يأتي كتاب 'من كتاب الاستشراق إلى ما بعد-الكولونيالية' للباحث نجيب جورج عوض، والصادر حديثاً عن دار مؤمنون بلا حدود، ليقدم قراءة نقدية رصينة في بنية الخطاب المعرفي المعاصر. يسلط الكتاب الضوء على كيفية تحول الاستعمار من حدث تاريخي عسكري إلى بنية فكرية متجذرة في اللغة وأنماط التمثيل، مما يستوجب تفكيكاً مستمراً للهيمنة.
يركز الجزء الأخير من هذه القراءة التحليلية على إسهامات غياتري سبيفاك، التي تعد مع إدوارد سعيد وهومي بابا، الأركان الأساسية للنقد ما بعد الكولونيالي. ويبحث المؤلف في كيفية تطوير سبيفاك لمشروع 'نزع الكولونيالية' عبر ميكانيزمات إنتاج الحقائق، معتبرة أن التفكيك هو نقد مثابر لما لا يمكن للمرء الاستغناء عنه في المنظومة المعرفية.
بدأت مسيرة سبيفاك الفكرية في السبعينيات متأثرة بالفلسفة التفكيكية لجاك دريدا، حيث قامت بترجمة أعماله وتوظيف منهجيته في سياقات نسوية وثقافية. وقد نجحت في نقل التفكيك من مجرد لعبة لغوية إلى أداة لتقويض التعارض بين المركز والهامش، معبرة عن وعيها كذات بنغالية تسعى لنزع الاستعمار من العقول.
تؤكد سبيفاك أن الموقف ما بعد الكولونيالي ليس مجرد حضور جغرافي في بلد المنشأ، بل هو موقف زماني يتعلق بكيفية تعامل الإنسان مع التاريخ في الواقع المعاش. فالمشروع يهدف أساساً إلى فضح التحقيقات التاريخية التي أجريت دون أدلة كافية، وكشف تداعياتها على التفسيرات الثقافية التي تتبناها النخب في العالم الأول.
يحذر المنطق ما بعد الكولونيالي من أن ما نعتقد أنه أدوات للتحرر قد يكون في جوهره محاولة مستترة لإعادة الاستعمار بصور جديدة. فالحرية الأكاديمية أو مفاهيم التنوير قد تحمل في طياتها افتراضات إمبريالية تخضع المجتمعات 'الثانوية' لنخبوية محلية تشكلت وفق طموحات المستعمر القديم، مما يستدعي يقظة فكرية دائمة.
يتسع مفهوم براديغم ما بعد الكولونيالية ليشمل دلالتين؛ الأولى كظاهرة تاريخية برزت بعد رحيل الجيوش الاستعمارية، والثانية كحركة معارضة لتبعات الاستعمار في العالم المعاصر. وقد تبلور هذا الفكر عقب الحرب العالمية الثانية مع صعود حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا، مما أذن بأفول النظام الاستعماري الأوروبي التقليدي.
يمثل مؤتمر باندونغ عام 1955 المنعطف التاريخي الأبرز لدخول دول العالم الثالث إلى الساحة الدولية كقوة سياسية مستقلة. وقد تضمن القرار الختامي للمؤتمر إدانة صريحة للإمبريالية والصهيونية ونظام الأبارتهايد، معلناً إرادة هذه الشعوب في عدم الانحياز لأي من القطبين السوفيتي أو الغربي خلال الحرب الباردة.
سعت دول حركة عدم الانحياز، بقيادة شخصيات مثل عبد الناصر ونهرو وتيتو، إلى إيجاد مسار بديل يخرجها من تصنيف 'شرق وغرب'. وكان الهدف هو تعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي لإنهاء التبعية للقوى الكبرى، وبناء أنظمة سياسية واجتماعية تعبر عن الهوية الوطنية بعيداً عن قوالب الرأسمالية أو الاشتراكية المفروضة.
مع انهيار النظام ثنائي القطب في التسعينيات، برز ما يسمى 'النظام الدولي الجديد' بزعامة الولايات المتحدة، والذي فرض تحديات معرفية جديدة. هذا النظام القائم على العولمة الرأسمالية والثورة التكنولوجية، أعاد إنتاج الهيمنة عبر المعرفة المكثفة، مما جعل الصراع الفكري حول 'ما بعد الكولونيالية' أكثر تعقيداً وأهمية.
يعود التأصيل الفكري لهذه النظرية إلى كتابات مبكرة مثل رسالة إيمي سيزير التي ندد فيها بالتفوق الأحادي للغرب والكونية الزائفة. هذه الأفكار مهدت الطريق لظهور تخصصات الدراسات الأدبية والثقافية التي اتخذت من نقد المركزية الأوروبية منطلقاً لها، خاصة في الجامعات الأنجلوسكسونية قبل انتقالها إلى الفضاء الفرنكوفوني.
يعد كتاب 'الاستشراق' لإدوارد سعيد الصادر عام 1978 حجر الزاوية في هذا الحقل المعرفي، حيث كشف كيف ابتدع الغرب 'شرقاً' يتناسب مع مصالحه الاستعمارية. ومنذ ذلك الحين، أصبح مفهوم ما بعد الكولونيالية مرادفاً للعداء للاستعمار الغربي بجميع أشكاله، سواء كانت سياسية أو ثقافية أو أكاديمية.
في فرنسا، شهدت سنوات الألفين انبثاقاً جديداً لهذا البراديغم، تجسد في حركات مدنية مثل 'أهالي الجمهورية'. طالبت هذه الحركات بالتنديد بأشكال التمييز والتراتبية الموروثة عن الحقبة الكولونيالية والتي لا تزال تؤثر في بنية المجتمع الفرنسي المعاصر، مما يثبت أن المعركة ضد الاستعمار لم تنتهِ بانسحاب الجيوش.
تطرح سبيفاك تساؤلات حرجة حول 'من يحرر من؟'، محذرة من الوقوع في فخ 'رهاب الكولونيالية' الذي قد يعيق التطور الحقيقي. فالتحدي يكمن في كيفية تبني قيم مثل الحرية أو العدالة الجندرية دون أن تكون مجرد استنساخ للنماذج البطريركية أو الإمبريالية التي صاغها عصر التنوير الأوروبي لخدمة أهدافه الخاصة.
يخلص الكتاب إلى أن نزع الكولونيالية هو عملية مستمرة تتطلب تشريحاً دقيقاً لكل حالة تفكير أو عادة عمل ذات أصول استعمارية. إن استعادة السيادة المعرفية تتطلب بناء بدائل تنبع من السياقات المحلية، مع الحفاظ على حوار نقدي مع المنجز العالمي، لضمان عدم الوقوع في فخ إعادة إنتاج الهيمنة بأسماء جديدة.
المصدر:
القدس