لم يكن خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف، المتهم بارتكاب مجزرة التضامن المروعة، مجرد حدث أمني عابر في المشهد السوري المتغير. بل جاء هذا التطور ليعيد فتح ملفات الذاكرة المثقلة بالألم، خاصة لدى اللاجئين الفلسطينيين في سوريا الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ من ضحايا تلك الحقبة السوداء.
إن المجرم الذي ارتبط اسمه بواحدة من أبشع الجرائم المصورة، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق المحاسبة بعد سقوط النظام الذي وفر له الحماية لسنوات. هذه اللحظة تكتسب أهمية خاصة لأنها تضع منظومة العدالة الجديدة أمام اختبار حقيقي لإنصاف كافة الضحايا دون تمييز بين جنسية وأخرى.
مجزرة التضامن لم تكن استهدافاً للسوريين وحدهم، بل كانت جريمة عابرة للهويات الضيقة طالت الفلسطينيين من سكان مخيم اليرموك والمناطق المجاورة. لقد امتزجت الدماء في تلك الحفرة الشهيرة، مما يرسخ حقيقة أن الفلسطيني لم يكن مجرد ضيف على المأساة السورية بل شريكاً أصيلاً في دفع ثمنها.
يأتي اعتقال يوسف في ظل إدارة سورية جديدة، ليفتح الباب أمام إعادة تشكيل الوعي الجمعي حول مفهوم المواطنة والانتساب للأرض. وبالنسبة لفلسطينيي سوريا، فإن هذا الحدث يمثل اعترافاً متأخراً بأن معاناتهم كانت جزءاً من النسيج العام للمجتمع السوري وليست قضية معزولة.
إن محاولة طمس الحقائق التي جرت في السنوات الماضية تسقط اليوم أمام وقائع الميدان التي أثبتت وحدة المصير بين الشعبين. فالمجازر لم تفرق بين فلسطيني وسوري، بل جمعتهم في خانة الضحية المستهدفة من قبل آلة القمع ذاتها التي لم تراعِ حرمة دم أو لجوء.
لقد آن الأوان لتجاوز السرديات القديمة التي كانت تضع اللاجئ الفلسطيني في قوالب جامدة مثل 'الضيف المؤقت' أو صاحب 'الوضع الخاص'. هذه المصطلحات لم تعد صالحة لوصف واقع امتزجت فيه التضحيات والآلام في خندق واحد وتحت قصف واحد وحصار مشترك.
العدالة الانتقالية اليوم يجب أن تكون جسراً نحو المستقبل، حيث لا تقتصر المحاسبة على معاقبة الجناة فحسب، بل تمتد لترميم الثقة المجتمعية. إن أي مسار للعدالة لا يشمل الفلسطينيين السوريين سيبقى ناقصاً ولن يؤدي إلى استقرار حقيقي في بنية المجتمع السوري الجديد.
إن الدم الذي سُفك في حفرة التضامن لا يمكن فصله عند بناء مستقبل سوريا ما بعد الحرب، حيث تبرز الحاجة للاعتراف المتبادل بالألم. هذا الاعتراف هو الحجر الأساس لبناء شراكة وطنية تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات بعيداً عن سياسات التهميش السابقة.
اعتقال أمجد يوسف ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمواجهة الذاكرة الجماعية بكل ما تحمله من مآسٍ وتطلعات. إنها لحظة حاسمة لتعريف العلاقة بين الفلسطينيين والسوريين خارج الأطر الضيقة التي حاولت جهات مغرضة تسويقها لخدمة أجندات سياسية معينة.
تتطلب المرحلة القادمة ترجمة هذا الاعتراف بالدم المشترك إلى سياسات قانونية واضحة تنهي حالة الهشاشة التي عاشها الفلسطينيون لعقود. فبعد التحولات السياسية الكبرى، لم يعد مقبولاً بقاء الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين معلقاً أو خاضعاً لإجراءات تمييزية.
من الضروري اليوم إعادة بناء المركز القانوني لفلسطينيي سوريا على أسس عادلة تشمل الحقوق المدنية والاجتماعية الكاملة. وفي مقدمة هذه المطالب يأتي حق التملك العقاري، الذي شكل لسنوات طويلة أداة لعدم الاستقرار والضغط على الوجود الفلسطيني في البلاد.
إن شطب القوانين التي كرست الاستثناء غير العادل بحق اللاجئين هو استحقاق وطني وأخلاقي للإدارة السورية الجديدة. هذه الخطوات تهدف لحماية الإنسان الفلسطيني من الظلم المزدوج، وضمان كرامته في مكان لجوئه حتى يتحقق حقه في العودة إلى وطنه الأم.
العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والسوري في سوريا تجاوزت منذ زمن مفهوم 'الضيافة' لتصبح علاقة مصيرية معمدة بالتضحيات المشتركة. ومن هنا، فإن الخروج من حالة الاستقطاب يتطلب صيغة استقرار قانوني تضمن للفلسطينيين حياة آمنة ومستقرة كجزء من النسيج السوري.
في الختام، تبقى العدالة التي تبدأ بمحاسبة المجرمين مثل أمجد يوسف غير مكتملة ما لم تنصف الأحياء وتمنحهم حقوقهم المشروعة. إن المستقبل المشترك الذي يُبنى على أنقاض الظلم يجب أن يتسع للجميع، حيث لا يُروى التاريخ إلا بعدالة تشمل كل من نزف على هذه الأرض.
المصدر:
القدس