شهد حي التضامن جنوبي العاصمة السورية دمشق تحركات عفوية لأهالي المنطقة عقب صلاة الجمعة، حيث توجهوا إلى موقع المجزرة التي لا تزال ذكراها الأليمة محفورة في أذهان السوريين والعالم أجمع. جاءت هذه التحركات تزامناً مع أنباء القبض على أمجد يوسف، المتهم الأول والمنفذ الرئيسي لتلك المقتلة التي كُشفت تفاصيلها المروعة عبر مقاطع فيديو مسربة وثقت لحظات الإعدام الجماعي.
بدأت خيوط الحكاية تتكشف حينما نجح عسكري منشق في تهريب وثائق بصرية بالغة الخطورة، خاض من أجلها رحلة محفوفة بالمخاطر استمرت ثلاث سنوات قبل الوصول إلى بر الأمان. وقد تسلم فريق من الباحثين الأكاديميين المتخصصين في قضايا الإبادة الجماعية هذه الوثائق، وعملوا على مدار عامين لتحديد هوية الجناة وخلفياتهم عبر اختراق دوائرهم الضيقة على منصات التواصل الاجتماعي.
أظهرت اللقطات التي صورها عناصر الأمن لأنفسهم مشاهد لا يمكن للعقل البشري استيعابها، حيث حفر القتلة حفرة كبيرة وأخذوا يقذفون فيها الضحايا الذين لم يكن لهم ذنب سوى وجودهم تحت سلطة هؤلاء القتلة. وبحسب التقارير، فإن اختيار الضحايا اعتمد في الغالب على معالم الفقر أو الانتماء الطائفي، مما يعكس رغبة سادية في القتل لمجرد التسلية والترهيب.
وتشير الإحصائيات الموثقة إلى إعدام 271 مدنياً من السوريين والفلسطينيين بدم بارد، حيث تم إلقاؤهم واحداً تلو الآخر في المقبرة الجماعية المعدة مسبقاً. ولم يكتفِ الجناة بالقتل رمياً بالرصاص، بل سكبوا الوقود على الجثث وأشعلوا فيها النيران، وسط مؤشرات تفيد بأن بعض الضحايا كانوا لا يزالون على قيد الحياة أثناء إحراقهم.
تجلت وحشية المنفذين في تعاملهم مع النساء والأطفال، حيث وثقت المقاطع صرخات استغاثة قوبلت بشتائم بذيئة وعنف جسدي مفرط قبل الإجهاز عليهم. هذه المشاهد أثارت تساؤلات عميقة حول طبيعة الشر الذي يدفع بشراً للتنكيل بآخرين بهذه الطريقة، وتحويل الموت إلى مشهد استعراضي يتم تصويره والاحتفاظ به كذكرى للتباهي.
من بين العائلات التي نُكبت في هذه المجزرة تبرز قصة عائلة صيام الفلسطينية، التي تعرفت الأم فيها على ابنها من خلال ملابسه في الفيديو المسرب بعد سنوات من اختفائه. كان الشاب قد احتجز أثناء قيامه بمهمة بسيطة وهي نقل الطحين إلى أحد الأفران، لتنتهي حياته في تلك الحفرة المظلمة التي لخصت مأساة اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
يرى مراقبون أن هناك تشابهاً مخيفاً بين ما حدث في حي التضامن ومذابح عالمية شهيرة مثل سربرينيتسا، حيث يتكرر نمط التطهير العرقي والطائفي. كما أن اسم عائلة صيام يربط المأساة السورية بالواقع الفلسطيني في غزة، حيث استشهد العديد من أفراد هذه العائلة برصاص وقصف جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية.
إن هذا النمط من الإجرام يتجاوز الأهداف الأمنية التقليدية للحفاظ على السلطة، لينتقل إلى مرحلة الهمجية التي تستهدف البشر بناءً على هويتهم أو حتى مظهرهم الخارجي. ويشبه هذا السلوك ما تقوم به الوحدات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، من نهب للبيوت وتصوير عمليات التدمير والتنكيل بالمدنيين كنوع من التسلية العسكرية.
تتطابق صورة مجزرة التضامن مع ممارسات الاحتلال في تحقير الإنسان واستهدافه في أبسط مقومات حياته، مما يجعل الجريمتين وجهين لعملة واحدة من الإرهاب المنظم. إن تشابك تغول الأجهزة الأمنية مع إرهاب الوحدات المتنقلة الإسرائيلية يرسم لوحة قاتمة للمنطقة، حيث تضيع دماء الأبرياء في حفر الموت المتعددة.
في الختام، تبقى مجزرة التضامن شاهداً حياً على مرحلة من الانحطاط القيمي والإنساني، وتذكيراً بضرورة المحاسبة الدولية لضمان عدم تكرار هذه الفظائع. إن دماء السوريين والفلسطينيين التي اختلطت في تلك الحفرة تفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها القتلة في المنطقة.
المصدر:
القدس