كشف تقرير حقوقي حديث أصدرته منظمة 'أطباء لحقوق الإنسان' عن واقع مرير تعيشه الكوادر الطبية الفلسطينية داخل المنظومة الصحية الإسرائيلية. وأكد التقرير أن هذه المنظومة، التي تروج لنفسها كواحة للتعايش، مصابة بأمراض مزمنة تتمثل في العنصرية الممنهجة والتمييز القائم على الفوقية العرقية.
التقرير الذي حمل عنوان 'هذا هو التعايش.. صمت وإسكات للعاملين الفلسطينيين'، استند إلى دراسة ميدانية معمقة استمرت لمدة عام كامل. وتضمنت الدراسة شهادات حية ومقابلات مع أطباء وممرضين وتقنيين من فلسطينيي الداخل، كشفوا فيها عن تعرضهم لضغوط هائلة وملاحقات سياسية غير مسبوقة.
وأوضحت المعطيات أن المستشفيات والعيادات الطبية شنت حملة ملاحقة واسعة منذ السابع من أكتوبر الماضي استهدفت القوى العاملة العربية. وشملت هذه الإجراءات تحقيقات انضباطية قاسية طالت عشرات الموظفين لمجرد التعبير عن آراء إنسانية أو التضامن مع الضحايا في قطاع غزة.
وأشار التقرير إلى أن مجرد وضع علامة إعجاب 'لايك' على منشور في منصات التواصل الاجتماعي أصبح تهمة تستوجب المساءلة القانونية والإدارية. وقد طُلب من بعض الأطباء الإعراب عن ندمهم وتقديم اعتذارات رسمية عن كلمات تعاطف إنسانية بسيطة نشروها على صفحاتهم الشخصية.
وإلى جانب الملاحقة الرقمية، رصدت المنظمة مناخاً تنظيمياً معتلاً داخل أروقة المستشفيات يتسم بالعسكرة والقومية المتطرفة. حيث يُمنع العاملون الفلسطينيون في كثير من الأحيان من التحدث بلغتهم الأم 'العربية'، ويخضعون لـ 'اختبارات ولاء' غير رسمية لضمان صمتهم.
ولفتت المصادر إلى وجود فجوة عميقة بين الصورة المثالية التي تحاول وزارة الصحة الإسرائيلية تصديرها للعالم وبين الواقع المعاش. فبينما تظهر المنظومة كنموذج للمساواة، يصف العاملون العرب واقعاً من الإقصاء والتهميش المتعمد الذي يهدف إلى تغييب هويتهم الوطنية.
من جهتها، انضمت صحيفة 'هآرتس' العبرية إلى منتقدي هذه الظاهرة، واصفة إياها بـ 'العنصرية بالمعطف الأبيض'. وأكدت الصحيفة في افتتاحيتها أن ملاحقة الأطباء العرب تمثل فضيحة أخلاقية تتساوق مع التوجهات اليمينية المتطرفة للحكومة الحالية التي تفضل التفوق اليهودي على إنقاذ الأرواح.
وذكرت الصحيفة أن نحو ثلث الأطباء في إسرائيل هم من الفلسطينيين، ومع ذلك يتم حرمانهم بشكل ممنهج من تولي أي مناصب إدارية أو قيادية. وتظل هذه الوظائف حكراً على الكوادر اليهودية، في تكريس واضح لسياسة التمييز البنيوي داخل المؤسسات العامة.
كما سلط التقرير الضوء على أزمة بطالة الأطباء العرب، حيث يوجد آلاف الخريجين المتفوقين الذين لا يجدون فرص عمل بسبب خلفيتهم القومية. وبدلاً من استيعاب هؤلاء الكفاءات، تتجه السلطات لبناء كليات طب جديدة ومكلفة مخصصة للبحث عن أطباء يهود فقط.
وفي سياق متصل، حذر مراقبون من استشراء خطاب الكراهية والفاشية في المجتمع الإسرائيلي ككل منذ بدء الحرب. واعتبر محللون أن ما يحدث في المستشفيات ليس معزولاً عن سياسات السلب والنهب والقتل التي تمارس بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ونقل التقرير عن مسؤولين أمنيين سابقين، من بينهم رئيس الموساد الأسبق تامير باردو، شعورهم بالخزي تجاه الانتهاكات المرتكبة في الأراضي المحتلة. وشبه باردو ما يراه في الضفة الغربية بالظروف التي عاشها اليهود في أوروبا خلال القرن الماضي، محذراً من انفجار وشيك.
وخلصت منظمة 'أطباء لحقوق الإنسان' في توصياتها إلى ضرورة الاعتراف بالفجوات القائمة كخطوة أولى نحو التغيير. ودعت إلى تمكين العاملين العرب من إسماع صوتهم دون خوف، ووقف سياسات الإسكات التي تحول الأطباء إلى مجرد آلات مجردة من المشاعر الإنسانية.
المصدر:
القدس