آخر الأخبار

تاريخ العلاقات الإيرانية الإسرائيلية: من عهد الشاه إلى حرب 2

شارك

يعيد التصعيد العسكري الراهن تسليط الضوء على الجذور التاريخية للعلاقات الإيرانية الإسرائيلية، والتي شهدت تحولات دراماتيكية انتقلت بها من مربع التحالف الاستراتيجي السري إلى العداء الوجودي المفتوح. بدأت هذه العلاقة في أربعينيات القرن الماضي تحت حكم محمد رضا بهلوي، الذي سعى لتعزيز نفوذه الإقليمي والتقارب مع المعسكر الغربي لمواجهة التهديدات السوفياتية المتزايدة على حدوده الشمالية.

عاش الشاه هاجس 'المهانة الدولية' منذ توليه العرش في سن الرابعة والعشرين خلفاً لوالده الذي أزيح بضغط بريطاني سوفياتي، وهو ما دفعه لصياغة سياسة خارجية توازن بين القوى العظمى. ورغم معارضة إيران الرسمية لقرار تقسيم فلسطين عام 1947، إلا أن المحرك الأساسي لمواقفها كان الخشية من ارتماء الدولة العبرية الناشئة في أحضان الاتحاد السوفياتي، وهو ما تغير لاحقاً مع وضوح التوجهات الغربية لتل أبيب.

مع مطلع الخمسينيات، انطلقت قنوات التعاون السري بين الطرفين، حيث وجد الشاه في إسرائيل حليفاً غير معلن يمكنه من موازنة النفوذ العربي والسوفياتي في المنطقة. تركز هذا التعاون بشكل أساسي في المجالات الاستخباراتية والعسكرية، حيث تولى جهاز 'الموساد' تدريب كوادر جهاز الأمن الإيراني 'السافاك' على تقنيات التحقيق وملاحقة المعارضين السياسيين لنظام الشاه.

لم يقتصر التعاون على الجانب الأمني، بل امتد ليشمل شريان الطاقة الحيوي عبر مشروع خط أنابيب 'إيلات - عسقلان' الذي تم تمويله وتطويره باتفاقات سرية بدأت عام 1957. هذا المشروع مكن طهران من تنويع مسارات تصدير نفطها بعيداً عن قناة السويس التي كانت تخضع حينها للسيطرة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر، الخصم المشترك للطرفين.

خلال حرب أكتوبر 1973، مارس الشاه سياسة 'السير على الحبال'، حيث سمح بمرور بعض المساعدات للعرب عبر أجوائه لتحسين علاقاته مع السادات، لكنه رفض في الوقت ذاته الانضمام للحظر النفطي. استمرت إيران في تزويد إسرائيل بالوقود والمعدات العسكرية الثقيلة، مؤكدة على استراتيجيتها في منع تحقيق نصر ساحق لأي طرف يحول دون هيمنتها الإقليمية.

تكشف الوثائق الدبلوماسية الإسرائيلية التي أفرج عنها لاحقاً أن المسؤولين الإيرانيين كانوا يشتكون دائماً من 'علنية' الأنشطة الإسرائيلية خوفاً من رد الفعل العربي. كانت الزيارات الرسمية تتم بسرية تامة، وغالباً ما كان المسؤولون الإسرائيليون يدخلون طهران عبر تركيا دون ختم جوازات سفرهم، بينما كانت البعثة الإسرائيلية تعمل كـ 'سفارة واقع' دون رفع العلم.

قبيل اندلاع الثورة الإسلامية، ساد ما يمكن وصفه بـ 'العمى الاستراتيجي' لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية بشأن استقرار نظام الشاه. ورغم تحذيرات السفير الإسرائيلي أوري لوبراني في عام 1978 من قرب انهيار النظام وصعود التيار الديني بقيادة الخميني، إلا أن وزير الخارجية آنذاك موشيه دايان فضل الركون لتقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

كان الشاه ذكياً جداً؛ فبمجرد اكتشافه عدائية الدول العربية تجاه إسرائيل، وجد مصلحة في استمرار هذا العداء ليوجه الغضب العربي بعيداً عن إيران.

جاء عام 1979 ليمثل نقطة التحول الكبرى، حيث أطاحت الثورة بنظام الشاه وأعلنت قطيعة كاملة مع تل أبيب، محولةً مقر البعثة الإسرائيلية إلى سفارة لفلسطين. استقبلت طهران ياسر عرفات بحفاوة بالغة، وبدأ خطاب سياسي جديد يضع 'تحرير القدس' في قلب الأيديولوجيا الرسمية للدولة الإيرانية الناشئة، مما أسس لمرحلة صراع ممتد.

على مدار عقود، تطور الصراع من 'حرب ظل' شملت اغتيالات لعلماء نوويين وعمليات سيبرانية، إلى بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضمن ما يعرف بـ 'محور المقاومة'. أسست إيران 'فيلق القدس' ليكون الذراع التنفيذية لسياساتها في المنطقة، وعملت على تطويق إسرائيل بقدرات عسكرية صاروخية في لبنان وغزة وسوريا، متبعةً استراتيجية 'الصبر الاستراتيجي'.

شكلت عملية 'طوفان الأقصى' في أكتوبر 2023 وما تبعها من أحداث، الزلزال الذي حطم قواعد الاشتباك التقليدية بين الطرفين. وللمرة الأولى، انتقل الصراع من الساحات الوسيطة إلى المواجهة المباشرة بعد استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، مما دفع طهران للرد بهجوم صاروخي واسع انطلق من أراضيها باتجاه العمق الإسرائيلي.

دخلت المنطقة في صيف 2025 مرحلة أكثر خطورة، حيث نفذت إسرائيل ضربات استهدفت منشآت نووية وأمنية حساسة داخل إيران، مما أدى إلى تصعيد غير مسبوق. أفادت مصادر بأن هذه العمليات كانت تهدف إلى تقويض القدرات الردعية الإيرانية، لكنها أدت بدلاً من ذلك إلى تسريع وتيرة المواجهة المباشرة وانخراط أطراف دولية بشكل أعمق.

في مارس 2026، وصلت المواجهة إلى ذروتها مع إعلان شراكة عسكرية أميركية إسرائيلية مباشرة لشن عمليات داخل العمق الإيراني، في كسر واضح لكافة الخطوط الحمراء السابقة. استهدفت هذه الضربات مراكز الثقل السياسي والعسكري، بما في ذلك مقار تابعة للقيادة العليا، في محاولة لفرض واقع سياسي جديد داخل طهران وتشجيع التحركات المعارضة.

ردت طهران على هذا التصعيد بتبني استراتيجية 'حرب الاستنزاف الشاملة'، محاولةً نقل الضغط العسكري إلى الساحة الاقتصادية العالمية عبر تهديد ممرات الطاقة والتجارة الدولية. يرى محللون أن هذا التحول يعكس الذاكرة الإيرانية المرتبطة بحرب الثماني سنوات مع العراق، حيث تسعى القيادة الحالية لتجنب الانهيار عبر توزيع كلفة الحرب على المجتمع الدولي.

اليوم، يقف الصراع الإيراني الإسرائيلي عند مفترق طرق تاريخي، حيث تلاشت تماماً ذكريات التحالف السري في عهد الشاه لتحل محلها لغة الصواريخ والمواجهات المباشرة. ومع دخول الولايات المتحدة كشريك مباشر في العمليات العسكرية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، وسط مخاوف من حرب إقليمية كبرى لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران لبنان أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا