تثير التطورات الأخيرة في الصراع الإيراني الإسرائيلي المدعوم أمريكياً تساؤلات جوهرية حول مفهوم النصر والهزيمة في الحروب الحديثة. فبينما تسارع الأطراف المتصارعة لإعلان انتصاراتها عبر المنصات الإعلامية، تظل الحقائق الميدانية والسياسية أكثر تعقيداً مما تروج له الخطابات الرسمية للدول.
يرى مراقبون أن الحروب المعاصرة لم تعد تعتمد على الحسم العسكري التقليدي الذي ميز حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية. لقد باتت النتائج تخضع لمعايير غامضة ترتبط بالقدرة على كسب القلوب والعقول، وهو ما يجعل ادعاءات النصر وسيلة للحفاظ على الشرعية الداخلية في الأنظمة الاستبدادية والديمقراطية على حد سواء.
تمنح الحرب غير المتكافئة الطرف الأضعف، سواء كان دولة أو تنظيماً، فرصة ذهبية لادعاء النصر بمجرد الصمود وتجنب الانهيار الكامل. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن طهران مستعدة لتحمل خسائر بشرية ومادية فادحة في سبيل الحفاظ على أيديولوجية المقاومة التي تعتبرها وجودية.
تاريخياً، قدمت حرب فيتنام درساً قاسياً للولايات المتحدة حين تحول التفوق العسكري في الميدان إلى هزيمة سياسية مدوية في الداخل. هذا السيناريو تكرر بشكل أو بآخر في العراق وأفغانستان، حيث تحولت الانتصارات السريعة إلى استنزاف طويل الأمد انتهى بتعزيز نفوذ الخصوم.
أفادت مصادر بأن التقييمات الحالية للصراع مع إيران تشير إلى تحقيق واشنطن وتل أبيب مكاسب تكتيكية واضحة عبر عمليات الاغتيال النوعية. فقد طالت هذه العمليات عشرات القادة العسكريين والسياسيين، بالإضافة إلى توجيه ضربات موجعة للبنية التحتية والمنشآت النووية الإيرانية.
في المقابل، تصر طهران على أن نظامها السياسي وقدراتها على القيادة والسيطرة لم تتأثر بشكل جوهري بهذه الضربات. وتستدل إيران على ذلك بقدرتها المستمرة على شن هجمات مضادة، وتعزيز قبضتها الأمنية والملاحية على مضيق هرمز الاستراتيجي.
عند فحص الأهداف السياسية التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل لهذه الحرب، يظهر إخفاق واضح في تحقيق النتائج المرجوة. فلم ينجح الضغط العسكري في فرض تغيير النظام، كما فشلت الرهانات على تأجيج انتفاضة شعبية داخلية تطيح بمراكز القوى في طهران.
نجحت إيران في تحويل دفة الصراع نحو ملف حرية الملاحة في مضيق هرمز، مستخدمة هذا الورقة للضغط على الاقتصاد العالمي. هذا التحرك الاستراتيجي وضع طهران في موقف تفاوضي أقوى خلال المحادثات التي جرت مؤخراً في باكستان.
طرحت طهران خطة عمل من عشر نقاط تهدف إلى شرعنة نفوذها في الممرات المائية وضمان استمرار برنامجها النووي السلمي. ورغم أن إدارة ترامب أبدت مرونة أولية تجاه هذه المقترحات، إلا أن التراجع الأمريكي اللاحق أدى إلى طريق مسدود في مفاوضات إسلام آباد.
على الصعيد الدولي، واجهت الولايات المتحدة وإسرائيل انتقادات حادة بسبب ما وصفه خبراء أمميون بانتهاكات للقانون الدولي. فقد أدى استهداف مواقع مدنية، من بينها منشآت تعليمية، إلى تآكل الرصيد الأخلاقي والسياسي للقوى المهاجمة أمام الرأي العام العالمي.
من جهة أخرى، لم تكن إيران بمنأى عن الخسائر السياسية، خاصة في محيطها الإقليمي، نتيجة استهداف منشآت نفطية في دول الجوار. هذه العمليات أدت إلى تصاعد التوترات مع دول الخليج، مما قد يدفع الأخيرة لتعميق تحالفاتها الأمنية مع المحور الأمريكي الإسرائيلي.
إن تعقيد المشهد يشير إلى أننا أمام صراع طويل الأمد لا يمكن فيه تحديد منتصر نهائي في الوقت الراهن. فالمكاسب العسكرية التكتيكية التي حققها التحالف الأمريكي الإسرائيلي تقابلها مرونة سياسية وقدرة على المناورة من الجانب الإيراني.
في الختام، يبدو أن المعركة السياسية الأوسع تميل لصالح طهران التي استطاعت امتصاص الصدمات العسكرية وتحويلها إلى أوراق ضغط دبلوماسية. وتظل قدرة واشنطن وتل أبيب على صياغة استراتيجية خروج ناجحة هي الاختبار الحقيقي لمستقبل النفوذ في الشرق الأوسط.
المصدر:
القدس