تتجه الأنظار يوم السبت المقبل نحو مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث تستعد المدينة لخوض غمار أول انتخابات بلدية منذ عام 2005. تأتي هذه الخطوة بعد انقطاع دام أكثر من عقدين، وفي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب التي خلفت أعباءً خدمية وإنسانية جسيمة على كاهل الهيئات المحلية.
اختيار دير البلح لتكون المحطة الوحيدة في القطاع لم يكن وليد الصدفة، بل لكونها المدينة الأقل تضرراً نسبياً مقارنة بمدن غزة الأخرى. وتهدف لجنة الانتخابات المركزية من هذه التجربة إلى اختبار إمكانية إعادة تفعيل المسار الديمقراطي المحلي في بيئة لا تزال تعاني من آثار الانقسام والعدوان المستمر.
وتحمل هذه الانتخابات رمزية خاصة، لا سيما وأن مبنى بلدية دير البلح كان قد تعرض لقصف إسرائيلي مباشر في ديسمبر 2024. وقد أسفر ذلك الهجوم عن استشهاد رئيس البلدية السابق دياب الجرو وعشرة من الموظفين أثناء تأديتهم لواجبهم في تقديم الخدمات للنازحين والمواطنين.
من جانبه، أكد جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية أن الاقتراع سيجري في 25 أبريل الحالي ضمن عملية تشمل مئات الهيئات في الضفة الغربية. وأوضح أن هذه الخطوة تعد الأولى من نوعها في غزة منذ سنوات طويلة سادت فيها سياسة التعيين الإداري بدلاً من الانتخاب.
ويعتمد النظام الانتخابي المطبق في هذه الدورة على نظام القوائم المغلقة، حيث تضم كل قائمة 15 مرشحاً كحد أدنى. ويشترط النظام وجود 4 نساء على الأقل في كل قائمة، لضمان تمثيل نسائي فاعل في المجلس البلدي القادم الذي سيتشكل من الحاصلين على أعلى الأصوات.
وتتنافس في هذه الانتخابات أربع قوائم رئيسية هي: 'السلام والبناء'، و'دير البلح تجمعنا'، و'مستقبل دير البلح'، بالإضافة إلى قائمة 'نهضة دير البلح'. ورغم تأكيد هذه القوائم على طابعها المستقل والخدمي، إلا أن الجدل السياسي حول خلفياتها لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العام.
وقد أتمت اللجنة التحضيرات اللوجستية عبر تجهيز 12 مركزاً انتخابياً موزعة جغرافياً في أنحاء المدينة لتسهيل وصول الناخبين. وتضم هذه المراكز 96 محطة اقتراع مجهزة لاستقبال نحو 70 ألف مواطن ممن يحق لهم التصويت وتجاوزوا سن الثامنة عشرة.
وعلى صعيد الشارع، تتباين التوقعات بين التفاؤل والحذر، حيث يضع المواطنون معايير خدمية بحتة للحكم على نجاح هذه التجربة. فالمطالب تتركز بشكل أساسي على تحسين شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، بعيداً عن الشعارات السياسية التي لم تعد تقنع النازحين والمحاصرين.
وترى المواطنة رابحة البحيصي أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لتوفير مقومات الحياة الكريمة والخدمات الأساسية التي تضررت بشدة. فيما يشير علي ريان إلى أن الصندوق لن يكون كافياً إذا لم يترجم إلى تغيير ملموس يحسن من جودة الحياة اليومية للسكان.
سياسياً، يرى محللون أن هذه الانتخابات تحمل وظيفة مزدوجة تهدف لإعادة إنتاج الشرعية للنظام السياسي المحلي. ومع ذلك، يحذر مراقبون من أن تحول دير البلح إلى نموذج منفصل قد يعمق حالة الانقسام إذا لم تتبعها خطوات شاملة تشمل كافة محافظات الوطن.
وتطرح القوائم المتنافسة برامج متنوعة، حيث تركز قائمة 'السلام والبناء' على الكفاءة المهنية ودور الشباب في الابتكار الخدمي. بينما تتبنى قائمة 'دير البلح تجمعنا' هوية بصرية موحدة وتركز على مبدأ العدالة في توزيع الخدمات بعيداً عن التجاذبات الحزبية.
أما قائمة 'نهضة دير البلح' فتؤكد على رؤيتها الوطنية والخدمية لدعم الفئات المهمشة وتعزيز الشفافية الإدارية. وفي المقابل، يرى القائمون على قائمة 'مستقبل دير البلح' أن نجاح العملية الانتخابية بحد ذاتها هو المكسب الحقيقي الذي يجب البناء عليه مستقبلاً.
ختاماً، تقف دير البلح أمام اختبار تاريخي قد يمهد الطريق لاستعادة الحياة الديمقراطية في قطاع غزة بشكل تدريجي. ويبقى الرهان على قدرة المجلس المنتخب على مواجهة التحديات الميدانية المعقدة وإثبات أن صندوق الاقتراع قادر على إحداث فرق في واقع الناس.
المصدر:
القدس