تعيش قطاع غزة اليوم في ظل لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد، حيث تتزاحم الصراعات والتحولات التي تدفع بالقضية الفلسطينية تدريجياً نحو هامش الاهتمام العالمي. هذا التراجع لا يعكس انخفاضاً في حجم المأساة، بل يشير إلى إعادة ترتيب الأولويات الدولية وفق منطق القوة والمصالح السياسية على حساب القيم الإنسانية.
في هذا الإطار، يبرز من جديد مقترح تشكيل 'لجنة تكنوقراط' كآلية لإدارة شؤون القطاع، في محاولة لتجاوز تعقيدات الانقسام الداخلي وتخفيف حدة الكارثة الإنسانية. ومع ذلك، يطرح هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول قدرة الإدارة المهنية المحضة على الحلول مكان الفعل السياسي في واقع شديد الحساسية كواقع غزة.
تستند فكرة التكنوقراط إلى فرضية إمكانية فصل الإدارة اليومية عن الصراع السياسي، وتكليف كفاءات مستقلة بإدارة الخدمات بعيداً عن التجاذبات الفصائلية. لكن هذه الفرضية تصطدم بواقع ميداني لا يعرف الحياد، حيث تغيب البيئة المستقرة التي تسمح بنجاح أي نموذج إداري مهما بلغت درجة احترافيته.
إن الأزمة الحقيقية في غزة لا تكمن في نقص الكفاءات أو الأدوات، بل في غياب الإطار المرجعي الذي يمنح هذه الكفاءات الشرعية والقدرة على التأثير. وبدون هذه المرجعية، قد تتحول أي لجنة إدارية إلى مجرد أداة لإدارة الانهيار بدلاً من وقفه، أو صيغة مؤقتة لامتصاص الضغوط دون تغيير جذري في شروط الأزمة.
على الصعيد الإنساني، يتفاقم الوضع إلى مستويات غير مسبوقة، حيث لم تعد المجاعة مجرد احتمال بعيد بل واقعاً يومياً يهدد السكان. ويتزامن ذلك مع انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونقص حاد في الموارد الأساسية، مما أدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض بشكل مخيف في مختلف مناطق القطاع.
هذه الكارثة الإنسانية ليست منفصلة عن السياق السياسي، بل هي نتاج مباشر لغياب الحلول السياسية الشاملة، مما يجعل الجهود الإغاثية قاصرة عن تحقيق استقرار حقيقي. فأي استجابة إنسانية لا تعالج جذور الصراع ستبقى بمثابة محاولة لإبطاء الانهيار الشامل دون القدرة على منعه بشكل نهائي.
يزيد المشهد تعقيداً استمرار التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، مما يضع غزة في حالة 'تعليق دائم' بين التهدئة الهشة والانفجار الوشيك. وفي ظل هذا التهديد المستمر، يغيب الحد الأدنى من الاستقرار المطلوب لعمل أي بنية إدارية أو مؤسساتية بفاعلية.
كما يلعب انشغال المجتمع الدولي بالأزمات العالمية الأخرى دوراً سلبياً في تقليل الضغط على الأطراف الفاعلة، مما يمنح الاحتلال مساحة أوسع لإدارة الصراع وفق رؤيته الخاصة. هذا الغياب للرقابة والمساءلة الدولية يترك المأساة الفلسطينية تتفاقم بعيداً عن الأضواء، ويزيد من كلفة الحلول المستقبلية.
في ظل هذا الانسداد، يبرز سؤال المرجعية السياسية كأولوية قصوى، وهنا تظهر منظمة التحرير الفلسطينية كخيار لا يمكن تجاوزه. فالمنظمة تمثل الإطار التمثيلي الأوسع الذي يمتلك الشرعية التاريخية والاعتراف الدولي اللازمين لإعادة بناء وحدة القرار الوطني الفلسطيني.
بيد أن استعادة دور المنظمة لا يمكن أن يكون مجرد عودة لشكلها القديم، بل يتطلب عملية إعادة إنتاج سياسي شاملة تتماشى مع التحديات الراهنة. فالمنظمة بحاجة إلى إصلاحات بنيوية عميقة تضمن تحولها من هيكل شكلي إلى مظلة وطنية جامعة تضم كافة القوى الفاعلة على الساحة.
إن إعادة تفعيل منظمة التحرير تعني بالضرورة ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية وتوسيع قاعدة التمثيل لتشمل الجميع دون استثناء. ومن خلال هذا المسار فقط، يمكن لأي صيغة إدارية مقترحة، بما فيها لجنة التكنوقراط أن تعمل ضمن رؤية سياسية واضحة ومستدامة.
المشكلة الجوهرية إذن ليست في البحث عن حلول تقنية جزئية، بل في إيجاد الإطار الذي يمنح هذه الحلول معناها وقدرتها على البقاء. فالإدارة في غياب السياسة تظل إجراءً مؤقتاً، والسياسة في ظل الانقسام تتحول إلى صراع داخلي يستنزف الطاقات الوطنية.
تقف غزة اليوم عند تقاطع ثلاث أزمات كبرى: أزمة الحكم والمرجعية، والأزمة الإنسانية الخانقة، والأزمة الأمنية المفتوحة على كافة الاحتمالات. وأي محاولة للتعامل مع أحد هذه الملفات بمعزل عن الآخرين ستظل قاصرة وغير قادرة على إحداث خرق حقيقي في جدار الأزمة.
في الختام، فإن المدخل الحقيقي للحل لا يبدأ من التساؤل حول هوية من سيدير غزة، بل من يملك القرار السياسي الذي يمنح هذه الإدارة شرعيتها. وبدون إجابة وطنية جامعة على هذا السؤال، ستظل كافة المقترحات تدور في حلقة مفرغة من الحلول المؤقتة التي لا تنهي المعاناة.
المصدر:
القدس