حين يستحضر اللبنانيون ذكريات الحرب الأهلية، لا تقتصر استعادتهم للمواجع على الصور والمشاهد البصرية فقط، بل تنبثق الذاكرة أحياناً على هيئة أصوات محفورة في الوجدان. تبدأ الحكاية بدوي بعيد يقترب تدريجياً، أو بنشرة إخبارية عاجلة عبر أثير الراديو، حيث يمتزج صوت المذيع باهتزاز الزجاج وإغلاق الأبواب المتسارع، في مشهد يختزل قلق سنوات طويلة.
لم يكن الراديو في تلك الحقبة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحول إلى رفيق يومي وجزء لا يتجزأ من نظام النجاة الشخصي. من خلاله، كان المواطنون يحددون مسارات حركتهم، ويتعرفون على حالة الطرق وأماكن الاشتباكات المشتعلة، مما جعل صوت المذيع إيقاعاً يضبط نبض الحياة اليومية ويحدد لحظات الخروج أو الانكفاء.
مع مرور الوقت، طور اللبنانيون حاسة سمعية استثنائية قادرة على فك شفرات الخطر دون الحاجة لخبراء عسكريين. أصبح بمقدور الفرد التمييز بين القصف القريب والبعيد، وبين الهدوء الخادع والتصعيد الوشيك، حيث تحولت الخبرة الميدانية القاسية إلى قدرة فطرية على قراءة الميدان من خلال الترددات الصوتية العابرة.
تأثرت هذه الذاكرة السمعية بالجغرافيا اللبنانية المتنوعة، فلكل منطقة صخبها الخاص الذي يوثق معاناتها، سواء عبر ضجيج الحواجز أو جلبة النازحين في الملاجئ والسلالم. حتى الأطفال، وجدوا أنفسهم يتعلمون هذه اللغة السمعية المعقدة بسرعة فائقة، نتيجة التكرار اليومي للأحداث التي صاغت وعيهم الباكر بالخطر.
تحول البيت اللبناني في زمن الحرب إلى ما يشبه جهاز الإنذار البدائي، حيث ساد الحذر في أدق التفاصيل المنزلية. كانت الأبواب تُغلق بإحكام عند أول إشارة صوتية، وتُخفض الأصوات داخل الغرف لمراقبة ما يحدث في الخارج، بينما ظل الهاتف الأرضي مصدراً دائماً للتوتر، يتأرجح بين رنين منتظر وصمت يثير الريبة.
لم تكتفِ الحرب بتغيير ملامح المدن، بل أعادت تشكيل هوية الشارع الصوتية، حيث أصبحت الأناشيد والخطابات الإذاعية علامات فارقة للانتماء السياسي والمناطقي. ساهمت هذه الأصوات، بما فيها اللهجات والهتافات، في ترسيخ الانقسامات الاجتماعية، إذ كان الصوت كفيلاً بتحديد هوية المنطقة والجهة المسيطرة عليها في ظل التوترات المتصاعدة.
رغم صمت المدافع منذ عقود، إلا أن أثر الحرب لا يزال كامناً في الأذن والجسد، ويظهر جلياً عند سماع أصوات مفاجئة في أوقات السلم. فالألعاب النارية أو تحليق الطائرات قد يثيران موجات من الذعر غير المبرر، مما يكشف عن ذاكرة جسدية تستجيب تلقائياً للمحفزات المرتبطة بالماضي الأليم دون إدراك واعٍ.
تعتبر الذاكرة السمعية من أعمق أشكال التذكر الإنساني، لارتباطها الوثيق بتفاصيل الحياة اليومية التي لا تُرى بالعين المجردة. وبينما تُروى الحروب عادة عبر الصور، تظل الطبقة السمعية هي الأكثر قدرة على نقل إحساس الناس بالخوف وقدرتهم على الاستمرار رغم كل الضجيج المحيط بهم.
إن استعادة اللبنانيين لتلك السنوات غالباً ما تبدأ بصوت بسيط، قد يكون نداء أم لأبنائها أو صوتاً خافتاً لمذياع يعمل في زاوية الغرفة. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي شكلت حياة مليئة بالحذر المستمر، وجعلت من المنزل مساحة مراقبة دائمة لكل ما يدور خلف الجدران في ظل غياب الطمأنينة.
في نهاية المطاف، تظل الحرب اللبنانية حية في الذاكرة السمعية للأجيال، تنتقل عبر القصص وردود الفعل العفوية تجاه الأصوات القوية. إنها تجربة إنسانية تختزن الخطر القديم وتربطه بالحاضر، مؤكدة أن الندوب التي تتركها الحروب في الآذان لا تقل عمقاً عن تلك التي تتركها في الأرض.
المصدر:
القدس