لم تكن لحظة الإفراج عن الأسير المقعد يحيى أبو سيف من قطاع غزة مجرد عودة للحرية، بل كانت كشفاً لستار القسوة والعجز الذي عاشه خلف القضبان. أبو سيف الذي فقد معظم أفراد عائلته في الحرب، وجد نفسه أسيراً مريضاً ومحمولاً على كرسي متحرك، وهو ما لم يشفع له أمام آلة التنكيل الإسرائيلية.
في سجن 'سيدي تيمان' سيئ السمعة، أمضى أبو سيف عاماً كاملاً وصفه بأنه الأطول والأسوأ في حياته، حيث كان يصارع جسده العليل في ظل غياب أدنى مقومات الرعاية. وقد حرمته إدارة السجن من استخدام كرسيه المتحرك في التنقل، مما حول حياته اليومية إلى سلسلة من المحطات الشاقة التي تتطلب صبراً يفوق طاقة البشر.
تجسد قصة أبو سيف نموذجاً لمعاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون صراعاً يومياً مع المرض في ظروف تفتقر للحد الأدنى من الرعاية الصحية. فالسجن بالنسبة لهؤلاء ليس مجرد جدران، بل هو حالة من العجز الإجباري المفروض عليهم وسط سياسات العزل والتحقيق المستمرة.
على صعيد متصل، تبرز مأساة الأسير فادي أبو السبح الذي اعتُقل عام 2019 أثناء توجهه للعلاج، حيث ترفض سلطات الاحتلال الإفراج عنه رغم انتهاء محكوميته. وتستخدم إدارة السجون قوانين الطوارئ والحرب الجديدة لتمديد اعتقاله دون سقف زمني واضح، مما يضاعف من آلام عائلته التي تنتظر تحرره.
تقول والدة الأسير أبو السبح إن نجلها يعاني من كسور متعددة وصفائح معدنية في ساقيه، ومع ذلك يُحرم من العلاج أو النقل للمستشفى. وتعتبر العائلة أن ما يتعرض له فادي هو حكم بالموت البطيء، في ظل نقله المستمر بين سجون عسقلان ونفحة وريمون في ظروف قاسية للغاية.
وتشير المعطيات الصادرة عن مصادر حقوقية إلى أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال قد تجاوز حاجز 9600 أسير ومعتقل حتى بداية أبريل 2025. ومن بين هؤلاء مئات الأطفال والنساء، بالإضافة إلى أكثر من 1200 أسير يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة تهدد حياتهم بشكل مباشر.
سجلت الحركة الأسيرة استشهاد أكثر من 89 أسيراً نتيجة سياسات الإهمال الطبي المتعمد أو التعذيب الجسدي داخل مراكز التحقيق. ومن بين الشهداء 52 معتقلاً من قطاع غزة قضوا في ظروف غامضة، مما يعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي تُرتكب بعيداً عن الرقابة الدولية.
أكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني، عبد الله الزغاري أن أعداد الأسرى المصابين بأمراض خطيرة مثل السرطان والفشل الكلوي في تصاعد مستمر. وأوضح أن المعاناة لا تتوقف عند المرض، بل تمتد لتشمل سوء التغذية الممنهج وحرمان الأسرى من المياه النظيفة والأدوية الضرورية.
تتبع إدارة السجون سياسات انتقامية تشمل قطع المياه لفترات طويلة ومنع الاستحمام، بالإضافة إلى الاعتداءات الجسدية الممنهجة التي تصاعدت بعد السابع من أكتوبر. هذه الممارسات أدت إلى تدهور حاد في الحالة النفسية والجسدية للأسرى، خاصة أولئك المحتجزين في معسكرات الجيش.
من جانبه، وصف إسلام عبده، المسؤول في وزارة الأسرى، ملف المرضى بأنه أحد أخطر أوجه الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية حالياً. وأشار إلى أن التأخير المتعمد في إجراء الفحوصات الطبية والتحويلات للمستشفيات يهدف إلى إنهاك الأسرى جسدياً وتصفيتهم ببطء.
المختص في شؤون الأسرى أحمد أبو راس يرى أن الاحتلال يستخدم العيادات داخل السجون كإجراء شكلي فقط أمام المؤسسات الدولية. ففي الواقع، لا يتلقى الأسرى أي علاج حقيقي، بل يتم تأجيل عملياتهم الجراحية لسنوات، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى استفحال المرض لدرجة لا يمكن علاجها.
تتزايد الدعوات الحقوقية لتدخل دولي عاجل لإنقاذ حياة الأسرى المرضى وتوفير الحماية لهم وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة. ويرى مراقبون أن الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم يشجع الاحتلال على الاستمرار في سياسة الإخفاء القسري وحرمان الأسرى من زيارات الصليب الأحمر.
عصام أبو دقة، عضو لجنة الأسرى، شدد على أن قضية المرضى يجب أن تظل على رأس الأولويات الإنسانية والسياسية للفلسطينيين. فالحق في العلاج والكرامة هو حق أساسي لا يمكن المقايضة عليه، واستمرار احتجاز الحالات الخطيرة يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.
ختاماً، تؤكد مؤسسات حقوقية أن ما يجري في السجون يمثل اختباراً حقيقياً لمنظومة العدالة الدولية التي تقف عاجزة أمام تغول الاحتلال. إن إنقاذ حياة الأسرى المرضى واجب فوري لا يحتمل التأجيل، خاصة في ظل الظروف الكارثية التي خلفتها الحرب المستمرة على قطاع غزة.
المصدر:
القدس