وسط ركام الدمار وفي قلب مدينة غزة المحاصرة، انبعث نور الأمل من جديد خلال حفل تتويج الموهوبين والمبدعين ضمن مسابقة 'جائزة الدكتورة سعاد الصباح' للطفل الغزي. الحفل الذي أقيم يوم الأربعاء الماضي، جاء ليؤكد أن عامين ونصف من الحرب لم تنجح في كسر إرادة الصغار الذين تمسكوا بأحلامهم كنافذة نحو حياة أكثر أماناً وكرامة.
شهدت الفعالية مشاركة واسعة ضمت نحو 400 طفل من المبدعين برفقة أمهاتهم، حيث تحول الحفل إلى منصة للاحتفاء بالجمال الكامن في نفوس الأطفال. وقد عبر المشاركون عن ذواتهم من خلال الكلمة والصوت واللون، متحدين واقع النزوح والظروف القاسية التي فرضتها الحرب المستمرة على القطاع.
فتحت المسابقة أبوابها للأطفال في الفئة العمرية ما بين 6 و14 عاماً، وشملت مجالات إبداعية متنوعة بدأت من الشعر والقصة والخاطرة وصولاً إلى الإلقاء والغناء وتلاوة القرآن. كما تضمنت المنافسات فئات الرسم والخطابة، مما أتاح لكل موهبة فرصة حقيقية للظهور والتعبير عن مكنوناتها أمام لجنة تحكيم متخصصة.
اعتمدت آلية المشاركة على إرسال مقاطع فيديو قصيرة يعرف فيها الطفل بنفسه ويعرض موهبته، وهي عملية استمرت منذ نوفمبر الماضي وحتى منتصف أبريل الجاري. وانتهت هذه الرحلة الإبداعية بتكريم 160 طفلاً وطفلة، بالإضافة إلى الاحتفاء بـ 10 أمهات مبدعات لعبن دوراً محورياً في دعم مواهب أبنائهن.
افتتح الحفل بآيات من الذكر الحكيم تلاها الطفل الكفيف عمرو أبو جربوع، الذي أذهل الحضور بحفظه وإتقانه لأحكام التجويد رغم فقدانه للبصر. عكست هذه البداية قوة الإرادة والتحدي لدى أطفال غزة، مؤكدة أن الإعاقة الجسدية لا يمكن أن تقف عائقاً أمام التميز والإبداع في أصعب الظروف.
وفي فئة التعليق الصوتي، قدمت الأخوات نور وسعاد وسلام البرش عملاً إبداعياً جسد قصة إنسانية من واقع الحرب، حملت في طياتها وجعاً صادقاً وروحاً صامدة. تناولت القصة حكاية طفلة تغيرت حياتها بعد إصابة والدها وفقدانه القدرة على الحركة، مما وضعها في مواجهة مبكرة مع أعباء الحياة الثقيلة.
لم يتوقف سرد الأخوات البرش عند حدود الألم، بل انتقل ليكشف عن قوة داخلية وإصرار على التمسك بالحق في التعليم رغم كل العوائق المحيطة. ونجحت الطالبات في نقل الحكاية بأداء صوتي مؤثر، جعل الحضور يعيشون تفاصيل المعاناة والأمل التي تلازم الطفولة في قطاع غزة.
أما في فئة الإنشاد، فقد تألق الطالب براء أبو شنب الذي حصد المركز الأول، حيث صدح بصوته الندي بأنشودة آسرة انسجمت معها فرقة المديح من خلفه. وقد لقي أداء براء تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، حيث انسابت الكلمات كنبض حي يعيد الروح إلى أرجاء المكان الذي أنهكته أخبار الحرب والدمار.
حضر الوطن والقدس بقوة في قصائد ماريا حنون وبتول البطنيجي وأحمد البسيوني وحاتم أبو موسى، الذين نسجوا بكلماتهم لوحات تفيض بروح الحرية. واستحضر هؤلاء المبدعون الصغار الرموز الوطنية في وجدانهم، مؤكدين أن الهوية الفلسطينية تظل حاضرة في ذاكرة الأجيال الناشئة مهما بلغت شدة التحديات.
وفي مجال الخطابة، وقف الطفل مجد الدين الشريف بثقة عالية على المنصة ليلقي خطبة بعنوان 'وبشّر الصابرين'، نال عنها المركز الأول بجدارة. واتسم إلقاء الشريف بالفصاحة وعمق المعنى، مما عكس وعياً مبكراً يتجاوز سنوات عمره الصغيرة، ويظهر قدرة أطفال غزة على صياغة رسائل ملهمة.
فئة الرسم لم تكن أقل إبداعاً، حيث قدمت الطالبتان أسيل الهبيل وجنى شحادة أعمالاً فنية عكست حساً جمالياً عميقاً في تصوير الواقع المعاش. وحولت الطالبتان اللوحات البيضاء إلى مساحات للتعبير عن مزيج معقد من الألم والأمل، موثقتين بريشتهما تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحرب والنزوح.
أفادت مصادر بأن عدداً من الأطفال المشاركين أكدوا أن قوة الإرادة والتصميم كانت الدافع الأساسي وراء انضمامهم لهذه الفعالية الإبداعية. وأوضح الأطفال أن التجربة لم تكن مجرد مسابقة، بل كانت مساحة حقيقية لاكتشاف الذات وتعزيز الثقة بالنفس، ومتنفساً ضرورياً للتعبير عن مشاعرهم وتجاربهم القاسية.
من جهتها، أشارت والدة الطفلة ماريا حنون، الفائزة بالمركز الأول في الإلقاء، إلى أن أطفال غزة يمتلكون مخزوناً إبداعياً هائلاً يحتاج فقط إلى الرعاية. وأكدت في تصريحات لمصادر صحفية أن هذا المخزون لا يبرز إلا من خلال توفير فرص حقيقية ومساحات آمنة تسمح للصغار بالتعبير عن طاقاتهم الكامنة وتوجيهها بشكل صحيح.
ختاماً، أوضحت مشرفة الحفل الشاعرة آلاء القطراوي أن الجائزة انطلقت من إيمان عميق بقدرة الأطفال على تحويل المعاناة إلى طاقة إبداعية خلاقة. وأشارت إلى أن عملية التحكيم تمت بشفافية عالية ووفق معايير تراعي الخصوصية الإنسانية للتجربة، لضمان تكافؤ الفرص بين جميع الموهوبين الذين شاركوا في هذا العرس الثقافي.
المصدر:
القدس