آخر الأخبار

المؤتمر الثامن لحركة فتح: استحقاق تنظيمي في لحظة سياسية مفصل

شارك

د. صبري صيدم: استحقاق تأخر خمس سنوات ولا يجوز تأخره أكثر ومعه تجدد الحركة نشاطها وفاعليتها وتُدعّم بيتها الداخلي وترسم معالم المرحلة المقبلة
فهمي الزعارير: الهدف الأساسي من المؤتمر يتمثل باستعادة حركة "فتح" عافيتها التنظيمية والسياسية وتعزيز موقعها قائدةً للحركة الوطنية
بسام زكارنة: البرنامج السياسي المطروح للنقاش داخل المؤتمر سيكون نوعياً ويجب الخروج برؤية قادرة على استعادة الدور الريادي لحركة "فتح"
د. رائد الدبعي: ملف العضوية بقي التحدي الأبرز أمام اللجنة التحضيرية ومخرجات المؤتمر قد تقتصر على تعديلات محدودة في اللجنة المركزية
عبد الغني سلامة: المؤتمر الثامن يأتي في ظروف معقدة وصعبة تترافق مع تحديات كبيرة وملفات شائكة قد تهدد بانفجار نقاشات داخل المؤتمر نفسه
محمد هواش: نجاح المؤتمر الثامن لن يقاس فقط بتغيير الهياكل التنظيمية بل بقدرته على صياغة رؤية تواجه التحديات الوجودية المحدقة بالشعب الفلسطيني


رام الله - خاص بـ"القدس"-


تتجه الأنظار إلى المؤتمر العام الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من مايو / أيار المقبل، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها واحدة من أبرز المحطات التنظيمية والسياسية في تاريخ الشعب الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة.
ويوضح قادة فتحاويون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث مع "القدس"، أن المؤتمر يأتي بعد سنوات من التأجيل، وسط تأكيدات متواصلة من رئيس الحركة الرئيس محمود عباس وقيادة الحركة بأن هذا الاستحقاق لن يخضع لأي تأجيل جديد، رغم التعقيدات السياسية والميدانية.
ويحمل المؤتمر أهمية تتجاوز البعد التنظيمي الداخلي، إذ يُنظر إليه كفرصة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي وتجديد مؤسساته القيادية، عبر انتخاب هيئات جديدة ومراجعة البرامج السياسية والتنظيمية التي ستحدد مسار الحركة في المرحلة المقبلة.
كما يُنتظر أن يشكل المؤتمر منصة لمناقشة قضايا مركزية تتصل بمستقبل المشروع الوطني، في ظل الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان، وتراجع الأفق السياسي، في حين يُنظر إلى أن نجاح المؤتمر لن يُقاس فقط بتغيير الوجوه، بل بمدى قدرته على استعادة الحيوية التنظيمية للحركة وتعزيز دورها في قيادة المرحلة المقبلة.


استعدادات متواصلة

يقول رئيس اللجنة الإعلامية للمؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" وعضو اللجنة المركزية للحركة د.صبري صيدم: "إن المؤتمر الثامن لحركة فتح سيعقد في موعده وفق ما قلناه مراراً وعبر عنه رئيس الحركة الأخ أبو مازن، إذ يجري العمل الآن من قبل اللجنة التحضيرية ولجان الاختصاص على استكمال الترتيبات اللازمة بما فيها ملف العضوية والتفاصيل اللوجستية والإعلامية، وذلك رغم كل التحديات التي نواجهها ويواجهها شعبنا الصابر حالياً".
ويؤكد صيدم أن المؤتمر استحقاق تأخر خمس سنوات، ولا يجوز أن يتأخر أكثر، فمعه تجدد الحركة نشاطها وفاعليتها، وتدّعم بيتها الداخلي، وترسم معالم المرحلة القادمة من العمل والثبات، وتجدد روحها ودماءها من خلال صندوق الاقتراع، وذلك بانتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين، إضافة إلى إقرارها برنامجها السياسي وبرنامح البناء الوطني، وتعديلات نظامها الداخلي بما يتواءم وروح التجديد والتطوير المطلوبين.

مشاركون يمثلون مختلف الأطر التنظيمية للحركة

يؤكد نائب أمين سر المجلس الاستشاري لحركة فتح فهمي الزعارير أن المؤتمر العام الثامن للحركة سيُعقد في موعده المقرر يوم 14 أيار 2026 في مدينة رام الله، مشدداً على أن قرار انعقاده أصبح نهائياً ولا مجال للحديث عن أي تأجيل جديد، بعد أن حسم الرئيس محمود عباس الأمر بصورة قاطعة، حينما أكد أن المؤتمر "لن يتم تأجيله ولو ليوم واحد".
ويوضح الزعارير أن التحضيرات لعقد المؤتمر الثامن دخلت مرحلتها النهائية، حيث إن العمل يجري بشكل متواصل على مختلف المسارات التنظيمية والسياسية والوطنية واللوجستية، بما يضمن خروج المؤتمر بصورة تليق بتاريخ الحركة ومكانتها الوطنية، وبما ينسجم مع دورها القيادي في الحياة السياسية الفلسطينية، مشيراً إلى أن الساحة الرئيسية للمؤتمر ستكون في الضفة الغربية، وتحديداً في مدينة رام الله، التي ستحتضن الاجتماعات الأساسية لهذا الاستحقاق التنظيمي.
ويبين الزعارير أن عدد المشاركين المتوقع في المؤتمر يصل إلى نحو 2500 عضو، يمثلون مختلف الأطر التنظيمية للحركة في الداخل والخارج، لافتاً إلى أن عملية اختيار الأعضاء استندت إلى معايير تنظيمية واضحة تم اعتمادها وتفعيلها بصورة تمثيلية، بحيث تشمل مستويات القيادة العليا، وفي مقدمتها أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري، إضافة إلى ممثلي الأقاليم الحركية في الضفة الغربية وقطاع غزة وأقاليم الخارج، إلى جانب ممثلي المكاتب الحركية والمنظمات الشعبية وكوادر الحركة العاملين في المؤسسات الوطنية الرسمية وشبه الرسمية، مدنياً وأمنياً.

التأكيد على تثبيت تمثيل الأسرى

ويشير الزعارير إلى أن حركة فتح حرصت أيضاً على تثبيت تمثيل الأسرى المحررين ومشاركتهم في فعاليات المؤتمر، باعتبارهم أحد أهم مكونات حركة فتح ورمزاً لتاريخها النضالي، موضحاً أن الأسرى الذين أمضوا أكثر من 20 سنة في الأسر داخل سجون الاحتلال، ولم تُتَح لهم المشاركة في مؤتمرات سابقة، سيحظون بحضور يليق بتضحياتهم ودورهم في مسيرة الحركة، وهم مصدر فخر واعتزاز لنا جميعاً.

حاجة ملحة لإعادة بناء الحركة من الداخل

وفي ما يتعلق بالمخرجات المتوقعة، يوضح الزعارير أن المؤتمر هو الجهة الوحيدة المخولة بإقرار البرنامج السياسي والوطني للحركة، مبيناً أن هناك مسودات أولية ومقترحات يجري إعدادها حالياً، تشمل برنامجاً سياسياً إلى جانب برنامج للبناء الوطني والتنظيمي، إلا أن هذه الوثائق ستخضع للنقاش داخل أروقة المؤتمر، حيث يملك الأعضاء حق الإضافة أو التعديل أو الاختصار بما ينسجم مع رؤية الحركة للمرحلة المقبلة.
ويؤكد أن انعقاد المؤتمر لا يأتي فقط استجابة لاستحقاق تنظيمي تأخر سنوات، وإنما يعكس أيضاً حاجة سياسية ملحة لإعادة بناء حركة فتح من الداخل، وتجديد شرعيتها التنظيمية والقيادية، واستعادة دورها التاريخي بوصفها القوة الرئيسية في قيادة الحركة الوطنية.

ضخ دماء جديدة واستعادة "فتح" عافيتها

ويشدد الزعارير أن المرحلة المقبلة تتطلب ضخ دماء جديدة في الهيئات القيادية للحركة، من خلال المزج بين الأجيال المختلفة داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بما يضمن الاستفادة من الخبرة المتراكمة إلى جانب إدخال عناصر حيوية قادرة على مواكبة التحولات السياسية الراهنة.
ويشدد على أن "الهدف الأساسي من المؤتمر يتمثل في استعادة حركة "فتح" عافيتها التنظيمية والسياسية، وتعزيز موقعها قائدة للحركة الوطنية لتجسيد حقوقنا الوطنية غير القابلة للتصرف، بما يمكنها من استعادة حضورها في مقدمة النضال الوطني، إلى جانب دورها في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتطوير بنيتها السياسية".
ويؤكد الزعارير أن المؤتمر الثامن يشكل محطة مفصلية في تاريخ حركة "فتح"، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضاً على مستوى المشهد الوطني، في ظل التحديات السياسية المتصاعدة التي تواجه القضية الفلسطينية في المرحلة الحالية، ومحاولات تصفية القضية، في ظروف بالغة التعقيد.

فرصة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي

يؤكد عضو المجلس الثوري لحركة "فتح" بسام زكارنة أن انعقاد المؤتمر الثامن للحركة يعد استحقاقاً تنظيمياً مؤجلاً، وبات محطة مفصلية لإعادة بناء الحركة واستعادة دورها السياسي والتنظيمي، مؤكداً أن المؤتمر المنتظر يمثل فرصة لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، وبلورة رؤية سياسية أكثر وضوحاً للمرحلة المقبلة.
ويوضح أن المؤتمر يأتي بعد أكثر من عشر سنوات على آخر مؤتمر، رغم أن النظام الداخلي ينص على عقده كل خمس سنوات، مشيراً إلى أن هذا التأخير الطويل فرضته الظروف السياسية المعقدة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن هناك حاجة ملحة لتفعيل الأطر التنظيمية داخل الحركة، وفي مقدمتها اللجنة المركزية والمجلس الثوري، بما يعيد الحيوية إلى المؤسسات القيادية ويعزز حضورها في إدارة المرحلة.
ويبين زكارنة أن من بين أبرز الملفات التي يجب أن يحسمها المؤتمر توسيع المشاركة داخل الحركة، من خلال منح دور أكبر للأسرى والمحررين والشبيبة والمرأة، باعتبارهم مكونات أساسية في البنية التنظيمية، مشدداً على أن هذه الفئات يجب أن تكون حاضرة في عملية صنع القرار، لا أن تبقى خارج التأثير في مستقبل الحركة.

قضايا مهمة في جدول أعمال المؤتمر

ويشير زكارنة إلى أن الواقع الإنساني والسياسي في قطاع غزة يجب أن يحتل مساحة مركزية في أعمال المؤتمر، في ظل ما يعيشه القطاع من دمار واسع وحاجة متزايدة إلى الإغاثة وإعادة الإعمار، لافتاً إلى أن المطلوب هو خروج قيادة تمتلك خططاً عملية للتعامل مع الوضع الصعب في غزة، إلى جانب استعادة الدور التنظيمي للحركة هناك.
ويؤكد زكارنة أن المؤتمر يجب أن يستعرض التحديات التي تواجه أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، وفي مقدمتها تصاعد اعتداءات المستوطنين، وكذلك تراجع العملية السياسية، والانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل، وهو ما يتطلب من الحركة صياغة برنامج سياسي يعيد تفعيل الدورَين العربي والدولي، من خلال الدفع نحو مؤتمر دولي للسلام، والعمل على ملاحقة إسرائيل قانونياً على جرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ويعتبر زكارنة أن الانتخابات المحلية التي جرت مؤخراً يجب أن تكون جزءاً من مسار أوسع لتجديد الشرعيات الفلسطينية، موضحاً أن الحركة تتطلع إلى البناء على هذه الخطوة باتجاه انتخابات المجلس الوطني، ومن ثم التمهيد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قبل نهاية العام الجاري، بما يتيح ضخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني.

برنامج سياسي نوعي

وفي ما يتعلق بمخرجات المؤتمر، يشدد زكارنة على أن الأهمية لا تكمن فقط في انتخاب أعضاء جدد للجنة المركزية أو المجلس الثوري، بل في البرنامج السياسي الذي سيصدر عنه، معتبراً أن هذا البرنامج يجب أن يعالج الملفات الوطنية والتنظيمية معاً، وأن يقدم تصوراً واضحاً بشأن العلاقة بين الحركة والسلطة الفلسطينية، بما يضمن الفصل بين القرار الحركي والقرار الحكومي.
ويشير زكارنة إلى أن حركة "فتح" بحاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسساتها وأعضائها المشاركين في الحكومة أو السلك الدبلوماسي، بحيث تصبح مشاركتهم قائمة على تكليف واضح وبرامج محددة تعكس موقف الحركة، وليس اجتهادات فردية قد تؤثر على صورتها العامة.
ويؤكد أن البرنامج السياسي المطروح للنقاش داخل المؤتمر الثامن سيكون نوعياً ينسجم مع كل الحالة وما يعانيه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة، إذ سيتناول ملفات الإعمار في قطاع غزة، والاستيطان، وإنهاء الانقسام، وتعزيز الوحدة الوطنية، إلى جانب معالجة حالة الترهل التنظيمي التي أصابت الحركة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن المؤتمر يجب أن يخرج برؤية جماعية قادرة على استعادة الدور الريادي لـ"فتح" في المشروع الوطني الفلسطيني.
ويشدد زكارنة على أن الشارع الفلسطيني يعلق آمالاً كبيرة على المؤتمر الثامن، محذراً من أن الفشل في تحويله إلى محطة إصلاح حقيقية قد يجعله سبباً جديداً للإحباط، بينما يمكن أن يشكل نجاحه نقطة انطلاق جديدة تعيد الأمل للحركة وللشعب الفلسطيني في آن واحد.

محطة مفصلية واستحقاق وطني

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن المؤتمر الثامن لحركة "فتح" يمثل محطة مفصلية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل بوصفه استحقاقاً وطنياً يرتبط بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، نظراً إلى الموقع المركزي الذي تحتله الحركة باعتبارها العمود الفقري لمنظمة التحرير، وأحد أبرز الفاعلين في تشكيل القيادة السياسية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
ويوضح الدبعي أن أهمية المؤتمر تنبع من أن انعقاده لا يقتصر على إعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة، وإنما يمتد ليؤثر في ملامح الحركة الوطنية برمتها، في ظل الدور التاريخي الذي لعبته "فتح" منذ انطلاقتها عام 1965، مشيراً إلى أن الحركة، رغم ثقلها السياسي، عقدت سبعة مؤتمرات عامة فقط، مقابل ثمانية عشر مجلساً وطنياً منذ قيادتها لمنظمة التحرير عام 1969، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لحجم التأثيرات العميقة التي تتركها مؤتمرات الحركة على بنيتها الداخلية وعلى النظام السياسي الفلسطيني بشكل عام.
ويشير الدبعي إلى أن المعطيات الحالية تدل على وجود قرار سياسي واضح لدى الرئيس محمود عباس بعقد المؤتمر الثامن في موعده المحدد في الرابع عشر من أيار 2026، وهو توقيت يحمل دلالة رمزية مرتبطة بالشهر الذي أعلن فيه الرئيس الراحل قبل سنوات نيته إعلان قيام الدولة الفلسطينية، لافتاً إلى أن الحركة أنجزت جزءاً كبيراً من الترتيبات المرتبطة بالمؤتمر، بما يشمل تحديد أماكن الانعقاد في رام الله وقطاع غزة والقاهرة ولبنان، وتشكيل اللجنة التحضيرية، والشروع في التحضيرات اللوجستية في مختلف الساحات.

أهمية النقاش لملف العضوية

ويبيّن الدبعي أن ملف العضوية بقي التحدي الأبرز أمام اللجنة التحضيرية للمؤتمر، نظراً لتعقيد التركيبة التنظيمية للحركة واتساعها المجتمعي، ما جعل مسألة تحديد المشاركين من أكثر القضايا حساسية، خصوصاً مع ارتباطها المباشر بموازين القوى داخل المؤتمر، مشيراً في الوقت ذاته إلى تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية، من بينها توسيع تمثيل الأسرى المحررين واعتماد آلية انعقاد متعددة الساحات لتجاوز القيود المفروضة على الحركة، لافتاً إلى أن هناك مدخلات غير منصوص عليها بالنظام الداخلي.
ويرى أن الجهد السياسي والبرامجي لم يواكب الجهد التنظيمي، إذ لم تُعقد حوارات داخلية كافية لصياغة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي جديد، ما يعزز الانطباع بأن المؤتمر قد يتجه نحو طابع انتخابي أكثر من كونه محطة لمراجعة المشروع الوطني.
ويرجّح الدبعي أن تقتصر مخرجات المؤتمر على تعديلات محدودة في اللجنة المركزية، مقابل تغييرات أوسع نسبياً في المجلس الثوري، مع تعزيز محتمل لتمثيل الأسرى المحررين، لكنه يستبعد أن يقود المؤتمر إلى تحولات جوهرية في البرنامج السياسي للحركة، متوقعاً استمرارها ضمن الإطار التقليدي القائم دون تغيير نوعي في توجهاتها العامة.

رمزية سياسية خاصة

يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في مدينة رام الله في 14 أيار المقبل، تسير وفقاً لما هو مخطط له رغم المعيقات والعقبات، مشيراً إلى أن إسرائيل ستسعى كالمعتاد إلى تعطيل مشاركة عدد من كوادر الحركة، خصوصاً القادمين من الخارج.
ويوضح سلامة أن انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت يحمل رمزية سياسية خاصة، لكنه يأتي في ظل ظروف معقدة وصعبة للغاية، تترافق مع تحديات كبيرة وملفات شائكة قد تهدد بانفجار نقاشات داخل المؤتمر نفسه.
ويبيّن أن أبرز هذه التحديات يتمثل في الانسداد السياسي الكامل الناتج عن هيمنة اليمين الإسرائيلي، الذي لا يعترف بإقامة دولة فلسطينية، ويسعى إلى حصر الفلسطينيين بين خيار العمل الخاضع أو المواطنة من الدرجة الثالثة، أو مواجهة السجون والاغتيالات، ما يجعل التحدي السياسي أمام الحركة بالغ الخطورة.
ويلفت سلامة إلى أن التحدي الثاني يرتبط بمخرجات المؤتمر وموقف حركة فتح من المجتمع الدولي، بما يشمل الدول المانحة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدداً من الدول العربية، التي تشترط تنفيذ إصلاحات على السلطة الفلسطينية.
ويعتبر سلامة أن هذه الشروط تميل إلى تحويل السلطة إلى "مجرد وكيل أمني وإداري" منزوع البعد السياسي، وهو ما يضع الحركة أمام معادلة صعبة بين التمسك بالثوابت الوطنية أو الاستجابة للضغوط الدولية.
ويشير سلامة إلى أن من بين الملفات الحساسة أيضاً قضية الأسرى والمعتقلين ومخصصات عائلاتهم، في ظل ضغوط دولية وإقليمية تطالب بوقف هذه المخصصات، معتبراً أن الاستجابة لهذه المطالب تمثل تحدياً صعباً لحركة ذات طابع وطني كـ"فتح".

المؤتمر ومواجهة أسئلة جوهرية

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، يوضح سلامة أن المؤتمر سيواجه أسئلة جوهرية حول العلاقة مع حركة حماس، وما إذا كان يجب التعامل معها كجزء من المشروع الوطني أو تركها لمصيرها السياسي، في ظل تباين داخل أروقة الحركة بين تيارات مؤيدة وأخرى معارضة، وانعكاسات ذلك على المزاج الشعبي.
ويلفت سلامة إلى ملف التيار الإصلاحي داخل "فتح"، والخلاف حول آليات عودته إلى الحركة، إضافة إلى تأثير هذا الملف على علاقات الحركة ببعض الدول العربية.
ويعتقد سلامة أن مؤتمر "فتح" الثامن سيكون "عاصفاً وخطيراً وحاسماً"، ليس فقط لمستقبل الحركة، بل لمجمل القضية الفلسطينية، معتبراً أن قوة "فتح" تنعكس مباشرة على قوة المشروع الوطني، في حين أن تراجعها ينعكس سلباً على القضية برمتها، ما يجعل هذا المؤتمر من أهم المؤتمرات في تاريخ الحركة.

عقبات ممكنة أمام انعقاد المؤتمر

يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، المقرر عقده في 14 أيار/مايو 2026 في مدينة رام الله، من المتوقع أن يُعقد في موعده المحدد ما لم تطرأ تطورات أمنية خطيرة، مثل استئناف الحرب وفرض قيود واسعة على التجمعات، مشيراً إلى أن عدد المشاركين والضيوف يتجاوز الألف، ما يجعل أي تصعيد عسكري عاملاً حاسماً في إمكانية انعقاده.
ويوضح أن الترتيبات التنظيمية لعقد المؤتمر، رغم كونها شاملة ومكتملة نسبياً، لن تكون مثالية بنسبة 100% في ظل الاحتلال، الذي يواصل عرقلة أي نشاط فلسطيني واسع في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
ويشير هواش إلى أن العقبات المتعلقة بمنع وصول وفود من غزة أو من خارج الأراضي الفلسطينية يمكن التعامل معها جزئياً، لكن بعضها يظل خارج السيطرة، خاصة في ظل القيود الإسرائيلية.
ويبيّن هواش أن هناك تأكيدات رسمية من قيادة حركة "فتح" والرئيس محمود عباس بأن المؤتمر سيُعقد في موعده، بعد تسلم الأوراق التنظيمية الخاصة به قبل أيام، لافتاً إلى أن أي تغيير في الموعد لن يحدث إلا في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة تعيد المنطقة إلى أجواء حرب شاملة.

استحقاق تنظيمي مؤجل

وفي ما يتعلق بأهمية انعقاد المؤتمر، يوضح هواش أنه يأتي بعد سلسلة تأجيلات منذ عام 2023، نتيجة تداعيات حرب غزة وما تبعها من تطورات إقليمية، مؤكداً أن المؤتمر يمثل استحقاقاً تنظيمياً وسياسياً مؤجلاً جرى التحضير له منذ فترة طويلة، وأن تأجيله كان خارج إرادة الحركة.
وعن المخرجات المتوقعة، يشدد هواش على أن التحديات السياسية الراهنة تفوق بكثير الجانب التنظيمي، في ظل الحرب على قطاع غزة والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية، إلى جانب التوسع الاستيطاني غير المسبوق الذي يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية على حدود 1967، ويضع حل الدولتين في دائرة الخطر.
ويشير هواش إلى أن المشروع الإسرائيلي يسعى إلى فرض وقائع على الأرض تهدف إلى إضعاف الوجود الفلسطيني، مقابل صمود فلسطيني استثنائي، رغم اختلال موازين القوى والدعم الدولي لإسرائيل، خصوصاً من الولايات المتحدة.

أهمية صياغة برنامج سياسي واضح

ويرجّح هواش إمكانية إدخال المؤتمر الثامن وجوهاً شابة إلى اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لكن التغيير في الأسماء وحده لا يكفي، لأن جوهر التأثير سيبقى مرتبطاً بالسياسات والبرنامج السياسي، مشدداً على أن المؤتمر يجب أن يركز على صياغة برنامج سياسي واضح يحدد مستقبل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وأدوات تحقيقه، إلى جانب المساهمة بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بما يشمل منظمة التحرير والسلطة، في ظل ظروف معقدة من الحصار والضغوط الدولية.
ويشدد هواش على أن حركة "فتح"، باعتبارها التنظيم الأكبر، تتحمل مسؤولية تاريخية في قيادة المرحلة المقبلة، وأن نجاح المؤتمر الثامن لن يقاس فقط بتغيير الهياكل، بل بقدرته على صياغة رؤية سياسية قادرة على مواجهة التحديات الوجودية التي تواجه الشعب الفلسطيني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا