أحدث إعلان الرئيس اللبناني جوزيف عون عن نية بلاده الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بالعاصمة الأمريكية واشنطن الأسبوع المقبل، موجة من الانقسام الحاد في الشارع اللبناني. وقد انعكس هذا التوتر سريعاً على شكل احتجاجات ميدانية، حيث تظاهر العشرات من أنصار حزب الله في محيط السراي الحكومي ومناطق متفرقة من العاصمة بيروت، رافعين شعارات تندد بهذه الخطوة السياسية المفاجئة.
وفي سياق متصل، رصدت مصادر ميدانية دعوات واسعة النطاق عبر منصات التواصل الاجتماعي للاحتشاد الشعبي أمام السراي الحكومي عصر اليوم السبت. وتأتي هذه التحركات تعبيراً عن الرفض القاطع للمسار التفاوضي الذي أعلنت عنه الرئاسة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والتوترات الحدودية القائمة التي لم تهدأ وتيرتها بعد.
من جانبها، سارعت قيادة الجيش اللبناني إلى إصدار بيان تحذيري شديد اللهجة، أكدت فيه أنها لن تتهاون مع أي تحركات قد تهدد الاستقرار الداخلي أو السلم الأهلي. وأوضح البيان أن المؤسسة العسكرية تحترم حق التعبير السلمي عن الرأي، لكنها ستتدخل بحزم لمنع أي اعتداء على الأملاك العامة والخاصة أو محاولات لزعزعة الأمن في هذه الظروف الدقيقة.
وشدد الجيش في بيانه على ضرورة تحلي المواطنين بأعلى درجات الوعي والمسؤولية الوطنية، داعياً الجميع إلى التجاوب الكامل مع توجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة في الميدان. وتأتي هذه التحذيرات في وقت يخشى فيه مراقبون من انزلاق الاحتجاجات إلى مواجهات داخلية تزيد من تعقيد المشهد اللبناني المتأزم أصلاً.
على الصعيد السياسي، عبر النائب عن كتلة حزب الله، حسن فضل الله، عن رفض الحزب المطلق لهذه المفاوضات، معتبراً إياها خرقاً دستورياً وقانونياً لا يمكن التغاضي عنه. وأشار فضل الله إلى أن هذه الخطوة تساهم في تعميق الانقسام الداخلي في وقت يحتاج فيه لبنان إلى الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات الخارجية والعدوان المستمر.
وأوضح فضل الله في تصريحاته أن التلاعب بمصير البلاد عبر قنوات تفاوضية غير متفق عليها وطنياً يهدد العيش المشترك والسلم الأهلي. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية بدلاً من الانخراط في مسارات سياسية يراها الحزب غير شرعية وتخدم أجندات خارجية.
وبحسب بيان صادر عن مكتب الرئيس اللبناني، فقد جرى اتصال هاتفي ثلاثي ضم سفيري لبنان وإسرائيل لدى واشنطن بحضور السفير الأمريكي في بيروت المتواجد حالياً في الولايات المتحدة. وقد أفضى هذا الاتصال إلى التوافق على عقد الاجتماع الأول بين الطرفين يوم الثلاثاء المقبل في مقر وزارة الخارجية الأمريكية لبحث ملفات شائكة.
ويهدف الاجتماع المرتقب إلى مناقشة آليات الإعلان عن وقف لإطلاق النار وتحديد جدول زمني لبدء المفاوضات الرسمية برعاية أمريكية مباشرة. وكان الرئيس عون قد أبدى في مناسبات سابقة استعداده للحوار المباشر مع الجانب الإسرائيلي، خاصة بعد توسع رقعة المواجهات العسكرية التي بدأت في مطلع شهر مارس الماضي.
وفي المقابل، أكد السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، موافقة تل أبيب على بدء مفاوضات سلام رسمية مع الحكومة اللبنانية. وأوضح ليتر في بيان رسمي أن إسرائيل تسعى للوصول إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية، لكنها ترفض في الوقت نفسه أي نقاش يتعلق بوقف إطلاق النار مع حزب الله الذي تصفه بالمنظمة الإرهابية.
واعتبر السفير الإسرائيلي أن حزب الله يمثل العقبة الأساسية أمام تحقيق السلام بين الدولتين، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تستهدف البنية التحتية للحزب. وتأتي هذه التصريحات لتؤكد الفجوة الكبيرة في الرؤى بين الأطراف المعنية حول ماهية الهدنة المطلوبة ومن تشملهم في المرحلة المقبلة.
من جهة أخرى، نقلت مصادر صحفية عن مسؤول حكومي لبناني تأكيده على أن الموقف الرسمي لبيروت يشترط تحقيق وقف شامل لإطلاق النار قبل الانخراط في أي تفاصيل تفاوضية. ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على مختلف المناطق اللبنانية، والتي يقابلها حزب الله بهجمات صاروخية مضادة، مما يجعل آفاق الحل السياسي محفوفة بالمخاطر.
المصدر:
القدس