د. سعيد شاهين: انشغال المجتمع الدولي بالحرب على إيران يخدم استراتيجية إسرائيلية لتمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية بالأراضي الفلسطينية
أكرم عطا الله: مظاهر تفشي المجاعة وإدخال مواد دون غيرها وانتشار الأمراض وتزايد القوارض تكشف آلية ممنهجة للتحكم تفاصيل الحياة اليومية
د. أسامة عبد الله: إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط بل تعمل لإعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة باستنزاف طويل يقوم على إنهاك المجتمع
محمد جودة: غياب مجلس السلام يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي وغزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة بل عملية إعادة هندسة قسرية لمجتمع كامل
د. رهام عودة: إنقاذ القطاع لا يتحقق دون تعزيز صمود السكان والتوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل
سري سمور: هناك تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية مع احتمال تغير خريطة التدخلات السياسية ما يترك فراغاً دبلوماسياً بالملف الفلسطيني
رام الله - خاص بـ "القدس"-
رغم استمرار الهدنة بين واشنطن وطهران، يستمر تراجع حضور قطاع غزة في المشهد الدولي، مع أن الواقع داخل القطاع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، فالحرب مستمرة وتحولت إلى مأساة ممتدة يعيشها الأهالي وسط تراجع الاهتمام السياسي العالمي، وتعمق الأزمة الإنسانية، بالتوازي مع انشغال العالم بملفات أخرى أبعدت معاناة الفلسطينيين في القطاع عن مركز الاهتمام والضغط الدولي.
ويشير كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، إلى أنه مع استمرار القصف والحصار، تتكشف ملامح أزمة إنسانية أكثر تعقيداً من مجرد نقص في الغذاء أو الدواء، فالحياة اليومية في غزة باتت محكومة بانهيار الخدمات الأساسية، وتفشي الأمراض، وارتفاع معدلات النزوح، في ظل بيئة منهكة لم تعد قادرة على احتمال مزيد من التدهور.
ويرون أن ما يجري لم يعد يقتصر على نتائج الحرب، بل أصبح واقعاً يعيد تشكيل ظروف الحياة داخل القطاع بصورة تضغط على السكان وتضعف قدرتهم على البقاء، وكل ذلك في سياق الضغط عليهم لجعل الحياة شبه مستحيلة، بينما غاب "مجلس السلام" عن مسؤولياته، مؤكدين أن الأوضاع باتت بحاجة لضغط متجدد من أجل إنقاذ القطاع وأهله.
إخفاق سياسي وأخلاقي وقانوني غير مسبوق
يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين، أن تغييب قطاع غزة عن صدارة الاهتمام الدولي في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتبعاتها يعكس فشلاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً غير مسبوق، رغم أن غزة كانت في صدارة الأحداث بعد "طوفانها وإبادتها" التي أعادت تحريك المياه الراكدة في المشهد الدولي.
ويوضح شاهين أن هذا التهميش من قبل أطراف عربية ودولية يصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، ويدعم سياسات الإدارة الأمريكية التي انشغلت بملفات وصراعات إقليمية أخرى، بما في ذلك التصعيد مع إيران ودول عربية، نتيجة استمرار غياب حلول جذرية للقضية الفلسطينية، وهو ما ساهم في إنتاج حالة عدم استقرار ممتدة في المنطقة منذ عقود.
جريمة إضافية بالتنصل من التزامات وقف إطلاق النار
ويؤكد شاهين أن تجاهل ما يجري في غزة يشكل جريمة إضافية تُضاف إلى سجل الانتهاكات المرتكبة بحق القطاع، مشيراً إلى أن ذلك يتزامن مع تنصل الإدارة الأمريكية والأطراف الموقعة على اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ المتعلق بغزة، من بينها ما ارتبط بترتيبات ما بعد صفقات تبادل الأسرى، وتشكيل ما يسمى "مجلس السلام"، الذي لم يحقق، أي تقدم ملموس في تحسين أوضاع السكان أو وقف الانتهاكات.
ويشير شاهين إلى أن انشغال المجتمع الدولي بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يخدم استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، من خلال سياسات التجويع والحصار والقتل، وسط صمت عربي ودولي وانكفاء سياسي عن الملف الفلسطيني لصالح أزمات أخرى في المنطقة.
ويعتبر شاهين أن استمرار التعنت الإسرائيلي وتجاهل القانون الدولي وتوسع العمليات العسكرية في غزة والضفة ولبنان وإيران، يعكس تماهي بعض القوى الدولية مع مشاريع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على أساس القوة والدم بما يؤدي إلى تقويض الوجود الفلسطيني تدريجياً.
استهداف غزة ونتائج الحرب على إيران
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية لغزة، يرى شاهين تصاعد وتيرة الاعتداءات في غزة لا يمكن فصلها عن نتائج الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، موضحاً أن فرض هذه القوى لشروطها قد يقود إلى سيناريو أكثر سوداوية يتمثل في تصعيد عسكري جديد في غزة تحت ذريعة نزع سلاح الفصائل، بما يشمل عمليات واسعة قد تترافق مع مجازر ونزوح وتهجير، بالتوازي مع تسريع خطوات الضم في الضفة الغربية.
أما في حال فشل هذا المسار، يرجّح شاهين احتمال بروز سيناريو مختلف يتمثل في تراجع حكومة نتنياهو عن بعض سياساتها تحت ضغط التوازنات الداخلية والدولية، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة أو مؤتمر دولي لإعادة إحياء مسار التسوية، بهدف تحسين صورة إسرائيل دولياً وإعادة ضبط الصراع ضمن إطار سياسي أقل تصعيداً.
إسرائيل وإدارة الأزمة وتعميقها
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن ما يجري في قطاع غزة لم يعد يمكن تفسيره باعتباره نتيجة طبيعية للحرب أو انعكاساً للفوضى الإنسانية، بل هو سياسة إسرائيلية مقصودة تقوم على إدارة الأزمة وتعميقها بصورة متعمدة، بهدف إبقاء القطاع في حالة انهيار دائم تمنع عودة الحياة الطبيعية وتضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود داخل أرضهم.
ويوضح عطا الله أن مظاهر تفشي المجاعة وانتشار الأمراض وتزايد القوارض في مناطق واسعة من القطاع لا تعكس فقط التدهور الإنساني، وإنما تكشف عن آلية ممنهجة للتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، مشيراً إلى أن الاحتلال يسمح بإدخال أصناف يصفها بأنها غير ضرورية مثل الشوكولاتة والحلوى، في وقت يتم فيه منع مواد أساسية يمكن أن تسهم في الحد من التدهور البيئي والصحي داخل القطاع، بما في ذلك المواد التي يمكن أن تساعد في مكافحة القوارض وتحسين الظروف المعيشية.
ويؤكد عطا الله أن الهدف من هذه السياسة هو الإبقاء على الدمار ومنع أي فرصة لاستعادة المجتمع الفلسطيني توازنه الداخلي، لأن عودة الحياة إلى غزة تعني تعزيز بقاء السكان وإفشال أي مخطط يستهدف تفريغ القطاع من سكانه.
الأوضاع مفتوحة على عدة احتمالات
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرى عطا الله أن الأوضاع في غزة تبقى مفتوحة على عدة احتمالات، أولها دخول لجنة لإدارة القطاع مقابل تسليم حركة حماس سلاحها، بما يتيح لإسرائيل فرض سيطرة أشمل على تفاصيل المشهد الداخلي.
أما السيناريو الثاني، وفق عطا الله، فيتمثل في رفض تسليم السلاح، بما قد يقود إلى توسيع العمليات العسكرية باتجاه المناطق الغربية التي يتجمع فيها المدنيون.
ويشير عطا الله إلى أن هناك سيناريو ثالثاً يبرز تدريجياً، يتمثل في الإبقاء على الوضع القائم، وهو الخيار الأكثر راحة لإسرائيل، لأنه يحافظ على غزة كمنطقة مدمرة وغير قابلة للحياة، بما ينسجم مع مشروع الهجرة القسرية، بالتوازي مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على نحو 60 في المئة من مساحة القطاع، وهو واقع ينسجم مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "حدود جديدة" تسعى إسرائيل إلى تكريسها بصورة دائمة.
غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير
يحذّر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله من أن ما يعيشه قطاع غزة لم يعد يُختزل في كونه أزمة إنسانية طارئة، بل بات يمثل انهياراً واسعاً في منظومة الحماية الدولية، في ظل تراجع الاهتمام السياسي الدولي بالقطاع وانشغال القوى الإقليمية والدولية بترتيبات أمنية أوسع تتعلق بالمنطقة، الأمر الذي جعل غزة تتراجع إلى هامش الأولويات رغم تفاقم الكارثة داخلها.
وبحسب عبد الله، فإن المشهد اليومي في القطاع، بما يحمله من تشييع مستمر للشهداء، ونزوح قسري متكرر، وانهيار تدريجي في المستشفيات، وانتشار متزايد للأمراض، يعكس أن غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير، مشيراً إلى أن "النسيان السياسي" لا يقل خطورة عن العمليات العسكرية نفسها، لأنه يحوّل المأساة الإنسانية إلى واقع يجري التعامل معه دولياً باعتباره أمراً اعتيادياً.
ويوضح عبد الله أن التحذيرات الصادرة عن المؤسسات الأممية لم تعد مجرد لغة دبلوماسية معتادة، بل تحولت إلى إنذارات مباشرة بشأن انزلاق القطاع نحو مجاعة ممتدة وانهيار صحي واسع، لافتاً إلى أن منظمات دولية حذرت من حرمان مئات آلاف الأطفال من المساعدات الأساسية، في وقت يؤدي فيه استمرار إغلاق المعابر ونقص المياه والأدوية والوقود إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية وانتشار الأمراض المعدية، بالتزامن مع تدهور البنية الصحية والخدماتية إلى مستويات غير مسبوقة.
إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة
ويرى عبد الله أن إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط، وإنما تعمل على إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة من خلال سياسة استنزاف طويلة تقوم على إنهاك المجتمع، وإضعاف البنية المدنية، وتقليص قدرة السكان على الصمود، مقابل غياب آلية دولية فاعلة قادرة على فرض الحد الأدنى من قواعد القانون الإنساني.
استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يطرح عبد الله ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة عبر القصف المتقطع، وتقييد دخول المساعدات، وتوسيع مناطق العزل والنزوح، بما يعني مزيداً من الوفيات غير المباشرة والانهيار الاجتماعي.
أما السيناريو الثاني، وفق عبد الله، فيتمثل في هدنة إنسانية مؤقتة تسمح بتخفيف الكارثة من دون معالجة جذورها السياسية، بينما يبقى السيناريو الثالث، والأقل احتمالاً، مرتبطاً بمسار سياسي وإنساني شامل يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وفتحاً مستداماً للمعابر، وخطة إنعاش دولية مرتبطة بأفق سياسي واضح.
إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي
ويؤكد عبد الله أن المطلوب فلسطينياً لم يعد مقتصراً على إدارة الإغاثة، بل يتطلب إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي، وتوحيد الخطاب الوطني حول وقف الحرب، وتفعيل المسار القانوني الدولي لمحاسبة جرائم التجويع، ومنع أي ترتيبات مستقبلية قد تكرّس فصل القطاع عن المشروع الوطني الفلسطيني.
الموت حالة يومية مألوفة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن المشهد القائم في قطاع غزة لم يعد يُقرأ باعتباره مواجهة عسكرية عابرة، بل بوصفه نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات متزامنة تتمثل في استمرار الحرب، وتردد النظام الدولي، واقتراب المجتمع الفلسطيني داخل القطاع من حافة الانهيار الشامل، محذراً من أن استمرار هذا الواقع يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود غزة إلى الإقليم بأسره.
ويوضح جودة أن تكرار مشاهد تشييع الشهداء في شوارع القطاع لم يعد مجرد انعكاس لحجم العنف المتواصل، وإنما بات مؤشراً على تحول الموت إلى حالة يومية مألوفة داخل المجتمع، وهو من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي منطقة نزاع، لأن اعتياد الناس على الموت يعني أن أدوات الردع السياسية والأخلاقية فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها.
خلل بنيوي في النظام الدولي
ويشير جودة إلى أن غياب إطار فاعل لما يسمى "مجلس السلام" أو أي مظلة تفاوضية حقيقية يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي، لا يقتصر على العجز عن إنهاء الأزمة، بل يمتد إلى غياب الإرادة السياسية الجدية لفرض حل مستدام، في وقت تتحول فيه التحذيرات المتزايدة من المجاعة وانتشار الأمراض إلى دليل على استخدام عامل الزمن كأداة ضغط تستنزف المجتمع الفلسطيني صحياً ونفسياً وديموغرافياً.
إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل
ويؤكد جودة أن الأزمة في غزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة فقط، بل أصبحت عملية إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل، في ظل نشوء جيل جديد وسط سوء التغذية والصدمات النفسية والانقطاع الطويل عن التعليم، الأمر الذي يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية نفسها.
استمرار "الحالة الرمادية"
وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يرجّح جودة استمرار "الحالة الرمادية"، بحيث لا تنتهي الحرب بشكل كامل ولا يُفرض سلام حقيقي، مع إدارة الأزمة عبر تهدئات مؤقتة تسمح بإدخال بعض المساعدات وتمنع الانفجار الأكبر من دون معالجة جذور الصراع، معتبراً أن هذا السيناريو يبدو الأقل كلفة بالنسبة للقوى الدولية، لكنه الأكثر قسوة على السكان.
ويرى جودة أن سيناريو التهدئة الأوسع قد يفرض نفسه بضغط دولي أو إقليمي لتحسين الوضع الإنساني مؤقتاً، لكنه سيبقى هشاً من دون إطار سياسي واضح، فيما يبقى احتمال التوصل إلى تسوية شاملة أقل ترجيحاً بسبب غياب التوافقات الدولية والإقليمية اللازمة.
ويؤكد جودة أن الحد الأدنى المطلوب يتمثل في فصل المسار الإنساني عن التجاذبات السياسية، عبر ضمان تدفق المساعدات، وإعادة تشغيل الحد الأدنى من القطاع الصحي، ومنع الانهيار الكامل، بالتوازي مع إعادة إحياء مسار سياسي قائم على ضمانات حقيقية تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.
عملية منهجية لجعل القطاع غير صالح للحياة
ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة لم تعد تقتصر على الدمار العسكري المباشر وإيقاع الشهداء والجرحى، بل تحولت إلى عملية منهجية تهدف إلى جعل القطاع مكاناً غير صالح للحياة، عبر تدمير مقومات البقاء الأساسية ودفع السكان تدريجياً نحو الهجرة القسرية تحت ضغط الحرب والحصار والانهيار الإنساني المتواصل.
وبحسب عودة، فإن المشهد اليومي في غزة، من تشييع الشهداء، وتزايد انتشار الأمراض، وتصاعد مؤشرات المجاعة التي حذرت منها جهات أممية، يعكس حجم التحول الذي أصاب القطاع، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وعجز المستشفيات الفلسطينية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى والجرحى، إضافة إلى النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة دخول كميات محدودة فقط من المساعدات الصحية.
وتوضح عودة أن البلديات باتت عاجزة عن التعامل مع التدهور البيئي المتسارع بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل مركباتها، وعدم قدرتها على دفع رواتب عمال النظافة، ما أدى إلى تراكم النفايات داخل المناطق السكنية، في وقت تشهد فيه أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعاً كبيراً، بينما يتركز إدخال المواد عبر المعابر على السلع الثانوية مثل السكريات والمشروبات الغازية بدلاً من اللحوم والخضروات والفواكه الطازجة.
فقدان جزء كبير من السلة الغذائية المحلية
وتؤكد عودة أن قطاع غزة فقد جزءاً كبيراً من سلته الغذائية المحلية بعد تضرر الأراضي الزراعية وتسمم التربة جراء القصف، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات زراعية واسعة داخل ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء"، خاصة في بيت حانون التي كانت من أبرز المناطق المنتجة للغذاء داخل القطاع، معتبرة أن تدمير البيئة الزراعية يشكل جزءاً من سياسة أوسع لإضعاف قدرة السكان على الصمود.
إنقاذ القطاع وتعزيز صمود الأهالي
وتشير عودة إلى أن المفاوضات التي جرت في مصر بين رئيس مجلس السلام نيكولاي ملادينوف وحركة حماس أظهرت استمرار المأزق القائم، إذ ترفض حماس تسليم سلاحها قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل من القطاع، بينما يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح الحركة.
وترى عودة أن هذا التعقيد يفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين؛ أولهما احتمال عودة الحرب بوتيرة أقل حدة، مع توسيع تدريجي للمنطقة العازلة واستهداف مكثف للبنية الأمنية وقيادات الفصائل، وربما إدخال قوات دولية تدريجياً إلى بعض المناطق.
أما السيناريو الثاني وفق عودة، فيقوم على احتمال إبداء حماس مرونة لاحقة عبر تسليم الملف الأمني لشرطة مدنية تشرف عليها لجنة إدارة غزة، بما قد يفتح المجال لمرحلة انتقالية جديدة.
وتؤكد عودة أن إنقاذ القطاع لا يمكن أن يتحقق دون تعزيز صمود السكان من خلال مشاريع إنسانية وإغاثية عاجلة، إلى جانب التوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتمكين إدارة فلسطينية انتقالية تمهد لعودة السلطة الفلسطينية عبر انتخابات عامة شاملة.
قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة
يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن الوضع في قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة تتفاقم يومياً في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع دخول محدود جداً للمساعدات، وارتفاع مستويات البؤس في حياة السكان الذين يعيشون داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويوضح سمور أن أهالي القطاع يواجهون ظروفاً قاسية متراكمة تحمل مخاطر صحية وبيئية، إضافة إلى انتشار القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق، في ظل انهيار منظومة الخدمات الأساسية، ونقص حاد في العلاج، حتى في القطاعات الطبية الحيوية.
ويشير سمور إلى أن استمرار إغلاق المعابر بشكل شبه كامل، والسماح بخروج أعداد محدودة من المرضى بظروف مهينة، يعكس عمق الأزمة الإنسانية، لافتاً إلى أن الاحتلال استغل فترات التصعيد الإقليمي، ومنها الحرب مع إيران، لتشديد القيود على غزة بدلاً من تخفيفها، ما زاد من تفاقم الأوضاع.
استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب
ويعتبر سمور أن المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن، بات متماهيًا أو عاجزاً عن القيام بدور فاعل ضد للولايات المتحدة وإسرائيل لوقف ما يجري في القطاع، ما يعزز استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب.
ويرى سمور أن الطرح المتعلق بـ"مجلس السلام" والوساطات الدولية لم يحقق أي نتائج ملموسة، بل يتم استخدامه أحياناً كغطاء سياسي لتمرير سياسات إسرائيل، بما في ذلك ربط إعادة الإعمار أو تحسين الأوضاع بملفات أمنية مثل نزع سلاح الفصائل، وهو محاولة للتنصل من الالتزامات الإنسانية المفروضة على إسرائيل.
غزة والترابط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع
وفي قراءته للسيناريوهات المستقبلية، يؤكد سمور أن المشهد في غزة يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع، خاصة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الإدارة الأمريكية، في ظل سياسات متقلبة، انتقلت من خطاب إنهاء الحروب إلى خوض صراعات جديدة، ما انعكس سلباً على استقرار المنطقة، وترك ملف غزة مفتوحاً على احتمالات متعددة.
ويشير سمور إلى أن إسرائيل تعتمد حالياً سياسة "الحروب المتلاحقة" على أكثر من جبهة، بما فيها غزة، وإن كانت بوتيرة أقل حدة مقارنة بفترات سابقة، إلا أن ذلك لا يعني توقف العمليات، إذ يُسجل يومياً سقوط ضحايا من الشهداء والجرحى واستمرار القصف والعمليات العسكرية، مع احتمال توسيع نطاق التوغل البري أو تكثيف الهجمات الجوية في أي لحظة.
ويلفت سمور إلى أن الخيارات الإسرائيلية لا تقتصر على غزة فقط، بل تشمل احتمالات التصعيد في سوريا ولبنان وإيران واليمن، في إطار استراتيجية تهدف إلى فتح جبهات متعددة، وهو أمر قد يخفف الضغط عن غزة أو يزيده تبعاً لتطورات الإقليم، مؤكداً أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام القوة كأداة رئيسية في سياستها.
تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية
ويتحدث سمور عن تراجع واضح في أدوار الوساطة الإقليمية والدولية، مشيراً إلى احتمال انكفاء بعض الدول الخليجية، وتغير خريطة التدخلات السياسية، ما يترك فراغاً دبلوماسياً في الملف الفلسطيني.
وفي ما يتعلق بالمقاومة في غزة، يرى سمور أن تقييم قدرتها على الصمود أو الرد يبقى صعباً في ظل الضربات القاسية التي تعرضت لها، لكن احتمال قدرتها على إرباك إسرائيل أو فرض معادلات جديدة لا يزال قائماً، مستشهداً بتجربة المقاومة في لبنان.
ويؤكد سمور أن غياب الضغط الحقيقي من الوسطاء والمجتمع الدولي، إلى جانب استمرار إسرائيل في تفسير الاتفاقات وفق مصالحها، يعمق الأزمة ويطيل أمدها، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيبقي غزة في دائرة الاستنزاف المفتوح دون حلول سياسية أو إنسانية حقيقية.
المصدر:
القدس