آخر الأخبار

وفاة يورغن هابرماس: سيرة الفيلسوف الألماني ومواقفه من غزة

شارك

غيب الموت الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني البارز يورغن هابرماس، الذي رحل عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً عميقاً جعله واحداً من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية في العصر الحديث. عُرف هابرماس بلقب 'الأوروبي الأخير' لتمسكه بمبادئ التنوير الأوروبية، وقد أثرت نظرياته، وعلى رأسها 'الفعل التواصلي'، في أجيال من الباحثين والسياسيين حول العالم.

ولد هابرماس في مدينة دوسلدورف عام 1929، ونشأ في ظل الصعود النازي الذي شكل وعيه السياسي الأول بطريقة قاسية. انخرط في شبابه كمساعد في وحدات الدفاع الجوي خلال الحرب العالمية الثانية، وهي التجربة التي وصفها لاحقاً بأنها كانت العيش في ظل 'نظام إجرامي' قاد المجتمع نحو البربرية، مما دفعه للبحث عن أسس عقلانية للديمقراطية.

بدأت مسيرته الأكاديمية في جامعات غوتينغن وبون، حيث حصل على الدكتوراه عام 1954، قبل أن تلفت كتاباته انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو. انضم هابرماس إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، ليبدأ تطوير منهجه في التحليل النقدي للمجتمع، الهادف إلى كشف آليات الهيمنة والأيديولوجيات التي تقيد حرية الإنسان.

رغم كونه مرشداً فكرياً لحركات الاحتجاج الطلابية في الستينيات، إلا أنه اصطدم مع الراديكاليين منهم، واصفاً أساليبهم بـ 'الفاشية اليسارية'. هذا الموقف عكس طبيعته الفلسفية التي تميل إلى الحوار العقلاني والمؤسساتي بدلاً من الثورة العنيفة، وهو ما وثقه في كتابه الشهير 'الثورة الزائفة وأبناؤها'.

في عام 1981، نشر هابرماس عمله الموسوعي 'نظرية الفعل التواصلي'، الذي سعى من خلاله إلى تأسيس أخلاقيات تعتمد على اللغة والتفاهم المتبادل. كانت هذه النظرية تهدف إلى خلق فضاء عام ديمقراطي يتحرر فيه الأفراد من سلطة المال والقوة، ويحتكمون فيه فقط إلى 'قوة الحجة الأفضل'.

خاض الفيلسوف الراحل معارك فكرية كبرى، أبرزها 'جدل المؤرخين' في الثمانينيات، حيث تصدى لمحاولات التقليل من فظاعة المحرقة النازية. اعتبر هابرماس أن الهولوكوست جريمة فريدة لا يمكن مقارنتها بجرائم أخرى، وهو الموقف الذي ظل يحكم رؤيته السياسية والأخلاقية حتى نهاية حياته.

على الصعيد السياسي الدولي، دعم هابرماس تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو عام 1999، مبرراً ذلك بضرورة حماية حقوق الإنسان وفق القانون الدولي. كما كان مدافعاً شرساً عن الوحدة الأوروبية، داعياً إلى تحويل الاتحاد الأوروبي إلى ديمقراطية عابرة للحدود الوطنية تتجاوز مفهوم الدولة القومية التقليدي.

إن تشبيه إراقة الدماء في غزة بالإبادة الجماعية يتجاوز حدود النقاش المقبول.

في سنواته الأخيرة، لم يتوقف هابرماس عن الاشتباك مع القضايا الراهنة، حيث انتقد في كتابه الصادر عام 2024 سيطرة 'منطق الحرب' على النخب الغربية. وحذر من غياب الأفق السياسي في الحرب الأوكرانية، معتبراً أن الغرب فشل في تقديم مبادرات دبلوماسية مبكرة لوقف النزيف المستمر.

إلا أن المحطة الأكثر جدلاً في مسيرة هابرماس كانت موقفه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي بدأت في أكتوبر 2023. فقد وقع بياناً بعنوان 'مبادئ التضامن'، دافع فيه بقوة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً حماية 'الحياة اليهودية' التزاماً ألمانياً لا يقبل النقاش.

أثار هذا البيان صدمة في الأوساط الثقافية العربية والدولية، حيث رأى نقاد أن هابرماس ناقض نظرياته حول 'الفعل التواصلي' و'العقلانية'. فقد اعتبر الفيلسوف أن توصيف ما يجري في غزة بـ 'الإبادة الجماعية' هو أمر غير مقبول، مما وضعه في مواجهة مع مفكرين رأوا في موقفه انحيازاً أعمى للاحتلال.

أفادت مصادر أكاديمية أن موقف هابرماس الأخير عكس أزمة الفلسفة الغربية في التعامل مع الدم الفلسطيني، حيث سقطت الكونية المدعاة أمام اختبار الواقع. واعتبر مراقبون أن الفيلسوف الذي قضى حياته ينظر للحوار، فضل الصمت أو التبرير أمام آلة القتل التي تستهدف المدنيين في غزة ولبنان.

يرى منتقدوه أنه تخلى عن الإرث النقدي لمدرسة فرانكفورت ليتحول إلى مدافع عن 'الوضع الراهن' والسياسات الرسمية الألمانية. هذا التحول اعتبره البعض 'انتحاراً أخلاقياً' لنظام فكري طالما ادعى الدفاع عن المظلومين وكشف آليات القمع والاضطهاد في العالم الحديث.

رغم بلوغه التسعينات، ظل هابرماس 'متيقظاً فكرياً' حتى أيامه الأخيرة، يتابع التحولات الدولية بقلق وتوجس. وقد حظي بتكريمات عالمية عديدة، حتى أن اسمه أطلق على كويكب في الفضاء عام 1999، تقديراً لإسهاماته التي تجاوزت حدود القارة الأوروبية لتصل إلى آفاق كونية.

يرحل هابرماس اليوم تاركاً خلفه تساؤلات كبرى حول جدوى الفلسفة إذا عجزت عن الانتصار للإنسان في لحظات الحقيقة. ستبقى 'سقطة غزة' نقطة سوداء في تاريخ هذا المفكر، وتذكيراً دائماً بأن العقلانية التواصلية قد تتحول إلى أداة للإقصاء عندما تصطدم بحدود المصالح السياسية والعقد التاريخية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا