آخر الأخبار

فشل الوسطاء في غزة: 72 ألف شهيد وخروقات مستمرة للهدنة

شارك

لم تعد غزة مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار العالمية، بل تحولت إلى ملحمة يومية تُكتب بدماء الأبرياء وسط صمت دولي مطبق. منذ السابع من أكتوبر 2023، يواجه الفلسطينيون في القطاع آلة حرب لا تتوقف، بينما يكتفي العالم بدور المراقب الذي يتقن فن الانتظار وإصدار البيانات الجوفاء.

شهدت الساحة السياسية تحركات مكثفة لوسطاء دوليين وإقليميين، تخللتها وعود بحدوث تقدم في المفاوضات وضغوط لإنهاء الصراع. ومع ذلك، بقيت هذه التحركات بلا أثر ملموس على الأرض، حيث كانت الصواريخ الإسرائيلية تسبق دائماً طاولات التفاوض وتجهض أي أمل في الاستقرار.

في يوم الجمعة الأخير، تجسدت مأساة غزة في استشهاد 13 مواطناً خلال غارات متفرقة استهدفت مدنيين وعناصر شرطية. ففي مواصي خان يونس، أدت غارة جوية على سيارة تابعة للشرطة إلى ارتقاء ثمانية شهداء كانوا يحاولون تنظيم الحياة وسط الركام والفوضى العارمة.

ولم يسلم شمال القطاع من الاستهداف المباشر، حيث سقط ثلاثة شهداء قرب مستشفى كمال عدوان، بينهم طفل وطفلة شقيقان. هذه الجرائم تؤكد أن الاحتلال بات يستهدف الطفولة بشكل مباشر، محولاً البيوت التي يُفترض أنها آمنة إلى مقابر جماعية لسكانها.

وفي مدينة غزة، امتدت يد الغدر لتطال عناصر من الشرطة الفلسطينية في منطقة الشيخ رضوان، مما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى. هذا التكرار الممنهج للاستهدافات يشير إلى رغبة واضحة في تقويض أي مظهر من مظاهر النظام الاجتماعي داخل القطاع المحاصر.

وصفت حركة حماس هذه التطورات بأنها دليل قاطع على فشل الوسطاء والضامنين في لجم عدوان الاحتلال المستمر. واعتبرت الحركة أن الحديث عن ضمانات دولية أصبح بلا قيمة في ظل الخروقات اليومية التي لا تجد رادعاً حقيقياً من المجتمع الدولي.

بالنظر إلى لغة الأرقام، فإن الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025 لم تكن سوى حبر على ورق. فقد سجلت المصادر الميدانية 197 يوماً من الخروقات المتواصلة التي حولت التهدئة المفترضة إلى جولة استنزاف دموية جديدة.

الوساطة التي لا توقف القتل لا يمكن تسميتها ضمانة، والواقع يثبت أن الكلمات لم تعد تكفي لمواجهة النيران في غزة.

خلال فترة هذه الهدنة المزعومة، ارتقى 791 شهيداً وأصيب أكثر من 2200 آخرين بجروح متفاوتة، مما يضع تساؤلات كبرى حول جدوى الاتفاقات. هذه الإحصائيات تعكس فجوة هائلة بين ما يتم الاتفاق عليه في الغرف المغلقة وبين الواقع المرير الذي يعيشه الغزيون.

منذ اندلاع الحرب، تجاوزت الحصيلة الإجمالية للشهداء حاجز 72 ألفاً، بينما تخطى عدد المصابين 172 ألفاً في كارثة إنسانية غير مسبوقة. لقد أصبح الزمن في غزة يُقاس بعدد الأرواح التي تزهق يومياً، لا بالساعات أو الأيام التي تمر على سكانها.

إن دور الوسيط الحقيقي يتجاوز مجرد نقل الرسائل بين الأطراف المتنازعة، بل يجب أن يمتلك أدوات ضغط فعلية لفرض حدود للعدوان. وما يظهر جلياً هو حضور دولي بلا أثر، وصوت يفتقر للقوة اللازمة لإجبار الاحتلال على وقف مجازره المتكررة.

المشكلة تكمن في الاعتقاد الواهم بأن الكلمات والبيانات الدبلوماسية يمكن أن تواجه النيران والقذائف التي تنهمر على رؤوس المدنيين. لقد كشفت أحداث غزة أن موازين القوى لا تُدار بالنيات الحسنة، وأن العدالة بلا حماية تتحول إلى شعار فارغ من مضمونه.

لم يعد سكان القطاع ينتظرون شيئاً من البيانات الدولية أو الدعوات المتكررة للتهدئة التي لم تغير من واقعهم شيئاً. هم يعيشون في سباق دائم مع الموت، يحاولون النجاة بيومهم في ظل انعدام تام للأمان وفشل المنظومة الدولية في توفير الحماية لهم.

الفشل في وقف هذا المستوى من العنف يرسل رسالة خطيرة للعالم أجمع بأن القانون الدولي يمكن تجاوزه دون عقاب. إن تحول الدم الفلسطيني إلى مجرد أرقام في التقارير هو سابقة تهدد بانهيار القيم الإنسانية والقانونية التي يدعي المجتمع الدولي حمايتها.

في الختام، تظل الحقيقة في غزة أوضح من أي وقت مضى؛ فالوسطاء لم يفشلوا فقط في كبح الجرائم، بل فشلوا في اختبار الإنسانية. ستبقى الحكاية مفتوحة على وجع لا ينتهي طالما بقي السؤال معلقاً: من يملك الجرأة الفعلية لوقف هذا النزيف؟

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا