آخر الأخبار

تاريخ حركة فتح: مراحل التأسيس والتحولات السياسية الكبرى

شارك

تعود جذور حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى منتصف الخمسينيات، حيث تبلورت نواتها الأولى داخل اتحاد طلبة فلسطين في القاهرة. وكان للرئيس الراحل ياسر عرفات دور محوري في هذا التأسيس قبل انتقاله إلى الكويت عام 1957، لتبدأ مرحلة توسيع القاعدة التنظيمية بين الفلسطينيين في دول الخليج والشتات.

تشكلت الحركة كحصيلة لاندماج مجموعات فدائية وتجمعات فلسطينية انتشرت في مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق. واتخذت اسماً موحداً هو 'حركة تحرير فلسطين' التي اختصرت لاحقاً بكلمة 'فتح'، لتبدأ مسيرة طويلة من العمل المسلح والسياسي امتدت لعقود.

تميزت المرحلة الأولى من عمر الحركة (1954-1969) بتبني النهج الوطني الخالص، متجردة من الأيديولوجيات الإسلامية أو الشيوعية أو القومية التي كانت تسود المنطقة آنذاك. ويرى مراقبون أن هذا التوجه منحها مرونة في التعامل مع الأنظمة العربية، لكنه تسبب في هشاشة بنيوية داخلية.

من المفارقات التاريخية أن الرعيل الأول الذي قاد فتح، أمثال خليل الوزير وصلاح خلف وكمال عدوان، كانت خلفيتهم التنظيمية تعود لجماعة الإخوان المسلمين. وقد غادر هؤلاء الجماعة بعد تغيير استراتيجيتها نحو العمل الدعوي السلمي، باحثين عن مظلة تتبنى الكفاح المسلح ضد الاحتلال.

اعتمدت فتح استراتيجية عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، مما جعل القضية الفلسطينية تبدو كقضية 'قطرية' في بعض الأحيان. هذا التوجه أضعف الارتباط العضوي بالقضايا القومية والإسلامية الكبرى، وحصر التأثير الفلسطيني في أطر سياسية محدودة.

شهد عام 1969 تحولاً جذرياً بسيطرة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية وتولي ياسر عرفات رئاستها. وجاء هذا التحول بدعم من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي سعى لامتصاص حالة الإحباط الشعبي عقب نكسة عام 1967 عبر دعم العمل الفدائي.

واجه العمل الفدائي الفلسطيني تحديات جسيمة في دول الطوق، بدأت بالصدام مع الجيش الأردني عام 1970 والخروج من عمان. ثم تكرر المشهد في لبنان عام 1982 إثر الغزو الإسرائيلي وحصار بيروت، مما أدى لتشتت القوات الفلسطينية في عدة دول عربية.

إن اعتبار حركة فتح لقضية فلسطين قضية قطرية وإغفالها للعوامل التي تبني الأمة جعل نظرها قاصراً وتأثيرها محدوداً.

مثلت انتفاضة الحجارة عام 1987 نقطة تحول جديدة، حيث برز دور التيارات الإسلامية مثل حماس والجهاد الإسلامي في الميدان. وفي ظل هذا الزخم، أعلن الملك حسين فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية في يوليو 1988، تاركاً المسؤولية السياسية للمنظمة.

استثمرت منظمة التحرير هذا التحول بإعلان قيام الدولة الفلسطينية في مؤتمر الجزائر بنوفمبر 1988. ورغم الرمزية الكبيرة لهذا الإعلان، إلا أنه واجه انتقادات لكونه 'تحريراً موهوماً' يفتقر للسيادة الفعلية على الأرض أو السيطرة على الموارد والمعابر.

قادت المفاوضات السرية في النرويج إلى توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 في البيت الأبيض، وهي المرحلة التي شهدت اعترافاً متبادلاً بين المنظمة وإسرائيل. وبموجب هذا الاتفاق، تأسست السلطة الفلسطينية وعاد ياسر عرفات إلى قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية.

يرى محللون أن اتفاقية أوسلو كانت محاولة لإجهاض النتائج السياسية للانتفاضة الشعبية ومنع الإسلاميين من قطف ثمارها. وقد منحت الاتفاقية السلطة صلاحيات إدارية وأمنية محدودة، بينما احتفظ الاحتلال بالسيطرة الفعلية على الأمن الخارجي والحدود.

بعد رحيل ياسر عرفات وتولي محمود عباس رئاسة السلطة، شهدت الساحة الفلسطينية انقساماً حاداً عام 2007. سيطرت حركة حماس على قطاع غزة عسكرياً، مما أدى إلى نشوء سلطتين منفصلتين وتراجع نفوذ المنظمة في المشهد الدولي.

تفاقمت أزمات السلطة الفلسطينية في رام الله مع توسع الاستيطان الإسرائيلي وقضم أراضي الضفة الغربية بشكل مستمر. كما أدى تنصل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من التزامات أوسلو إلى تحويل دور السلطة إلى مهام أمنية وإدارية معقدة في ظل حصار سياسي.

ختاماً، يظهر المسار التاريخي لفتح تعثراً في الوصول إلى التحرير الكامل نتيجة قصور في البناء الفكري واستعجال النتائج السياسية. وتواجه الحركة اليوم تحديات وجودية في ظل مشاريع تصفية القضية والاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال وتراجع الدعم الإقليمي.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا لبنان إيران أمريكا روسيا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا