يحل السادس عشر من نيسان/ أبريل في الجزائر كحدث تربوي ووطني متميز، يتجاوز كونه مجرد تاريخ في الروزنامة الدراسية ليصبح رمزاً لاستنهاض قيم العلم والوطن. ومنذ اعتماده في منتصف السبعينيات، ظل هذا اليوم مناسبة لاستحضار روح نوفمبر التي صاغت وجدان المعلم والطالب والمجتمع الجزائري على حد سواء.
يبرز اسم الإمام عبد الحميد بن باديس في هذا السياق باعتباره رائد النهضة الجزائرية، والرجل الذي أعاد تشكيل الوعي الشعبي في مواجهة محاولات الطمس الاستعماري. لقد ترسخت صورته في مخيلة الأجيال كقائد فكري أدرك مبكراً أن التحرر الحقيقي يبدأ من العقل، وأن المعرفة هي السلاح الأقوى لاستعادة السيادة.
كانت المدارس في يوم العلم تتحول إلى فضاءات نابضة بالنشاط، حيث تُقام المسابقات الثقافية والعروض المسرحية التي تستلهم فكر ابن باديس. لم تكن هذه الأنشطة احتفالية فحسب، بل كانت عملية غرس مستمرة لأفكار الإصلاح والربط الوثيق بين التحصيل العلمي والتحرر الوطني من قيود الاحتلال.
قادة جيل المجاهدين الذين فجروا الثورة الجزائرية كانوا ينظرون بتقدير بالغ لتأثير الإصلاح الباديسي في تكوين جيل الثورة. فقد وفرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الأرضية الأخلاقية والفكرية التي استند إليها المقاتلون، مما جعل احترام ابن باديس نقطة التقاء لجميع أطياف الحركة الوطنية.
لقد تخصصت جمعية العلماء المسلمين في مهمة استراتيجية تمثلت في تشييد المدارس عبر كافة أنحاء الجزائر لمواجهة سياسات التجهيل الاستعمارية. وكان الهدف الأساسي هو إعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسسها الإسلامية وانتمائها العربي، تجسيداً لشعار 'شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب'.
يروي المعاصرون لتلك الحقبة كيف نجح ابن باديس في إحياء النفوس وتنوير العقول عبر دروس السيرة النبوية وتاريخ الفتوحات وشعر النخوة العربية. هذا العمل الحضاري حول المعرفة إلى قوة دافعة جعلت الجزائريين يشعرون بعزتهم وقدرتهم على مواجهة المستعمر الفرنسي بكل ثبات ويقين.
لم يقتصر مشروع ابن باديس النهضوي على الرجال فقط، بل كان العلم عنده طريقاً شاملاً يشمل النساء أيضاً كشريكات في بناء الأمة. وتؤكد الصور التاريخية حضور الفتيات في مدارس الجمعية، في رسالة واضحة بأن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تقوم بنصف المجتمع دون الآخر.
تاريخ الحضارة الإسلامية حافل بنماذج العلماء الموسوعيين الذين جمعوا بين الفقه والطب والرياضيات والفلسفة دون انفصال حاد. فالإمام الشافعي كان فقيهاً وطبيباً، والرازي جمع بين الطب والتفسير، مما يعكس رؤية معرفية متكاملة توازن بين متطلبات الروح واحتياجات المادة.
إن القاعدة التي تحفظ التوازن الحضاري هي قاعدة التعميم ثم التركيز، بحيث يمتلك الطالب أرضية معرفية واسعة قبل التخصص الدقيق. وهذا يتناقض مع التوجهات الغربية المتأخرة التي قد تنتج عالماً متبحراً في اختصاصه لكنه يفتقر للوعي السياسي والاجتماعي بما يدور في وطنه.
واقع المنظومات التعليمية في كثير من البلدان الإسلامية اليوم يشير إلى خلل بنيوي، حيث يفشل الطلبة أحياناً في الموازنة بين التخصص والثقافة العامة. وهذا يطرح تساؤلات عميقة حول أولويات التعليم وكيفية إعداد نخب قادرة على قيادة مشاريع نهضوية حقيقية في مجتمعاتها.
من الإشكالات الخطيرة أيضاً وضعية العلوم الاجتماعية التي تُترك غالباً للطلبة الأقل تفوقاً في شهادات البكالوريا، مما يضعف فرص بروز مفكرين كبار. إن تخصص النجباء في العلوم الكونية فقط يحرم الأوطان من عقول قادرة على تفكيك وإعادة تركيب العلوم الاجتماعية وفق المرجعيات الحضارية المحلية.
تجارب دول مثل ماليزيا وتركيا وإندونيسيا تظهر أهمية التحكم في العلوم التكنولوجية مع الحفاظ على السيادة الثقافية عبر الاهتمام بالعلوم الاجتماعية. هذه الدول تسير بخطى ثابتة لأنها أدركت أن الإشكال ليس في طبيعة العلم ذاته، بل في موقعه ضمن المشروع المجتمعي الشامل.
يبقى يوم العلم في الجزائر دعوة متجددة لاستحضار دروس الماضي ومواجهة تحديات المستقبل في بناء إنسان حر ومعتز بهويته. إن إرث ابن باديس يظل قائماً كبوصلة توجه الأجيال نحو فهم أعمق للعالم وتأثير أقوى في مسار الحضارة الإنسانية المعاصرة.
المصدر:
القدس