سعي بنيامين نتنياهو لتحقيق وعوده الانتخابية المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس بالكامل، وهو ما يراه شرطاً أساسياً للبقاء في السلطة. ويرى خبراء أن عرقلة وصول اللجنة الوطنية لإدارة غزة تهدف لإبقاء حالة الفراغ الإداري، مما يبرر استمرار العمليات العسكرية بذريعة غياب شريك أمني موثوق.

من جانبها، تضع واشنطن 'عقدة نزع السلاح' كعائق رئيسي أمام أي تقدم في المسار السياسي، حيث تشير مصادر إلى أن رفض حماس للالتزام بالقرار الأممي 2803 يعطل خطط الاستقرار الدولية. وتؤكد هذه المصادر أن دولاً إقليمية ودولية ترفض إرسال قوات حفظ سلام قبل ضمان تجريد الفصائل من سلاحها وتأمين حركة القوات بحرية تامة.

وعلى الصعيد الإنساني، تؤكد مصادر فلسطينية أن الاحتلال لم يلتزم بأي من التعهدات المتعلقة بإدخال المساعدات، حيث لا يزال حجم التدفق الإغاثي دون المستويات المتفق عليها بكثير. فبينما نص الاتفاق على دخول 600 شاحنة يومياً، لا يتجاوز ما يصل فعلياً ألف شاحنة أسبوعياً، مما يفاقم الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها السكان.

إسرائيل بحاجة لرئيس وزراء يركز على الحرب لا الأمور التافهة.

وتتهم القوى الوطنية الفلسطينية الجانب الإسرائيلي باستهداف الكوادر الشرطية والمدنية بشكل مباشر لضرب أي محاولة لتحقيق الاستقرار الداخلي. ورغم تسليم الفصائل تعهدات مكتوبة للوسطاء بتسليم مهام الحكم للجنة وطنية مستقلة، إلا أن الفيتو الإسرائيلي لا يزال يمنع هذه اللجنة من ممارسة مهامها في إدارة شؤون القطاع.

ومع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تتباين التحليلات حول طبيعة الضوء الأخضر الذي قد يمنحه لنتنياهو، حيث يرى البعض أن ترمب قد يفضل المسارات الدبلوماسية الإقليمية. إلا أن تصريحاته الأخيرة التي دعت للتركيز على 'الحرب' بدلاً من القضايا الهامشية، اعتبرها البعض دعماً مبطناً لاستكمال الأهداف العسكرية الإسرائيلية في غزة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن ملف غزة قد تراجع إلى المرتبة الثانية في سلم الأولويات الأمريكية والإسرائيلية لصالح التركيز على الملف الإيراني والجبهة اللبنانية. هذا التراجع في الأولوية قد يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لاستخدام القوة العسكرية كأداة ضغط مستمرة دون التعرض لضغوط دولية حقيقية لوقف التصعيد.

ويبقى خيار استئناف الحرب قائماً بقوة ما لم يتدخل المجتمع الدولي لفرض انتقال حقيقي من المنطق الأمني الذي يفرضه الاحتلال إلى منطق سياسي مدني. إن غياب الإرادة الدولية في إلزام إسرائيل ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق يفتح الباب على مصراعيه أمام جولة جديدة من الصراع قد تكون أكثر دموية من سابقاتها.

يذكر أن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023 قد خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية والمنشآت المدنية في قطاع غزة. وقد تسببت العمليات العسكرية المستمرة في استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 172 ألفاً آخرين، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

وفي ظل هذه المعطيات، يترقب الشارع الفلسطيني بحذر ما ستؤول إليه التحركات الدبلوماسية في الأسابيع المقبلة، خاصة مع انتهاء المهل الزمنية التي حددها الاحتلال لتسليم السلاح. وتظل غزة 'ساحة منسية' وسط صراعات إقليمية كبرى، بانتظار قرار سياسي ينهي معاناة ملايين المحاصرين تحت وطأة النيران والجوع.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا