أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة في مدينة غزة، يوم الجمعة، تفاصيل مروعة لعملية اغتيال نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي بحق مجموعة من عناصر الشرطة الفلسطينية. ووثق المقطع لحظات هادئة كان يقضيها أربعة من العناصر في تبادل الحديث، قبل أن تباغتهم قذيفة مباشرة حولت المكان إلى ساحة من الدم والأشلاء.
وأعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة عن ارتقاء ضابطين من جهاز الشرطة جراء هذا القصف الذي استهدفهم قرب مركز شرطة حي الشيخ رضوان. والشهيدان هما النقيب عمران عمر اللدعة والملازم أحمد إبراهيم القصاص، فيما وصفت حالة اثنين آخرين من زملائهم بالحرجة جداً نتيجة الإصابات البالغة.
من جانبه، حاول جيش الاحتلال الإسرائيلي تسويق رواية تبريرية للحادثة، مدعياً في بيان رسمي أن قواته رصدت ما وصفهم بـ 'مخربين مسلحين' في شمال القطاع. وزعم البيان أن المستهدفين شكلوا تهديداً حقيقياً على القوات المتمركزة في المنطقة، مشيراً إلى استخدام ذخيرة دقيقة لتقليل الأضرار الجانبية.
إلا أن المعطيات الجغرافية والميدانية كذبت الرواية الإسرائيلية بشكل قاطع، حيث وقع الهجوم في عمق حي النصر شمال غرب مدينة غزة. وتعتبر هذه المنطقة بعيدة كلياً عن خطوط التماس أو 'الخط الأصفر' الذي تسيطر عليه الآليات الإسرائيلية، مما ينفي فرضية وجود خطر وشيك على جنود الاحتلال.
ويرى مراقبون ميدانيون أن هذا الاستهداف الممنهج يأتي في إطار سعي الاحتلال لضرب المنظومة الأمنية والخدمية داخل المدن الفلسطينية. وتهدف هذه العمليات إلى نشر الفوضى ومنع الأجهزة الشرطية من ممارسة دورها المدني في تنظيم حياة المواطنين وتأمين احتياجاتهم اليومية في المناطق التي انسحب منها الجيش.
وأثارت المشاهد المسربة موجة عارمة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول الناشطون الفيديو كدليل على 'وحشية' الاحتلال. وعبر مدونون عن صدمتهم من استهداف أشخاص عزل كانوا يمارسون مهاماً إدارية وتنظيمية بعيداً عن أي نشاط عسكري أو قتالي.
وفي تعليقه على الحادثة، أشار الناشط تامر قديح إلى أن الاحتلال أطلق 'صاروخ الموت' على عناصر كانوا يجلسون بسلام دون أي مبرر ميداني. فيما وصف محمد عبد الله المقطع بأنه من أقسى ما وثقته الحرب الحالية، نظراً للغدر الواضح في لحظة الاستهداف المباشر وسط حي سكني مكتظ.
وتساءل مدونون آخرون عن طبيعة الخطر الذي يمكن أن يشكله ضباط شرطة يسعون لتثبيت الناس وبث الطمأنينة في نفوسهم. وأكدوا أن صواريخ الاحتلال تستهدف عمداً كل من يحاول الحفاظ على السلم الأهلي أو تنظيم حركة المرور والخدمات العامة في غزة.
بدورها، استنكرت المديرية العامة للشرطة في غزة استمرار الصمت الدولي المطبق تجاه استهداف كوادرها الذين يتمتعون بحماية القوانين الدولية. واعتبرت المديرية أن هذا الصمت، خاصة من قبل المنظمات الإنسانية، يمنح الضوء الأخضر للاحتلال لمواصلة جرائمه بحق جهاز مدني صرف.
ووجهت الشرطة انتقادات حادة للجنة الدولية للصليب الأحمر، مطالبة إياها بالخروج عن صمتها والقيام بدورها في حماية الطواقم المدنية. وشددت على أن التواطؤ الدولي يشجع الاحتلال على اختراق كافة الأعراف والمواثيق التي تضمن سلامة الموظفين العموميين خلال النزاعات.
وكشفت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن جهاز الشرطة عن ارتقاء 27 شهيداً من ضباطها وعناصرها منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. وتعكس هذه الأرقام حجم الاستهداف المركز الذي يتعرض له الجهاز الأمني رغم الهدوء النسبي في بعض المحاور الميدانية.
وأوضحت مصادر أمنية أن المهام التي كان يؤديها الشهداء تتعلق بتسهيل حياة المواطنين وتأمين المساعدات والخدمات الأساسية. وأكدت أن استمرار هذه الهجمات يعد خرقاً فاضحاً لاتفاقات وقف إطلاق النار التي مر عليها أكثر من ستة أشهر، مما يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً.
وختم صحفيون محليون المشهد بالتأكيد على أن الفلسطيني في غزة لا يزال مهدداً بالموت في أي لحظة وبأي مكان. فالمشاهد التي تتحول إلى 'دم ورماد' في ثوانٍ معدودة تثبت أن سياسة الإبادة لا تفرق بين مدني أو موظف خدمة عامة، طالما غاب الحساب الدولي.
المصدر:
القدس