آخر الأخبار

سياسات إسرائيل وازدواجية المعايير: بين تمثال المسيح ودماء غز

شارك

ترسم المشاهد القادمة من جنوب لبنان وقطاع غزة ملامح ازدواجية صارخة في معايير المحاسبة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فبينما تحركت الماكينة الدبلوماسية والسياسية في تل أبيب بكل ثقلها لترميم صورتها بعد تحطيم جندي لتمثال ديني، كانت تبارك في الوقت ذاته ممارسات جنودها في غزة والضفة الغربية المحتلة. هذه المفارقة لم تكن مجرد استنتاج خارجي، بل جاءت كاعترافات مدوية من داخل الأوساط الإسرائيلية التي فتحت الصندوق الأسود لسياسة الصمت المطبق تجاه الفظائع المرتكبة بحق الفلسطينيين.

تجلت هذه الانتقائية بوضوح في ردود الفعل الرسمية، حيث أشارت مصادر صحفية إلى أن مقتل الفلسطينيين والدمار الواسع في غزة حظيا بتعاطف أقل بكثير من تدمير تمثال للسيد المسيح. هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية حول ماهية القيم التي يتشدق بها جيش الاحتلال، وكيف تتحول الجرائم الجسيمة إلى مجرد أخطاء تقنية حين يكون الضحية فلسطينياً لا يملك ظهيراً دولياً يحرك أروقة السياسة العالمية.

في الضفة الغربية، يسود صمت مطبق تجاه دماء عائلة بني عودة التي فقدت أربعة من أفرادها برصاص القوات الإسرائيلية في بلدة طمون منتصف مارس الماضي. ورغم وضوح الجريمة، لم تجد وحدة التحقيق بوزارة العدل ضرورة لاستجواب الضباط الضلعين في القتل، ناهيك عن محاسبتهم. وتؤكد التقارير أن سوء سلوك قوات الأمن لا يحظى باهتمام جدي إلا إذا كان موجهاً نحو رعايا دوليين أو صحفيين يحملون جنسيات غربية.

تعتمد سياسات الحكومة الحالية، بقيادة بنيامين نتنياهو، على استغلال الأعداء الخارجيين للحصول على دعم داخلي أعمى، وهو نهج يشترك فيه مع الحكام المستبدين عبر التاريخ. هذا الواقع يجعل من المحاسبة أداة سياسية تُستخدم فقط لامتصاص ردود الفعل الدولية، بينما تغيب تماماً حين يتعلق الأمر بحقوق الإنسان الفلسطيني الأساسية التي تُنتهك يومياً تحت غطاء العمليات العسكرية.

يشير محللون إلى أن ما يحدث في الضفة الغربية من قتل واعتداءات ليس مجرد حوادث فردية، بل هو نتيجة قرار تدعمه كبرى المؤسسات العسكرية والسياسية. إذ يغزو المستوطنون أراضي القرى الفلسطينية يومياً بحماية رجال مسلحين يخدمون في كتائب الدفاع الإقليمي. هذه الاعتداءات تهدف بشكل مباشر إلى تهجير الفلسطينيين من منازلهم، وتستمر دون أي تدخل حقيقي من السلطات لإنفاذ القانون أو حماية المدنيين.

منذ بداية الحرب، قُتل 13 فلسطينياً في هجمات نفذها مستوطنون، بالإضافة إلى 12 آخرين بنيران إسرائيلية مباشرة، دون أن تسفر هذه الحوادث عن اعتقالات فعلية. وفي معظم الحالات، يتم استجواب المستوطنين الذين يخدمون في قوات الاحتياط ثم يُطلق سراحهم فوراً. هذا النمط من الإفلات من العقاب يشجع على استمرار ما يوصف بالمجازر المنظمة التي يشنها شبان ملثمون يستخدمون الهراوات والأجهزة الحارقة.

الفظائع في قطاع غزة لم تعد تُنقل خلف الأبواب المغلقة، بل تحولت إلى ما يشبه إبادة على الهواء مباشرة، استعرضها الجنود بأنفسهم عبر منصات التواصل الاجتماعي. تفاخر الجنود بتصوير أنفسهم وهم يقتحمون المنازل ويعبثون بممتلكات السكان، بل واحتفلوا بعمليات القصف والتدمير. ورغم الانتقادات الخجولة من بعض المسؤولين، إلا أن المؤسسة العسكرية فشلت في إدانة هذه السلوكيات بشكل حازم أو اتخاذ إجراءات عقابية رادعة.

يسوع ذهب إلى صور وصيدا في جنوب لبنان، لكنه لم يذهب ليقتل أو يدمر، بل ليضاعف الخبز ويشفي المرضى.

في سجن سدي تيمان، وثقت مقاطع فيديو اعتداءات جنسية بحق معتقلين فلسطينيين، لكن رد الفعل الرسمي كان صادماً. وصف نتنياهو الفيديو بأنه هجوم دعائي وافتراء على الجنود، بدلاً من فتح تحقيق شفاف ومستقل. والأدهى من ذلك أن رئيس الأركان وافق لاحقاً على عودة الجنود المتهمين بهذه الجرائم الموثقة إلى الخدمة العسكرية، مما يكرس ثقافة الحصانة المطلقة للمعتدين.

الاستنفار الدبلوماسي الذي أبداه نتنياهو تجاه تحطيم تمثال المسيح في لبنان لم يكن نابعاً من وازع أخلاقي، بل كان استشعاراً لخطر انفجار أزمة مع الفاتيكان والعواصم الغربية. سارع نتنياهو لإدانة الفعل بأشد العبارات، معرباً عن ذهوله وحزنه، في تناقض صارخ مع صمته الطويل تجاه آلاف الضحايا من الأطفال والنساء في غزة. هذا التحرك يعكس إدراكاً بأن المساس بالمقدسات المسيحية يمثل خطاً أحمر قد يكلف إسرائيل غطاءها الدولي.

دخل وزير الخارجية جدعون ساعر على خط الإدانات متوعداً بإجراءات صارمة، لكن النتائج على الأرض كانت هزيلة ولا تتناسب مع حجم الوعيد. فقد اكتفى الجيش بتنحية الجندي وزميله عن المهام القتالية وحبسهما لمدة 30 يوماً فقط. يرى مراقبون أن هذه العقوبة ليست سوى محاولة لامتصاص غضب الرأي العام العالمي، وليست رغبة حقيقية في فرض الانضباط الأخلاقي داخل صفوف القوات المقاتلة.

توقيت حادثة التمثال زاد من حرج الموقف الإسرائيلي، خاصة في ظل التوتر القائم مع الكنائس في القدس المحتلة. فما زالت أصداء منع البطريرك اللاتيني من ممارسة الطقوس في كنيسة القيامة تتردد في أروقة الفاتيكان. هذه التراكمات حولت الحادثة الأخيرة إلى فضيحة دبلوماسية أجبرت الجيش على محاولة تجميل صورته عبر نشر لقطات لتركيب تمثال بديل بالتنسيق مع المجتمع المحلي في لبنان.

الرد المسيحي الدولي جاء حاداً ورافضاً لمحاولات التجميل الإسرائيلية، حيث وصف الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا الفعل بأنه إهانة خطيرة تستوجب إدانة غير مشروطة. كما وجه رئيس الأساقفة فينتشنزو باليا رسالة لاذعة لنتنياهو، مذكراً إياه بأن رسالة السيد المسيح في جنوب لبنان كانت للشفاء والحياة وليس للقتل والتدمير، وهو ما نسف الرواية الإسرائيلية التي تحاول تبرير الحرب كدفاع عن الحضارة.

امتد القلق الإسرائيلي ليصل إلى واشنطن، حيث طالب مسؤولون أمريكيون بعواقب سريعة وقاسية، مما يعكس خشية تل أبيب من خسارة دعم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة. هذا الذعر الرسمي يثبت أن التحرك الإسرائيلي مرتبط حصراً بمراكز التأثير الدبلوماسي والسياسي. فبينما تهتز الحكومة لأجل رمز ديني، تظل صامتة أمام مقتل مئات الأطفال، طالما أن تلك الجرائم تقع بعيداً عن دائرة الضوء الغربي.

في المحصلة، تظل سياسة المحاسبة الانتقائية هي الوجه الحقيقي للمؤسسة الإسرائيلية في تعاملها مع النزاع. إن الاستنفار لأجل تمثال وتجاهل دماء البشر يكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية التي تعيشها الدولة العبرية. وستستمر هذه الاعتداءات والانتهاكات ما دامت الحكومة ترى في الإفلات من العقاب مصلحة سياسية، وما دام المجتمع الدولي يكتفي بإدانات لا تغير من واقع الضحايا شيئاً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا