تتصاعد وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان متبعةً سياسة 'الأرض المحروقة'، حيث اتسعت أوامر الإخلاء لتشمل ما يزيد عن 110 قرى لبنانية. وقد تجاوزت هذه الأوامر في بعض المناطق شمال نهر الليطاني، مما يثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الحقيقية للاحتلال خلف هذه التحركات الميدانية المتسارعة.
يرى خبراء في الشؤون الإسرائيلية أن الاحتلال لا يتراجع عن استراتيجياته التوسعية إلا في حال وجود ضغوط قاهرة تمنعه من الاستمرار. ومع فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تحقيق ما وصفه بـ 'النصر المطلق'، يبدو أنه اتجه لتقديم السيطرة على الأرض كبديل استراتيجي لليمين المتطرف والمجتمع الإسرائيلي.
إن حجم الدمار الممنهج الذي طال مئات المنازل في القرى الحدودية لا يمكن اعتباره مجرد إجراء أمني مؤقت، بل هو تمهيد لواقع جديد. وتتزامن هذه العمليات مع بروز أصوات أكاديمية واستيطانية داخل الكيان تنادي بضرورة الاستيطان في 'مناطق الأرز' اللبنانية، مما يكشف عن نوايا مبيتة للسيطرة الدائمة.
تشير مصادر إعلامية إلى أن ما يحدث في جنوب لبنان يندرج ضمن سياق مشروع توسعي أكبر يُعرف بمخطط 'الجنوبات الثلاث'. هذا المخطط يربط بين قطاع غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا، ويهدف إلى خلق حزام أمني واستيطاني يضمن بقاء هذه المناطق تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة.
يسعى نتنياهو من خلال هذه التحركات إلى بناء قوة إقليمية تكون مستقلة مالياً وعسكرياً عن الإدارة الأمريكية في واشنطن. هذا الطموح 'الإمبراطوري' يهدف إلى جعل المناطق الحدودية ضمانة أمنية دائمة للاحتلال، حتى بعد أن تضع الحرب الحالية أوزارها وتتوقف العمليات القتالية الكبرى.
في المقابل، يجد لبنان نفسه في مأزق بين دبلوماسية الدولة التي تراهن على الضغوط الدولية، وبين فعل المقاومة في الميدان. ويهدف التدمير الممنهج في 'الحافة الأمامية' للحدود إلى منع عودة النازحين اللبنانيين إلى قراهم، أو فرض شروط سياسية قاسية لإعادة الإعمار.
تحاول إسرائيل من خلال الضغط العسكري الوصول إلى اتفاقات تفرض واقعاً يشبه 'التطبيع القسري' مقابل إعادة الاستقرار. وتصطدم هذه الرغبات بعقلية تفاوضية إسرائيلية متعنتة تطلب نزع سلاح المقاومة دون تقديم أي تنازلات تكتيكية ملموسة، مثل الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار.
المشهد اللبناني الحالي يقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتمسك لبنان الرسمي بمبدأ عدم الدخول في مفاوضات سياسية قبل الوقف الشامل للعدوان. وفي الوقت ذاته، تستمر الآلة العسكرية الإسرائيلية في قضم الأراضي والقرى الحدودية لفرض ما يسمى 'إمبراطورية الحدود' كأمر واقع.
رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في أبريل الماضي، إلا أن الخروقات الإسرائيلية لم تتوقف في مناطق الجنوب. وتستمر الهجمات الجوية والمدفعية في حصد أرواح المدنيين، مما يهدد بانهيار التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها برعاية دولية في واشنطن.
تتبادل الأطراف الاتهامات بخرق الاتفاق، حيث يعلن حزب الله عن تنفيذ عمليات نوعية رداً على التجاوزات الإسرائيلية المستمرة. هذا الصراع الميداني يعكس فشل الحلول الدبلوماسية حتى الآن في كبح جماح الأطماع الإسرائيلية التي تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية نحو إعادة رسم خارطة المنطقة.
المصدر:
القدس