شهدت مدينة القامشلي ومدن أخرى في شمال شرق سوريا تدفقاً كبيراً للمواطنين الأكراد نحو مراكز التسجيل الحكومية، في خطوة تاريخية تهدف إلى إنهاء عقود من الحرمان من الجنسية السورية. واكتظت الصالات المخصصة في الملاعب والمباني العامة بطوابير طويلة من المتقدمين الذين يحملون وثائقهم القديمة وصورهم الشخصية، بانتظار تسوية أوضاعهم القانونية.
تأتي هذه التحركات الميدانية تنفيذاً للمرسوم التشريعي الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، والذي قضى بمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في البلاد. ويشمل القرار فئة 'مكتومي القيد' الذين عاشوا لعقود دون أي أوراق ثبوتية رسمية، مما حرمهم من أبسط حقوق المواطنة والخدمات الأساسية.
عبر فراس أحمد، أحد المتقدمين في مدينة القامشلي، عن حجم المعاناة السابقة واصفاً العيش بلا جنسية بأنه 'موت سريري'، حيث لم يكن بمقدوره تسجيل أطفاله أو تثبيت ملكية منزله. وأوضح أحمد أن عائلته توارثت هذا الوضع منذ جده الذي لم يحصل على الجنسية، مما جعلهم يعيشون على هامش الدولة والمجتمع دون اعتراف قانوني.
المراكز التي افتتحتها وزارة الداخلية السورية لم تقتصر على المناطق ذات الأغلبية الكردية، بل امتدت لتشمل محافظات حلب ودير الزور والرقة وصولاً إلى العاصمة دمشق. وتعمل الكوادر الحكومية على معالجة البيانات إلكترونياً، حيث تظهر عبارة 'تمت بنجاح' على الشاشات لتعلن بداية عهد جديد لهؤلاء المواطنين بعد سنوات طويلة من الانتظار.
إلى جانب منح الجنسية، تضمن المرسوم الرئاسي إصلاحات حقوقية واسعة شملت الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية في البلاد، وإقرار الحقوق الثقافية واللغوية للمكون الكردي. وتعتبر هذه الخطوات جزءاً من استحقاقات سياسية أوسع أعقبت مناوشات عسكرية انتهت باتفاق شامل لدمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هيكلية الدولة السورية.
أفادت مصادر ميدانية بأن الاتفاق الموقع في أواخر يناير الماضي بدأ يترجم فعلياً على الأرض من خلال دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة والقامشلي وتسلم إدارة المرافق الحيوية مثل المطار. كما برزت ملامح الشراكة السياسية بتعيين القيادي العسكري الكردي سيبان حمو في منصب معاون وزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية خلال شهر مارس الجاري.
تروي غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، معاناتها مع الحرمان من التعليم والسفر، حيث لم يتمكن أبناؤها من إكمال دراستهم بسبب غياب الهوية الرسمية. وأشارت إلى أن العائلة كانت تعيش في قلق دائم لعدم قدرتها على التنقل بحرية أو تسجيل ممتلكاتها، وهو ما يأملون أن ينتهي مع استلام الهوية السورية الجديدة.
تعود جذور هذه القضية إلى إحصاء عام 1962 المثير للجدل في محافظة الحسكة، والذي أدى في ذلك الوقت إلى سحب الجنسية من نحو 20% من الأكراد السوريين. ومنذ ذلك الحين، واجه المكون الكردي، الذي يمثل جزءاً أساسياً من النسيج السوري، سياسات تهميش أثرت على ممارستهم لتقاليدهم واحتفالاتهم القومية مثل عيد النوروز.
تشير تقديرات شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة إلى أن عدد مكتومي القيد يبلغ حالياً نحو 150 ألف شخص داخل سوريا. ويؤكد الناشطون الحقوقيون أن هذا الرقم يعكس حجم المأساة الإنسانية التي استمرت لأكثر من ستة عقود، معربين عن أملهم في أن تشمل التسهيلات المقيمين خارج البلاد أيضاً.
طالب علي موسى، عضو شبكة ضحايا انعدام الجنسية، السلطات السورية بضرورة إبداء مرونة أكبر في تطبيق القرار ليشمل اللاجئين في الدول الأوروبية. وأوضح أن الكثير من الأكراد السوريين في الخارج يخشون العودة بسبب القيود الأمنية أو ظروف الحرب الإقليمية التي أدت إلى إغلاق معظم المطارات والمنافذ الحدودية.
من جانبه، أكد عبد الله العبد الله، مسؤول شؤون الأحوال المدنية أن مراكز التسجيل ستبقى مفتوحة لمدة شهر كامل، مع إمكانية تمديد هذه الفترة لاستيعاب كافة الطلبات. واعتبر العبد الله أن اكتساب الجنسية هو 'أهم تعويض' يمكن أن تقدمه الدولة لهؤلاء المواطنين بعد سنوات طويلة من الحرمان والضياع القانوني.
داخل أروقة مراكز التسجيل، يتحدث محمد أيو عن الإحباط الذي رافقه طوال حياته بسبب حرمانه من الشهادة الجامعية رغم تفوقه في المرحلة الثانوية. ويقول أيو إن 'مكتوم القيد' كان يُعامل كغريب في وطنه، حيث كان يحتاج لـ 'ورقة أمنية' لمجرد الإقامة في فندق بدمشق أو الحصول على رخصة قيادة.
الحرمان لم يتوقف عند التعليم والعمل، بل امتد ليشمل الحقوق السياسية الأساسية مثل الترشح والانتخاب، مما جعل الأكراد السوريين مغيبين تماماً عن مراكز صنع القرار. ويرى المتقدمون اليوم أن الحصول على الهوية ليس مجرد ورقة، بل هو استعادة للكرامة والاعتراف بالوجود الذي سُلب منهم منذ عقود.
تأتي هذه التطورات في ظل ظروف إقليمية معقدة، حيث تسعى الحكومة السورية إلى تعزيز الجبهة الداخلية وإنهاء الملفات العالقة مع المكونات العرقية. ويراقب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بانتظام مدى جدية وسرعة تنفيذ هذه الإجراءات، لضمان حصول كافة المستحقين على حقوقهم دون عوائق بيروقراطية أو أمنية.
المصدر:
القدس