آخر الأخبار

تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية: شهادة بلقاسم راجف عن النزعة

شارك

يتناول المؤرخ الجزائري أحمد بن نعمان في قراءة تاريخية معمقة مسارات الحركة الوطنية والرهانات الفكرية التي واكبت تشكل الوعي التحرري ضد الاستعمار الفرنسي. ويركز النص على استحضار وثائق وشهادات حية لتفسير محطات الخلاف والصراع الداخلي، معتبراً أن الوحدة الوطنية كانت الصخرة التي تحطمت عليها مؤامرات التفكيك.

يستند المقال بشكل أساسي إلى شهادة مسجلة للمناضل بلقاسم راجف، أحد أقطاب 'نجم شمال إفريقيا'، والذي كشف فيها عن تفاصيل مواجهة 'النزعة البربرية' في باريس. وتعود هذه الأحداث إلى مرحلة دقيقة سبقت اندلاع الثورة، حيث حاولت أطراف الانشقاق عن الخط العام لحزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية.

يروي راجف تفاصيل اجتماع ماراثوني للجنة الفيدرالية في فرنسا استمر لسبع عشرة ساعة متواصلة دون انقطاع، شهد نقاشات حادة وصاخبة حول الهوية والانتماء. وقد سعى راجف خلال هذا الاجتماع لانتزاع إدانة لما وصفه بالانحراف السياسي الذي يخدم مصالح الاستعمار ويهدد وحدة الحزب والشعب.

انتهى ذلك الاجتماع التاريخي بنتيجة تصويت متقاربة جداً، حيث رُفض مقترح إدانة الانحراف بفارق صوت واحد فقط (13 ضد 12). هذا الانقسام دفع القيادة الوطنية إلى اتخاذ إجراءات ميدانية لحماية المناضلين وتنظيم أفواج للدفاع الذاتي ضمت عشرات العناصر المستعدة للرد على أي اعتداءات محتملة.

شهدت العاصمة الفرنسية باريس مواجهات ميدانية عنيفة بين أنصار الوحدة وأصحاب النزعات الانفصالية، لا سيما في الدائرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. واستخدمت في هذه المشادات أدوات بدائية وهراوات، وأسفرت عن وقوع جرحى واعتقالات واسعة في صفوف الجزائريين من قبل الشرطة الفرنسية التي كانت تراقب المشهد.

اتخذ بلقاسم راجف قراراً استراتيجياً خلال تلك المواجهات بإبعاد المناضلين المنحدرين من مناطق ناطقة بالعربية عن ساحة الصدام المباشر. وكان الهدف من هذا الإجراء هو حصر النزاع داخل إطار أبناء منطقة القبائل أنفسهم، لمنع الاستعمار من تصوير الأمر كصراع عرقي بين 'عرب وقبائل' وضرب النسيج الوطني.

تؤكد الشهادات أن القيادة الوطنية كانت تدرك تماماً خطورة التلاعب بالهوية، حيث اعتبرت أن أي تقسيم على أساس لغوي أو جهوي يصب في مصلحة المحتل. وقد نجحت هذه القيادات في احتواء الفتنة بفرنسا، بينما استمرت ملاحقة العناصر المنشقة داخل الجزائر لضمان تفرغ الحزب للتحضير للعمل المسلح.

إن نجاح الثورة الجزائرية لم يكن نتاج القوة العسكرية وحدها، بل ثمرة التماسك الداخلي والإيمان بوحدة المصير.

في سياق متصل، يتطرق المقال إلى موقف حسين آيت أحمد الذي حامت حوله الشبهات في تلك الفترة كعقل مدبر للنزعة البربرية. وبحسب مذكرات بن يوسف بن خدة، فقد اضطرت القيادة لإبعاده عن المناصب الحساسة في 'المنظمة الخاصة' ونقله إلى القاهرة كإجراء احترازي لحماية أمن المنظمة ووحدة الحزب.

تضمنت مذكرات آيت أحمد لاحقاً اعترافات حول رغبته في طرح المسألة اللغوية البربرية في مؤتمر عام 1947، لكنه تراجع خشية رد فعل الغالبية. ويرى المؤرخون أن هذا التردد عكس عمق الهوة بين الطموحات الفئوية والضرورات الوطنية الملحة التي كانت تفرضها ظروف الكفاح ضد الاستعمار.

يستحضر المقال أيضاً مساهمات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تعزيز الهوية الجامعة، مستشهداً بمقال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي 'عروبة الشمال الإفريقي'. وقد فند الإبراهيمي في كتاباته أباطيل الاستعمار التي حاولت نزع الصفة العربية عن الأمازيغ رغم قرون من الامتزاج الثقافي والديني.

شدد الإبراهيمي على أن الاستعراب في الجزائر هو سيرورة تاريخية وثقافية ودينية لا يمكن الفصام عنها، معتبراً البربري المستعرب جزءاً أصيلاً من الأمة. وساهمت هذه الرؤية الفكرية في توفير غطاء شرعي ووطني للوحدة التي تجلت لاحقاً في أبهى صورها خلال ثورة أول نوفمبر المجيدة.

يخلص الكاتب إلى أن نجاح الثورة الجزائرية لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان انتصاراً للتماسك الداخلي والإيمان بوحدة المصير فوق كل اعتبار. وقد أثبتت التجارب أن إخلاص الرجال للقضية الوطنية كان الصمام الذي حمى مشروع الاستقلال من الانزلاق نحو الصراعات الجهوية أو العرقية.

تعد هذه الشهادات دعوة صريحة لاستحضار دروس الماضي في مواجهة تحديات الحاضر التي تستهدف وحدة الشعوب واستقرارها. فالذاكرة الوطنية تظل الحصن المنيع الذي يحفظ قيم الوفاء لتضحيات جيل التحرير، ويؤكد على أن القواسم المشتركة من دين ولغة وتاريخ هي أساس البقاء.

ختاماً، يؤكد المقال على لسان بلقاسم راجف أن لكل جزائري الحق في الاعتزاز بلهجته المحلية، لكن دون أن يتحول ذلك إلى أداة للفتنة. فالاتحاد هو السبيل الوحيد للمضي قدماً نحو التقدم، والوفاء لعهد الشهداء يتطلب الحفاظ على الجزائر موحدة وقوية في وجه كل محاولات الاختراق.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا