آخر الأخبار

تحطيم تمثال المسيح بلبنان يثير غضباً واسعاً

شارك

المطران عطا الله حنا: هذا السلوك ضمن ثقافة استيطانية متطرفة كظاهرة تعكس تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية تجاه كل ما هو مسيحي
الأب إبراهيم فلتس: ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره تصرفاً فردياً بل يعكس نمط تفكير متطرف قائم على نزع القدسية عن الآخر وتبرير الاعتداء عليه
الأب عبد الله يوليو: إعلان الاحتلال فتح تحقيق في الحادثة لا يمكن فصله عن محاولات تبييض صورته أمام العالم في محاولة لاحتواء الغضب العالمي
الشيخ إبراهيم عوض الله: المؤمنون بحقائق الأديان وقيمها النبيلة يربأون بأنفسهم عن قبول الإساءة لأديان غيرهم ورموزها مهما كان الخلاف
د. ماجد صقر: ما جرى في لبنان يشكل انتهاكاً واضحاً لقيم الاحترام المتبادل بين أتباع الأديان ويعكس سلوكاً ينبغي الوقوف ضده بصورة حازمة
د. واصل أبو يوسف: ما حدث يكشف تجاوز التخريب المادي ليصل إلى مستوى ازدراء الأديان كافة.. والفلسطينيون عاشوا صوراً مشابهة
عصام بكر: الاعتداء على رمز ديني مسيحي يكشف تغذيةً فكريةً ممنهجةً تقوم على الحقد والكراهية وتعيد إنتاج خطاب التفوق العرقي والديني


رام الله - خاص ب"القدس"-
لا تزال موجة الغضب مشتعلة بعد قيام جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً، بتحطيم تمثال للسيد المسيح عليه السلام والصليب المقدس في بلدة دبل قضاء بنت جبيل جنوب لبنان، في ظل اعتبار الحادثة مساساً مباشراً برمز ديني يحمل مكانة روحية عميقة لدى المسيحيين، وتجاوزاً خطيراً لحرمة المقدسات الدينية في المنطقة، وشاهد على العبثية المنظمة لجنود الاحتلال.
ويرى رجال دين مسيحيين ومسلمين وشخصيات وطنية، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن ذلك الاعتداء لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثة فردية معزولة، بل يندرج ضمن سياق متواصل من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف الرموز الدينية، بما يعكس تنامياً في خطاب الكراهية والتطرف، ويثير مخاوف من محاولات دفع الصراع السياسي نحو أبعاد دينية أكثر خطورة على شعوب المنطقة، مشيرين إلى أن ما جرى يأتي في سياق حوادث متكررة ضد المقدسات المسيحية الإسلامية كما جرى في عدة مناطق من الأراضي الفلسطينية.
ويؤكدون أن استهداف التمثال يحمل دلالات تتجاوز التخريب المادي، ليشكل اعتداءً على قيم الاحترام للرموز الدينية، داعين إلى ضرورة تحرك دولي جاد يضع حداً للاعتداءات على المقدسات، ويحاسب المسؤولين عنها، ويمنع تكرارها في ظل التوترات المتفاقمة في المنطقة.

عمل همجي وعنصري غير مسبوق

يؤكد رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس المطران عطا الله حنا أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم الصليب المقدس وتمثال السيد المسيح في بلدة دبل بقضاء بنت جبيل في جنوب لبنان، عمل "همجي وعنصري غير مسبوق"، مشدداً على أن ما جرى يمثل اعتداءً مرفوضاً على رمز ديني له مكانته الروحية العميقة لدى المسيحيين في مختلف أنحاء العالم.
ويشير حنا إلى أن التطاول على الصليب المقدس لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد تخريب لمعلم ديني، بل هو استهداف مباشر للإيمان المسيحي والعقيدة المسيحية، مشدداً على أن احترام الرموز الدينية في جميع الأديان يجب أن يبقى مبدأً إنسانياً وأخلاقياً ثابتاً لا يخضع لأي اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، مؤكداً أن أي اعتداء على المقدسات، أياً كان مصدره، يستوجب موقفاً واضحاً من كل صاحب ضمير ومسؤولية.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه المطران عطا الله حنا رفض الاعتداء على الرموز الدينية، يشدد على أنه يجب ألا يحجب حقيقة أكثر إيلاماً، تتمثل في الاعتداء المستمر على الإنسان نفسه، مشيراً إلى أن قتل اللبنانيين والفلسطينيين واستهدافهم في قطاع غزة، خلال العامين الماضيين، لا يقل خطورة أو وحشية عن الاعتداء على الرموز الدينية، بل يتجاوز ذلك لأن الإنسان هو جوهر الرسالات السماوية وغاية القيم الدينية.
ويوضح حنا أن الرموز الدينية ترتبط بالإنسان أولاً، وأن من يعتدي على الإنسان يرتكب فعلاً لا يقل همجية عن الاعتداء على الصليب أو أي رمز مقدس آخر، مشيراً إلى أن الاحتلال في جوهره يمثل اعتداءً يومياً على الكرامة الإنسانية، وعلى حق الشعوب في الحياة والحرية والأمان.

سلوك ليس غريباً

ويعتبر حنا أن هذا السلوك ليس غريباً أو جديداً، بل يأتي في سياق ثقافة متطرفة راسخة داخل بعض الأوساط الاستيطانية، لافتاً إلى أن رجال الدين المسيحيين في القدس يتعرضون بشكل متكرر للإهانات والبصق أثناء مرورهم قرب الكنائس أو في الطرقات العامة، في ظاهرة تعكس تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية تجاه كل ما هو مسيحي، إلى جانب الاعتداءات التي تطال المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة.
ويدعو المطران عطا الله حنا إلى ترسيخ القيم الإنسانية الجامعة، ونبذ الكراهية والعنصرية والتطرف بكل أشكاله، مؤكداً ضرورة احترام حق كل إنسان في ممارسة شعائره الدينية بحرية وأمان.
ويشدد حنا على أن الكنائس الفلسطينية، إلى جانب رفضها المساس بالصليب، تواصل رفع صوتها من أجل وقف التعديات على الشعب الفلسطيني واللبناني وشعوب المنطقة، مطالباً المجتمع الدولي بعدم الاكتفاء بإدانة الاعتداءات على الرموز الدينية، بل التحرك أيضاً لوقف المعاناة المتواصلة في لبنان وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس.
ويقول المطران عطا الله حنا: "إن الاحتلال أخطر من أي اعتداء على رمز ديني، لأن الرموز تبقى، أما الإنسان فهو من يدفع الثمن كل يوم بفعل ممارسات الاحتلال".

استهداف المعاني الروحية والإنسانية

يؤكد الأب إبراهيم فلتس من "حراسة الأراضي المقدسة" أن حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل قضاء بنت جبيل تمثل اعتداءً مرفوضاً بشكل قاطع، ليس فقط لأنها طالت رمزاً دينياً مقدساً لدى المسيحيين، وإنما لأنها تمس بصورة مباشرة المعاني الروحية والإنسانية التي يجسدها هذا الرمز في وجدان المؤمنين، وفي مقدمتها المحبة والسلام والرجاء.
ويوضح فلتس أن خطورة الحادثة لا تكمن في الفعل المادي ذاته، بل في الدلالات الأعمق التي يحملها، باعتبارها مؤشراً على تراجع الاحترام المتبادل بين البشر، وتحول الرموز الدينية التي يفترض أن تكون مساحة جامعة للسلام الروحي، إلى أهداف مباشرة للعنف والكراهية.
ويشدد فلتس على أن الإدانة في مثل هذه الحوادث يجب ألا تُفهم باعتبارها رد فعل عاطفياً فقط، بل بوصفها موقفاً مبدئياً للدفاع عن حرية المعتقد وصون كرامة الإنسان، مهما كان انتماؤه الديني أو الثقافي.

نمط من التفكير المتطرف

ويشير فلتس إلى أن ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره تصرفاً فردياً معزولاً عن السياق، بل يعكس، ولو بشكل جزئي، نمطاً من التفكير المتطرف الذي يقوم على نزع القدسية عن الآخر، وتبرير الاعتداء عليه، والنظر إلى المختلف دينياً أو فكرياً باعتباره بلا قيمة أو حرمة.
ويحذر فلتس من أن هذا النوع من الفكر، إذا تُرك دون مواجهة حقيقية، لا يهدد فئة بعينها، بل يضرب في العمق أسس التعايش الإنساني ويقوض القيم التي تقوم عليها المجتمعات المتعددة.
ويشدد فلتس على أن التعامل مع الحادثة يجب أن يتجاوز حدود الإدانة اللفظية إلى خطوات عملية واضحة، تبدأ بمحاسبة شفافة لكل من يعتدي على الرموز الدينية، باعتبار أن العدالة هي الحد الفاصل بين دولة القانون والفوضى، مروراً بتعزيز ثقافة احترام الأديان عبر المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام، وصولاً إلى دعم خطاب ديني مسؤول يعيد التأكيد على القيم المشتركة بين البشر، وفي مقدمتها كرامة الإنسان وقدسية الحياة.

خطورة هذا التفكير مع القوة

ويلفت فلتس إلى أن الجانب الأخطر في الحادثة يتمثل في أن من ارتكب هذا التصرف كان جندياً عسكرياً ويرتدي زيه العسكري الرسمي، معتبراً أن هذه المسألة لا يمكن تجاهلها، لأنها تكشف احتمال تسلل هذا الفكر المتطرف إلى الجيش وهما تكمن الخطورة إن استخدمت القوة للتعبير عن رفض الآخر.
ويشدد فلتس على أن ذلك يحمل دلالتين خطيرتين، إما وجود حالة من عدم الاكتراث تجاه هذه السلوكيات، أو شعور مرتكبيها بوجود حماية أو ضمانة تحول دون محاسبتهم بصورة رادعة.

اعتداء مباشر على الوجدان الإنساني

يعتبر الأب عبد الله يوليو أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل بقضاء بنت جبيل جنوب لبنان مؤخراً، يمثل اعتداءً مباشراً على الوجدان الإنساني العربي والفلسطيني، سواء لدى المسلمين أو المسيحيين، لما يحمله من مساس عميق بالمشاعر الدينية والرموز المقدسة التي تحظى بمكانة خاصة لدى المؤمنين.
ويؤكد يوليو أن تحطيم تمثال السيد المسيح، إلى جانب المساس برمز الصليب وتماثيل السيدة العذراء، يشكل تجريحاً واضحاً لمشاعر المؤمنين، لأن هذه الرموز لا تمثل مجرد مجسمات جامدة، وإنما تختزن معاني روحية وإنسانية عميقة لدى المسيحيين في المشرق والعالم.
ويشدد يوليو على أن وقع الحادثة يتضاعف لأنها وقعت في جنوب لبنان، وهي منطقة ترتبط وجدانياً بتاريخ طويل من التعايش بين المسلمين والمسيحيين، وفي أرض عزيزة على قلوب أبناء المنطقة جميعاً.
ويشير يوليو إلى أن ما جرى يكشف عن غياب الاحترام للقيم الإنسانية والدينية، مؤكداً أن استهداف الرموز المقدسة يعكس مستوى خطيراً من الاستعلاء والازدراء، ويعبر عن عقلية عدوانية تتجاوز الاعتداء على الحجر لتصل إلى الاعتداء على الإنسان نفسه وعلى هويته الروحية والثقافية.
ويرى يوليو أن هذه الممارسات تندرج في سياق أوسع من الحرب التي تستهدف الأرض والإنسان معاً، وتعكس مظلومية الفلسطينيين والعرب في أكثر من مكان.

خطورة تحول الصراع إلى ديني

ويحذر يوليو من أن خطورة الحادثة يفتح الباب أمام تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة في هذه المرحلة.
ويؤكد يوليو أن المسيحيين والمسلمين في فلسطين ولبنان وسوريا هم أبناء شعب واحد وأمة واحدة، يجمعهم الماضي والحاضر والمصير المشترك، لذا جاء هذا الغضب على ما فعله هذا الجندي بشكل أكبر.

محاولات تبييض صورة الاحتلال أمام العالم

ويرى يوليو أن إعلان الاحتلال فتح تحقيق في الحادثة لا يمكن فصله عن محاولات تبييض صورته أمام العالم، في وقت تكشف فيه الوقائع عن تصاعد خطاب الكراهية، وضمن محاولة لاحتواء الغضب العالمي على الحادثة.
ويدعو الأب يوليو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية، والعمل الجاد من أجل تحقيق العدالة للشعوب العربية وللشعب الفلسطيني، مؤكداً أن استمرار الظلم في الأرض المقدسة والمنطقة سيبقيها رهينة للحرب والكراهية، لافتاً إلى أن إنهاء هذا الواقع هو السبيل الوحيد لفتح الطريق أمام سلام عادل يضع حداً لمعاناة شعوب المنطقة.

التطرف برفض الآخر وفكره ووجوده

يشدد نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة فضيلة الشيخ إبراهيم عوض الله على أن اختلاف الناس في العقائد والأفكار أمر واقع لا مناص عنه، لكن المشكلة تبقى في طريقة التعاطي مع هذه الحقيقة.
ويشير عوض الله إلى أن بعض الناس يتطرفون في رفض الآخر وفكره ووجوده، ويتصرفون بناء على هذا التطرف غير مبالين بحريات الناس وعقائدهم وثقافاتهم، وإسلامنا الحنيف تميز بترك الناس وما يختارون من أديان، بدليل الخطاب الرباني الموجه للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، ليقوم بدوره بتبليغ مخالفيه في العقيدة والدين، فقال تعالى: "لكم دينكم ولي دين"، وقال عز وجل: "لا إكراه في الدين".
ويؤكد عوض الله أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب استند إلى هذا المنطق لما فتح القدس، وظهر هذا جلياً في العهدة العمرية التي أعطى فيها الأمان لأهل القدس على أنفسهم وكنائسهم وصلبانهم، وهو يعلم أن من آذى ذمياً معاهداً يتساوى في الخطيئة مع الذي يؤذي المسلم.
أما المتطرفون وفق عوض الله، فيحتقرون غيرهم، ويبتزونهم ويظلمونهم، ويتجردون من قيم التسامح معهم، ولما تسنح لهم الفرص لا يبالون بسفك دماء الأبرياء، وانتهاك الحرمات، التي حرم الله النيل منها، بل يتفاخرون بما يقترفون.
ويؤكد عوض الله أنه من العجيب الغريب أن بعضهم يقومون بجرائمهم باسم الدين، وتعبداً لله بزعمهم، فلم تسلم منهم الشجرة المباركة التي يضيء زيتها كأنه نور، ولم يسلم من شرهم الشيوخ الركع، ولا البهائم الرتع، ولم تسلم منهم المعابد والمساجد التي يتعبد الناس فيها لربهم، فعاثوا في الأرض الفساد، ويحسبون أنهم مصلحون، وإلا فما بال رموز الأديان البشرية وغيرها، لينالوا منها ويقضوا على وجودها، وهم يلتقطون الصور وينشرونها على الملأ على سبيل التباهي والاستكبار والاستهتار بالأديان وأهلها.
ويوضح عوض الله أن المؤمنين بحقائق الأديان وقيمها النبيلة، يربأون بأنفسهم عن قبول الإساءة لأديان غيرهم ورموزها، مهما كان الخلاف أحياناً بينهم وبين معتقدات مخالفيهم، فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولكن الإرادة الربانية اقتضت وجود الخلاف والاختلاف بين بني آدم.
ويشدد عوض الله على تحريم الاعتداء على مقدسات الناس، لأن الفصل النهائي بينهم يكون يوم القيامة، وهناك يحكمون بالعدل الرباني، والحق الإلهي، ولا مسوغ للتآلي على الله، وتقمص بعض امتيازاته، للقضاء على وجود المخالفين ومقدساتهم، ما يعني لزوم إنكار الاعتداء على الأديان ورموزها، ووجوب المطالبة بوضع حد صارم لهذه الجرائم التي كان منها تمزيق المصحف وإحراقه، وسب الأنبياء وتحقيرهم، وانتهاك حرمات المساجد والكنائس، التي أمر الله بصونها عن التدنيس، بل أمر بلزوم الدفاع عن حياضها، حسب ما جاء في قوله عز وجل: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً".

ضرورة احترام معتقدات الآخرين

يؤكد مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية د. ماجد صقر رفضه وإدانته لأي اعتداء يستهدف المعالم والرموز الدينية، مشدداً على أن احترام معتقدات الآخرين يمثل مبدأً أصيلاً في الدين الإسلامي، الذي يدعو إلى صون المقدسات وعدم المساس بها مهما اختلفت المرجعيات الدينية أو العقدية.
ويشدد صقر على أن أي اعتداء على رمز ديني، سواء كان إسلامياً أو مسيحياً أو تابعاً لأي ديانة أخرى، يعد سلوكاً مرفوضاً ومداناً، موضحاً أن الاعتداء على كنيسة القيامة لا يختلف في خطورته عن الاعتداء على المسجد الأقصى، لأن كليهما يمثل رمزاً دينياً وإنسانياً يجب الحفاظ على حرمته ومكانته.
ويشير صقر إلى أن ما جرى أخيراً في لبنان بحق أحد الرموز الدينية المسيحية من قبل جندي من جيش الاحتلال يشكل انتهاكاً واضحاً لقيم الاحترام المتبادل بين أتباع الأديان، ويعكس سلوكاً ينبغي الوقوف ضده بصورة حازمة.
ويؤكد صقر أن رفض الاعتداء على المقدسات والرموز الدينية ليس مجرد موقف عابر، بل هو التزام أخلاقي وإنساني يهدف إلى حماية الهوية التاريخية والثقافية للشعوب، وضمان حرية العبادة، ومنع إشعال الفتن والصراعات التي قد تنتج عن استهداف الرموز الدينية.

صون الرموز الدينية مسؤولية جماعية

ويلفت صقر إلى أن صون هذه المعالم يجب أن يكون مسؤولية جماعية تتشارك فيها المؤسسات الدينية والحكومات والمنظمات الدولية.
ويدعو صقر إلى تحرك عالمي لحماية المعالم الدينية عبر سن قوانين واضحة ورادعة، وتوفير جهات قادرة على الدفاع عن المقدسات ومنع الاعتداء عليها، مؤكداً أن الإساءة إلى الأنبياء أو الرموز الدينية، سواء عبر الرسوم أو الكتابات أو أي وسيلة أخرى، لا يمكن اعتبارها حرية شخصية أو تعبيراً مشروعاً عن الرأي، بل تمثل جريمة تستوجب المساءلة القانونية، لأن احترام الأديان يجب أن يكون واجباً يلتزم به الجميع دون استثناء.

العبثية المنظمة

يعتبر عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية ومنسق القوى الوطنية والإسلامية د.واصل أبو يوسف أن قيام جندي إسرائيلي بتحطيم تمثال السيد المسيح في بلدة دبل لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثة منفصلة، بل يندرج ضمن حالة "العبثية المنظمة" التي يمارسها جنود الاحتلال، والتي تقوم على عدم احترام الآخر، سواء في معتقداته الدينية أو في حياته أو ممتلكاته.
وبحسب أبو يوسف، فإن هذا السلوك يعكس ذهنية متطرفة باتت تظهر بصورة متكررة في ممارسات جنود الاحتلال، الذين لا يترددون في إطلاق النار على المدنيين أو تدمير الممتلكات أو التعامل مع حياة الناس باعتبارها بلا قيمة. ويلفت أبو يوسف إلى أن المشهد ذاته تكرر في قطاع غزة، حيث أقدم جنود الاحتلال على تدمير المنازل والعبث بها، في وقت كانت فيه القناصة تستهدف الأطفال والنساء والمدنيين في سياق سياسة قتل ممنهجة تستهدف الفلسطينيين.
ويوضح أبو يوسف أن تحطيم رمز ديني مسيحي في لبنان يكشف أن المسألة تتجاوز التخريب المادي، لتصل إلى مستوى ازدراء الأديان كافة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين عاشوا صوراً مشابهة من هذا النهج في القدس، سواء من خلال الاعتداءات المتكررة على المصلين في المسجد الأقصى، أو منع المسيحيين من الوصول إلى كنيسة القيامة، إضافة إلى الممارسات الاستفزازية بحق رجال الدين المسيحيين، بما في ذلك التعرض لهم أثناء توجههم إلى أماكن العبادة.
ويشدد أبو يوسف على أن هذه الأفعال تعكس ثقافة متطرفة لا تعترف بحرمة الأديان الأخرى، ولا تحترم القيم الإنسانية الأساسية، محذراً من أن استمرار هذا النهج يهدد الاستقرار في المنطقة بأسرها، خصوصاً في ظل تجاهل حكومة الاحتلال وجيشها لسيادة الدول وللأعراف الإنسانية والقانونية الدولية.

انعكاس للاعتداءات ذاتها في فلسطين

ويشير أبو يوسف إلى أن ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية والقدس يندرج ضمن السياق نفسه، من خلال تنفيذ اعتداءات وحرق ممتلكات واستهداف مباشر للفلسطينيين تحت حماية جيش الاحتلال، لافتاً إلى أن تسليح المستوطنين من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بعشرات آلاف قطع السلاح منحهم غطاءً لمواصلة سياسة القتل والاعتداء بحق الفلسطينيين.
ويؤكد أبو يوسف أن ما يجري يعكس إصرار حكومة الاحتلال على فرض واقع استعماري بالقوة، عبر سياسات الهدم والإبعاد والحصار والتنكر الكامل لحقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، معتبراً أن عدم تنفيذ قرارات الشرعية الدولية شجع الاحتلال على التمادي في انتهاكاته.

أهمية التحرك الجاد لحماية المقدسات

ويدعو أبو يوسف إلى تحرك عربي وإقليمي ودولي جاد لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وتأمين حماية فعلية للشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، إلى جانب الضغط لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفرض عقوبات على حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، وعزلها ومحاسبتها أمام المحاكم الدولية على ما ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين وشعوب المنطقة، مؤكداً أن وقف هذا النهج بات ضرورة لمنع اتساع دائرة التطرف والعنف في المنطقة.

انهيار أخلاقي خطير

يؤكد عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني عصام بكر أن حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في إحدى بلدات قضاء بنت جبيل جنوب لبنان تمثل "انهياراً أخلاقياً خطيراً"، يعكس فكراً متطرفاً لا يقيم وزناً للأديان ولا يحترم الحريات أو المعتقدات الدينية، معتبراً أن ما جرى يتجاوز كونه حادثة معزولة إلى كونه تعبيراً عن نزعة عنصرية متصاعدة تستند إلى عقلية استعلائية تتعامل مع الآخرين بدونية وتمييز.

إنتاج خطاب يقوم على التفوق العرقي والديني

ويوضح بكر أن الاعتداء على رمز ديني مسيحي بهذا الحجم يكشف عن تغذية فكرية ممنهجة تقوم على الحقد والكراهية، وتعيد إنتاج خطاب يقوم على التفوق العرقي والديني.
ويشير بكر إلى أن ما حدث في البلدة اللبنانية لا يمكن فصله عن الممارسات التي يشهدها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، من تقييد للحريات الدينية، وفرض التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، وصولاً إلى إغلاقه ومنع الوصول إليه، وهو ما يعكس نهجاً واحداً يتكرر في أكثر من مكان ويستهدف الرموز الدينية والهوية الروحية للشعوب.
ووفقاً لبكر، فإنه وخلال اجتياحات الصفة الغربية في الانتفاضة الثانية، تعمد الاحتلال استهداف وقصف تمثال للسيدة مريم العذراء في مدينة بيت لحم، ما أدى لتحطيم وتضرر أجزاء منه، ثم بعد ذلك حصار كنيسة المهد.
ويشير بكر إلى أن تمثال السيد المسيح في البلدة اللبنانية أصبح شاهداً على نزعة "بالغة الخطورة"، لأنها تمس أبسط حقوق الإنسان المرتبطة بحرية الاعتقاد واحترام المقدسات، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انتشار حالة من الاحتقان الديني والثقافي على نطاق أوسع، بما يشبه "انتشار النار في الهشيم"، نتيجة ما يتركه من أثر عميق في مشاعر الشعوب وسلوكها تجاه الآخر المختلف.

أهمية مواجهة الفكر المتطرف

ويشدد بكر على أن المطلوب اليوم لا يقتصر على إدانة الحادثة، بل يستدعي مواجهة الفكر الذي يقف خلفها، باعتباره فكراً تدميرياً يهشم المعاني الدينية والإنسانية، ويضرب أسس التعايش وحق الاختلاف، ويعمل على إشعال صراعات دينية وإثنية في المنطقة.
ويؤكد بكر أن جوهر الصراع في المنطقة ليس دينياً كما تحاول دولة الاحتلال تصويره، بل هو صراع تحرر وحقوق، يرتبط بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة في تقرير مصيرها والعيش بحرية ضمن أنظمة تعبر عن إرادتها الوطنية.
ويدعو بكر إلى تعزيز قيم التسامح في مواجهة خطاب الكراهية، والعمل على إحباط محاولات جر المنطقة إلى حروب طائفية وعرقية، مطالباً المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عملية تشمل فرض عزلة ومقاطعة شاملة على الاحتلال، ومنعه من الاستمرار في المساس بالقيم الدينية والإنسانية وحقوق الأفراد والجماعات في ممارسة معتقداتهم بحرية وأمان.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا