تواجه المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية مأزقاً متصاعداً في قراءة الواقع الميداني، رغم محاولات الترويج لنجاحات استخبارية تمثلت في عمليات اغتيال قيادات الصف الأول. وقد أقر قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، رافي ميلو، بوجود فجوة عميقة بين التقديرات المسبقة والواقع الذي يفرضه حزب الله على الحدود اللبنانية. هذا الاعتراف يعكس خللاً بنيوياً يتجاوز الأخطاء الفردية ليصل إلى عجز المنظومة عن فهم قدرة الخصوم على الترميم والمباغتة.
وتشير تقارير استخبارية حديثة نشرتها صحيفة هآرتس إلى تباين حاد بين الخطاب العلني للجيش والصورة الاستخبارية الفعلية في جنوب لبنان. ويبدو أن الحديث عن استعادة التفوق الاستخباري بعد صدمة السابع من أكتوبر كان متسرعاً، حيث تظهر المعطيات الميدانية أن أجهزة الاستخبارات لا تزال تعاني من قصور في قراءة التحولات النوعية لدى قوى المقاومة، مما يضع القيادة السياسية أمام خيارات معقدة وغير مضمونة النتائج.
وفي سياق متصل بالملف الإيراني، كشفت تقارير دولية عن كواليس اجتماع عقد في البيت الأبيض في فبراير 2026، حيث حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تسويق سيناريو لنصر سريع ضد طهران. استندت هذه الرؤية إلى تقديرات للموساد تقلل من قدرة إيران على الرد الاستراتيجي، وتراهن على اندلاع ثورة شعبية تسقط النظام فور بدء حملة القصف. ومع تعثر هذه التوقعات، بدأت ملامح أزمة داخلية تطفو على سطح المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتصاعدت حدة الاتهامات المتبادلة بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، حيث يسعى كل جهاز لنفي مسؤوليته عن التقديرات الخاطئة التي سبقت التصعيد الأخير. وكشف موقع إنتليجنس أونلاين أن مقربين من رئيس الموساد ديفيد برنيع بدأوا في ترويج رواية مضادة تهدف لحماية صورة الجهاز أمام الانتقادات المتزايدة. هذه الصراعات البيروقراطية تعكس حالة من التخبط في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية على جبهات متعددة.
الباحث الفرنسي كليمنت رينو قدم دراسة معمقة أكدت أن الفشل الاستخباري الإسرائيلي في السابع من أكتوبر لم يكن ناتجاً عن نقص في المعلومات الخام. فقد توفرت مؤشرات تقنية وبشرية عديدة، من بينها تفعيل مئات شرائح الاتصال الإسرائيلية داخل غزة ليلة الهجوم، لكن هذه المعطيات لم تترجم إلى تحذير عملياتي. المشكلة الحقيقية كانت تكمن في 'العمى التحليلي' الذي أصاب الأجهزة نتيجة افتراضات مسبقة خاطئة حول نوايا حركة حماس.
لقد سيطرت قناعة لدى المحللين الإسرائيليين بأن حماس تفضل الحفاظ على سلطتها في غزة على الدخول في مواجهة شاملة، مما أدى لتجاهل تدريبات علنية تحاكي اقتحام المستوطنات. هذه الثقة المفرطة في التكنولوجيا والجدار الأمني الذكي خلقت شعوراً زائفاً بالأمان، وجعلت الأجهزة الأمنية مثل 'الشاباك' و'أمان' تستبعد أي سيناريو يكسر قواعد الاشتباك التقليدية التي رسمتها تل أبيب لنفسها.
على المستوى التنظيمي، ساهم تشتت المهام بين الأجهزة الاستخبارية في غياب رؤية موحدة وشاملة للتهديدات. فالتنافس بين 'الشاباك' المسؤول عن الأمن الداخلي و'أمان' المسؤولة عن الجبهات العسكرية أدى إلى ضياع الكثير من التفاصيل الجوهرية. كما أن غياب جهة مركزية تدمج التقديرات الاستخبارية جعل من الصعب بناء صورة متكاملة قادرة على التنبؤ بالتحركات الكبرى للخصوم قبل وقوعها.
ويرى خبراء أن العلاقة المتوترة بين القيادة السياسية والأجهزة الأمنية خلال أزمة الإصلاح القضائي في عام 2023 أضعفت الاهتمام بالتحذيرات الاستراتيجية. فقد كانت الحكومة منشغلة بملفات داخلية، بينما كانت التقديرات الاستخبارية تنسجم مع الرغبة السياسية في اعتبار جبهة غزة تحت السيطرة. هذا التماهي بين السياسي والأمني أدى إلى كارثة استخبارية لم تشهدها إسرائيل منذ عقود، حيث نجحت المقاومة في تنفيذ خداع استراتيجي متكامل.
وفي مراجعة داخلية أجراها ضباط متقاعدون، تبين أن شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) تحولت من وظيفة 'فهم العدو' إلى وظيفة 'الإنهاك السريع'. هذا التحول ركز على بناء بنك أهداف ضخم لتنفيذ ضربات جوية دقيقة، بدلاً من تحليل الدوافع والإستراتيجيات العميقة للخصم. وأصبح نجاح الضابط يقاس بعدد الأهداف التي يوفرها للطائرات، وليس بدقة تقديره للموقف الاستراتيجي العام.
أدى الاعتماد المفرط على 'القتال الصناعي' وأتمتة المعلومات إلى تراجع مهارات التفكير النقدي لدى الكوادر البشرية في الاستخبارات. فبينما زادت القدرة على جمع البيانات الضخمة، تراجعت القدرة على تفسيرها بشكل صحيح بعيداً عن القوالب الجاهزة. هذا الوهم بالسيطرة التكنولوجية جعل الاستخبارات الإسرائيلية قادرة على الإجابة عن الأسئلة التكتيكية الصغيرة، لكنها عاجزة تماماً عن إدراك الصورة الكبيرة والتحولات الكبرى.
البنية المجزأة للاستخبارات الإسرائيلية، التي تعود جذورها إلى الخمسينيات، لم تعد تتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة. فإبقاء ملف غزة بيد 'الشاباك' بعد انسحاب 2005 خلق نموذجاً مشوهاً، حيث حاول جهاز أمن داخلي إدارة ساحة معادية دون امتلاك أدوات السيطرة الميدانية. هذا الخلل أدى إلى تراجع حاد في المعلومات البشرية، مما سمح لحماس ببناء قدراتها العسكرية والأنفاق بعيداً عن أعين الرقابة الإسرائيلية.
أولويات الأمن القومي الإسرائيلي ساهمت أيضاً في هذا الفشل، حيث تم توجيه الموارد نحو إيران وحزب الله على حساب جبهة غزة التي اعتبرت ثانوية. واعتمدت السياسة تجاه القطاع على إدارة الصراع وجولات القتال الدورية، دون مراجعة حقيقية لحجم التغير التنظيمي والعسكري داخل فصائل المقاومة. ونتيجة لذلك، تشكلت صورة استخبارية منقوصة لم تدرك حجم الانفجار القادم إلا بعد فوات الأوان.
يصف العميد يوسي كوبرفاسر ما حدث بأنه 'العاصفة المثالية'، حيث تلاقت إخفاقات التقدير والردع والجاهزية في لحظة واحدة. فعلى المستوى الاستراتيجي، لم تُشخص نية الهجوم، وعلى المستوى العملياتي تم تجاهل خطة 'سور أريحا'، وعلى المستوى التكتيكي لم تترجم إشارات الساعات الأخيرة إلى استنفار حقيقي. هذا التراكم من الأخطاء يعكس أزمة عميقة في الثقافة العسكرية التي استهانت بقدرات الخصم وثقافته.
في نهاية المطاف، تظهر التجربة الحالية في لبنان وإيران أن الإخفاق الاستخباري الإسرائيلي ليس مجرد خلل عابر، بل هو نتاج تراجع الاهتمام بالتحليل التاريخي والأيديولوجي للخصوم. إن النجاح في التفاصيل التكتيكية والاغتيالات لا يمكن أن يعوض الفشل في إدراك الصورة الكلية، حيث تظل 'العيون الإسرائيلية' عاجزة عن رؤية ما وراء التكنولوجيا، مما يبقيها عرضة لمفاجآت ميدانية واستراتيجية مستمرة.
المصدر:
القدس