لم تعد الحروب المعاصرة تقتصر على المواجهات الميدانية بالأسلحة التقليدية، بل انتقلت إلى ساحات أكثر تعقيداً تُدار فيها المعركة بالكلمة والصورة. وقد تحول الناطق العسكري في هذا السياق من مجرد موظف يقرأ البيانات إلى أداة تأثير استراتيجية قادرة على ضبط إيقاع الصراع وتوجيه الرأي العام.
في الحروب غير المتكافئة، تبرز السردية كساحة بديلة لتعويض النقص في القوة العسكرية المادية، حيث يسعى الطرف الأضعف لفرض تفسيره للأحداث وإقناع الجمهور بمشروعية أفعاله. هذا البعد الإدراكي جعل من المتحدث الرسمي عنصراً عملياتياً يؤثر في مسار الحرب بقدر ما تفعل الوحدات المقاتلة في الميدان.
تتعدد أشكال الناطق العسكري تبعاً للسياق السياسي والتنظيمي، فبينما تلتزم الجيوش النظامية بأطر مؤسسية جامدة، تميل الجماعات المسلحة إلى صيغ أكثر مرونة. وقد يتجسد الناطق في شخصية رمزية ملثمة أو اسم مستعار، مما يمنح الخطاب صبغة أيديولوجية تتجاوز الفرد لتصبح ملكاً للتنظيم.
يبرز نموذج 'أبو عبيدة'، الناطق باسم كتائب القسام، كأحد أكثر النماذج تأثيراً في الساحة الفلسطينية والعربية، خاصة بعد أحداث أكتوبر 2023. وقد كشفت التطورات الأخيرة في نهاية عام 2025 عن استمرارية هذا الموقع الرمزي رغم استهداف الاحتلال للشخصية التي شغلته لسنوات طويلة.
أفادت مصادر بأن الهوية الحقيقية للناطق السابق كانت تعود لحذيفة الكحلوت، الذي استشهد في أغسطس 2025 بعد سنوات من الملاحقة. ومع ذلك، فإن ظهور ناطق جديد يحمل اللقب ذاته يؤكد أن المنصب تحول إلى مؤسسة إعلامية ورمزية لا تنتهي برحيل الأشخاص.
على صعيد آخر، يمثل ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان، نموذجاً للتحول من العمل السري في الظل إلى الواجهة السياسية للدولة. فبعد سنوات من الغموض والاكتفاء بالرسائل النصية، ظهر مجاهد علناً في كابل عام 2021 ليعلن بدء مرحلة جديدة من الحكم والخطاب المنضبط.
أما في اليمن، فيقدم يحيى سريع نموذجاً يعتمد على 'الإحاطة العسكرية' التقنية التي تركز على الأرقام والأهداف والنتائج المباشرة. هذا الأسلوب يهدف إلى تثبيت وقائع الميدان وإيصال رسائل ردع واضحة للخصوم الإقليميين والدوليين عبر لغة عسكرية مباشرة وممنهجة.
تستفيد الحركات غير النظامية من غياب القيود البيروقراطية، مما يمنح ناطقيها سرعة فائقة في الرد والتعليق على الأحداث المتسارعة. هذه المرونة تفتقدها الجيوش النظامية التي غالباً ما تتعامل مع الإعلام كعبء أمني يحتاج إلى رقابة مشددة وتدقيق طويل.
لعبت البيئة الرقمية دوراً حاسماً في كسر احتكار الوسائط التقليدية، مما سمح للناطقين العسكريين ببناء حضور مباشر يتجاوز الرقابة الحكومية. المنصات الاجتماعية تحولت إلى امتداد لمسرح العمليات، حيث تُصمم الرسائل لتنتشر بسرعة البرق وتحدث أثراً فورياً في معنويات الخصم.
تعتمد فعالية الخطاب العسكري أيضاً على القدرة على المناورة بين الغموض والوضوح، وهو ما يظهر في استخدام الأقنعة والأسماء الحركية. هذا الغموض لا يُعد ضعفاً، بل أداة لتعزيز التأثير الرمزي وفتح المجال أمام التأويلات التي تخدم السردية العامة للحركة.
في تجربة 'نائب القائد ماركوس' بالمكسيك، رأينا كيف يمكن للبلاغة الأدبية والأسلوب الساخر أن يحولا الناطق العسكري إلى أيقونة عالمية. ماركوس لم يكتفِ بنشر البيانات، بل صاغ فلسفة كاملة جعلت من الإنترنت وسيلة لبناء تضامن دولي عابر للحدود والقارات.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه هؤلاء الناطقين هو خطر 'شخصنة الخطاب'، حيث قد تحجب كاريزما المتحدث أهداف الحركة نفسها. ومع ذلك، تظل الحاجة إلى 'صوت المعركة' ملحة في ظل التنافس المحموم على تعريف الواقع وصياغة رواية الأحداث قبل أن يصنعها الآخرون.
ختاماً، يظل السؤال المركزي في الحروب الحديثة ليس فقط من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك القدرة على إقناع العالم بروايته. لقد أصبح الناطق العسكري هو الجندي الذي لا يطلق الرصاص، لكن كلماته قد تكون أكثر فتكاً وتأثيراً في رسم ملامح الهزيمة والنصر.
المصدر:
القدس