آخر الأخبار

معاناة أطفال غزة: شلل وحروق وتشوهات بسبب الغازات السامة

شارك

في غزة، لم تكن صرخات الميلاد الأولى للأطفال سوى إيذان ببدء رحلة من الوجع الاستثنائي، حيث تزامنت ولادة الطفلة نور أبو سمعان مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023. لم تكن نور تعلم أن يومها الثاني في الحياة سيحمل لها إصابة دائمة، حين استهدفت الصواريخ محيط منزلها، لتستنشق غازات سامة حولت جسدها الغض إلى حالة من التيبس الشديد.

تروي والدة نور، سمر حماد، لحظات الرعب حين تحول لون طفلتها إلى الأزرق وفقدت القدرة على الحركة تماماً، ليؤكد الأطباء لاحقاً أن الغازات السامة تسببت في تلف عصبي حاد. انتقلت الصغيرة من مهد الولادة إلى أسرة العناية المركزة، لتبدأ صراعاً مريراً مع مرض يصنفه الأطباء بأنه أشد قسوة من الشلل التقليدي، حيث بلغت نسبة حركتها 1% فقط في بدايات العلاج.

تعتبر نور الناجية الوحيدة من مأساة قسم العناية المركزة في مستشفى النصر للأطفال، الذي حاصره الاحتلال وأجبر الطواقم الطبية على إخلائه. وبينما تُرك الأطفال الخدج لمواجهة الموت جوعاً وتحللاً فوق أسرتهم، تمكنت والدة نور من الخروج بها قبل اشتداد الحصار، لتبدأ رحلة نزوح تحت القصف من مستشفى إلى آخر، بحثاً عن أمل مفقود في العلاج.

معاناة نور ليست الوحيدة، فالطفلة مسك الجرو، ذات الستة أشهر، ولدت بجسد يفتقر للمفاصل الواضحة في اليدين والقدمين، وهي حالة تربطها والدتها باستنشاق الغازات السامة أثناء فترة الحمل. مسك التي فقدت شقيقتها التوأم وهي لا تزال جنيناً في الرحم، تواجه اليوم تشوهات معقدة وانحناءات في الظهر تجعل من أبسط تفاصيل الرعاية اليومية مهمة شاقة ومؤلمة.

تؤكد عائلة الجرو أن الأطباء في قطاع غزة أجمعوا على عجز الإمكانيات المحلية عن التعامل مع حالة مسك، التي تحتاج إلى تدخلات جراحية تخصصية ورعاية طبية متقدمة غير متوفرة. وتتفاقم هذه المعاناة مع إصابة والدها خلال الحرب، مما جعل الأسرة ترزح تحت وطأة الفقر والمرض في آن واحد، وسط غياب تام للمتابعة الطبية المنتظمة.

وفي زاوية أخرى من مراكز الإيواء، يجلس الطفل محمد رامز أبو حجيلة، الذي لم يتجاوز العامين، محاولاً انتزاع قناع طبي يغطي وجهه المشوه بفعل الحروق. محمد نجا من مجزرة استهدفت مدرسة مصطفى حافظ في يوليو 2025، وهي الغارة التي أبادت عائلتين بالكامل من أقاربه، وخلفت في جسده حروقاً من الدرجة الثالثة غطت 18% من مساحة جلده.

يخضع محمد لبرنامج علاجي قاسٍ يتطلب ارتداء قناع ضاغط لمدة 20 ساعة يومياً للحفاظ على الأنسجة ومنع تدهور حالته، وهو ما أدى إلى تأخر واضح في قدرته على النطق. يصف والده رامز تلك الساعات بـ 'ساعات العذاب'، حيث يضطر الطفل لتحمل ضغط القناع في ظل ظروف بيئية قاسية داخل خيام النزوح المكتظة والمفتقرة لأدنى مقومات النظافة.

اختنقت ابنتي فجأة بين يدي، وانقلب لونها إلى الأزرق، قبل أن تدخل في حالة حرجة أفقدتها الحركة بشكل كامل.

أفادت مصادر طبية بأن حالة محمد استدعت إجراء عمليات جراحية متكررة تحت التخدير الكامل لتنظيف الجروح وقشط الجلد، إلا أن التحسن لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الضرر. يعاني الطفل من نوبات بكاء مستمرة كلما رأى زجاجة الحليب، حيث يمنعه القناع من تناول طعامه بحرية، مما يضيف بعداً نفسياً مؤلماً لإصابته الجسدية العميقة.

تتداخل في قصص هؤلاء الأطفال آثار الأسلحة المحرمة مع انهيار المنظومة الصحية، حيث يحتاج عثمان أبو سمعان، والد نور، إلى معجزة لتوفير عمليات جراحية لابنته في الدماغ والحوض. ويشير الأطباء إلى أن نسبة الحركة لدى نور ارتفعت إلى 20% بفضل العلاج الطبيعي، لكن هذا المسار وصل إلى حائط مسدود يتطلب تدخلاً جراحياً خارج القطاع المحاصر.

إن العيش في مدارس الإيواء يضاعف من مخاطر التلوث والعدوى للأطفال المصابين بحروق أو تشوهات، حيث المراحيض العامة والازدحام الشديد الذي لا يرحم أجسادهم الضعيفة. يراقب رامز أبو حجيلة ابنه محمد وهو يحاول الركض بين النازحين، محاولاً حمايته من أي احتكاك قد يؤذي جلده الرقيق الذي لم يلتئم بعد، في صراع يومي للبقاء على قيد الحياة.

تجسد هذه الحالات جيلاً كاملاً من أطفال غزة الذين وسمت الحرب أجسادهم بعاهات دائمة، حيث لم تعد المستشفيات أماكن للشفاء بل محطات للنجاة المؤقتة. الأم وردة الجرو تعبر عن هذا اليأس بقولها إنها تشعر بالعجز التام أمام توجع طفلتها مسك، في وقت يكتفي فيه العالم بالمراقبة دون تحرك لفتح المعابر وإنقاذ هؤلاء الصغار.

تؤكد التقارير الميدانية أن الغازات السامة والقذائف الفسفورية التي استخدمت في المناطق المكتظة تركت آثاراً بعيدة المدى على الأجنة والمواليد الجدد. هذه الآثار لا تقتصر على التشوهات الخلقية فحسب، بل تمتد لتشمل تأخراً في النمو العقلي والحركي، مما يهدد بخلق جيل يعاني من إعاقات دائمة تتطلب عقوداً من العلاج والتأهيل.

بين قناع محمد، وتيبس أطراف نور، وتقوس ظهر مسك، تكتمل صورة المأساة الإنسانية في غزة، حيث تحولت أحلام الآباء من رؤية أطفالهم يكبرون بسلام إلى مجرد الرغبة في تخفيف صرخات ألمهم. تظل هذه القصص شهادة حية على وحشية الاستهداف الذي لم يستثنِ حتى الأجنة في أرحام أمهاتهم، في ظل صمت دولي مطبق تجاه جرائم الإبادة.

ختاماً، يبقى الأمل معلقاً على تدخل دولي عاجل لانتشال هؤلاء الأطفال من واقعهم المرير، وتوفير ممرات آمنة للعلاج التخصصي الذي تفتقر إليه غزة المدمرة. إن كل ساعة تمر دون علاج تزيد من فرص تحول هذه الإصابات إلى عجز كلي، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه ضحايا الحرب من الصغار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا