آخر الأخبار

إيطاليا تعلّق الاتفاقية الدفاعية مع إسرائيل: الأسباب والتداع

شارك

في خطوة غير مسبوقة تعكس تحولاً جوهرياً في السياسة الخارجية لروما، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعليق التجديد التلقائي للاتفاقية الدفاعية مع إسرائيل. ويأتي هذا القرار في سياق ضغوط متزايدة من الرأي العام الإيطالي، واعترافاً ضمنياً بأن استمرار الشراكة العسكرية بات يشكل عبئاً أخلاقياً وقانونياً على الحكومة.

أعلنت ميلوني عن هذا القرار رسمياً في الرابع عشر من نيسان/أبريل 2026، خلال تواجدها في مدينة فيرونا، مشيرة إلى أن الوضع الراهن لم يعد يسمح باستمرار العمل بالآليات السابقة. وقد قام وزير الدفاع غويدو كروسيتو بنقل هذا القرار رسمياً إلى نظيره الإسرائيلي، مما يضع حداً لمذكرة تفاهم كانت تُجدد آلياً كل خمس سنوات منذ عام 2003.

تعتبر هذه الاتفاقية الإطار القانوني الأهم الذي ينظم العلاقات العسكرية بين روما وتل أبيب لأكثر من عقدين، حيث صادق عليها البرلمان الإيطالي بموجب القانون رقم 94 لعام 2005. وتشمل مجالات التعاون تبادل المعدات العسكرية المتطورة، والبحث والتطوير التكنولوجي، بالإضافة إلى التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل الخبرات القتالية.

بلغ التعاون العسكري ذروته في سنوات سابقة من خلال صفقات كبرى شملت تزويد إسرائيل بطائرات تدريب إيطالية من طراز M-346، مقابل حصول إيطاليا على أقمار صناعية وأنظمة استخباراتية متطورة. إلا أن التعليق الحالي يمثل تصعيداً نوعياً يتجاوز قرار حظر تصدير الأسلحة الجديد الذي اتخذته إيطاليا في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا القرار، وأبرزها الحادثة الخطيرة التي وقعت في جنوب لبنان، حيث اتهمت روما القوات الإسرائيلية باستهداف قافلة تابعة للجنود الإيطاليين العاملين ضمن قوات 'اليونيفيل'. هذا الاعتداء دفع بوزير الخارجية أنطونيو تاياني لاستدعاء السفير الإسرائيلي وتوجيه رسالة حازمة بضرورة حماية الجنود الإيطاليين.

إلى جانب التوترات الميدانية، لعبت التداعيات الاقتصادية دوراً حاسماً، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز نتيجة النزاعات الإقليمية إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود. وقد اضطرت الحكومة الإيطالية لإنفاق نحو 500 مليون يورو لخفض الضرائب على المحروقات، وسط تحذيرات من دخول البلاد في حالة ركود اقتصادي حاد.

لا يمكن إغفال دور الضغط الشعبي والمجتمعي الذي شكّل المحرك الأساسي لهذا التحول السياسي، حيث شهدت إيطاليا إضرابات تاريخية ومظاهرات عارمة في 75 مدينة. وطالب المتظاهرون تحت شعار 'لنعطل كل شيء' بوقف فوري لشحنات الأسلحة إلى إسرائيل تضامناً مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

نظراً للوضع الحالي، قررت الحكومة تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل.

على الصعيد السياسي الداخلي، واجهت حكومة ميلوني ضغوطاً شرسة من المعارضة، حيث انتقد جوزيبي كونتي، زعيم حركة النجوم الخمس، ما وصفه بـ'التأخير المذنب' في اتخاذ القرار. وأكدت المعارضة أن كرامة إيطاليا مرتبطة بمدى احترامها للقانون الدولي ورفضها المشاركة في سياسات تؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين.

في المقابل، حاولت وزارة الخارجية الإسرائيلية التقليل من شأن الخطوة الإيطالية، واصفة الاتفاقية بأنها مجرد مذكرة تفاهم تفتقر للمضمون الحقيقي. ويرى مراقبون أن هذا التناقض في الرد الإسرائيلي يعكس مدى الانزعاج من فقدان حليف أوروبي مهم في ظل العزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها تل أبيب.

يمتد تأثير القرار إلى المستوى الأوروبي، حيث تعالت الأصوات داخل البرلمان الأوروبي للمطالبة بتعليق اتفاقية الشراكة الشاملة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ودعا برلمانيون أوروبيون إلى ضرورة وقف ما وصفوه بـ'التواطؤ' مع الأطراف المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

يأتي الموقف الإيطالي كجزء من سلسلة مواقف أوروبية مماثلة، حيث فرضت ألمانيا حظراً جزئياً على الأسلحة، واتخذت دول مثل إسبانيا وهولندا وبلجيكا إجراءات تقييدية. وتعكس هذه التحركات الجماعية إدراكاً متزايداً بأن القضية الفلسطينية أصبحت المقياس الحقيقي لعدالة النظام الدولي ومصداقية الالتزام بحقوق الإنسان.

من الناحية القانونية، يمكن قراءة القرار الإيطالي كخطوة احترازية تتماشى مع قواعد المسؤولية الدولية التي تمنع الدول من تقديم العون في الأفعال غير المشروعة. فاستمرار التعاون العسكري في ظل وجود مؤشرات على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني قد يعرض المسؤولين الإيطاليين للمساءلة القانونية مستقبلاً.

عززت التطورات القضائية في محكمة العدل الدولية من هذا التوجه، حيث وضعت الدول أمام التزامات واضحة بمنع الإسهام في جرائم دولية. وبناءً عليه، لم يعد القرار الإيطالي مجرد مناورة سياسية ظرفية، بل أصبح ضرورة قانونية لتجنب التورط غير المباشر في النزاعات المسلحة والانتهاكات المرتبطة بها.

ختاماً، يمثل قرار ميلوني بارقة أمل للقوى الحقوقية، مؤكداً أن تراكم الضغوط الشعبية قادر على إحداث تغيير حقيقي في مواقف القوى الكبرى. ومع استمرار التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية في غزة ولبنان، يبقى التساؤل قائماً حول مدى استعداد بقية العواصم الأوروبية لاتخاذ خطوات فعلية تتجاوز الإدانات الدبلوماسية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا