د. أحمد رفيق عوض: مستقبل الهدنة ما زال غامضاً والمنطقة تقف على حافة كل الاحتمالات من تثبيت التفاهمات إلى الانهيار الكامل والعودة إلى مسار الحرب
عريب الرنتاوي: نتنياهو يسابق الزمن لاستغلال فترة ما قبل مفاوضات إسلام أباد لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في لبنان قبل أن تُفعَّل الضغوط الأمريكية على حكومته
د. قصي حامد: الشرق الأوسط ما بعد الهدنة يختلف عن ما قبلها ولم تعد المنطقة رهينة لسياسات القوة الأمريكية وأصبحت منفتحة على توازنات جديدة
عدنان الصباح: إيران ترى في حماية حزب الله ولبنان جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لتثبيت دورها الإقليمي وأي تجاهل لهذا الملف قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق
د. حسين الديك: قد نرى إعادة تشكيل النظام الإقليمي بصعود أدوار قوى وسيطة وبروز "تحالفات الضرورة" التي قد تجمع بين دول متخاصمة تحت ضغط المتغيرات
فراس ياغي: واشنطن وطهران تدفعان نحو اتفاق يمنع مواجهة جديدة ما سيؤسس لواقع جديد تحاول إسرائيل إحباطه لأنه يعني صعود إيران كقوة إقليمية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تتحرك المنطقة نحو منعطف حاسم بعد الهدنة المؤقتة الهشة بين واشنطن وطهران، إذ تشير التطورات المتلاحقة إلى بداية تشكّل توازنات مختلفة قد تعيد صياغة النظام الإقليمي بالكامل، بينما يبقى حزب الله ولبنان الملف الحاسم بعد التصعيد الإسرائيلي على لبنان بعد أقل من 24 ساعة من إبرام الهدنة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن التقاطعات الدولية والإقليمية تكشف أن ما بعد الهدنة لن يكون استمراراً لما قبلها، بل مرحلة جديدة يجري فيها إعادة توزيع النفوذ وأدوار اللاعبين، في ظل تآكل المعادلات القديمة وتنامي الحاجة إلى ترتيبات أمنية وسياسية بديلة.
ويؤكدون أنه في قلب هذا المشهد يقف لبنان، الذي تحوّل إلى الساحة الأكثر تأثيراً في مصير التفاهمات المقبلة، فالاستمرار الإسرائيلي في عمليات القصف، مقابل إصرار إيران على شمول لبنان في أي اتفاق، جعلا من الجبهة اللبنانية البوابة التي يمر عبرها مستقبل الهدنة، سواء نحو تثبيت الاستقرار أو العودة إلى التصعيد.
ويشيرون إلى أن لبنان أصبح المؤشر الأوضح على اتجاهات المرحلة المقبلة، فيما يقف الشرق الأوسط عند عتبة إعادة تشكل واسعة قد تعيد صياغة موقع القوى الإقليمية ودور الولايات المتحدة في المنطقة.
مهلة خادعة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د.أحمد رفيق عوض أن الهدنة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران تبدو هشة للغاية، وتتشابه مع "استراحة محارب" أو "مهلة خادعة"، وربما تمثل محاولة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للتهرب من تنفيذ تهديداته، أو استعداداً لجولة جديدة من المواجهة.
ويؤكد عوض أن جميع السيناريوهات مطروحة، من تثبيت التهدئة إلى عودة الحرب، لأن الهدنة منحت إيران نفوذاً واسعاً ومكانة إقليمية أعلى، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى قبول واشنطن وتل أبيب بهذا المتغير.
ويشير عوض إلى أن الاتفاق لم يعالج القضايا الجوهرية التي فجّرت الأزمة في الأساس، فلا المشروع النووي تمت تسويته، ولا القوة الصاروخية الإيرانية، ولا ملف مضيق هرمز، كما أن الهدنة مليئة بالثغرات والغموض، وتفتقر إلى وضوح بشأن ملفات حساسة مثل العقوبات الاقتصادية وكيفية تقاسم النفوذ في المضيق. ويرى عوض أن هذه النقاط تمثل قنابل موقوتة يمكن أن تنسف الهدنة في أي لحظة.
ملف لبنان يكشف عدم الرغبة بتثبيت الاتفاق
ويشير عوض إلى أن استمرار إسرائيل في ضرب لبنان بعد الإعلان عن الهدنة يكشف عدم رغبتها في تثبيت الاتفاق، ويعزز احتمالات التصعيد.
ويلفت عوض إلى أن إسرائيل "غير سعيدة بالاتفاق أصلاً"، وتعمل فعلياً على فصل الجبهات وجرّ لبنان إلى مواجهة جديدة، قد تؤدي إلى تفجير الاتفاق برمته.
العودة للحرب خيار جاهز
ويعتبر عوض أن العودة للحرب تظل خياراً جاهزاً، خاصة في ظل رفض أمريكي وإسرائيلي لأي دور إيراني متعاظم في المنطقة، ما يجعل الهدنة غير مستقرة وعرضة لانهيار سريع.
وبخصوص موقع لبنان في الاتفاق، يشدد عوض على أنه لا يمكن فصل الساحة اللبنانية عن التفاهمات مع إيران، مؤكداً أن طهران لن تقبل باستثناء لبنان من الهدنة.
ويرى عوض أن حزب الله خاض المواجهة الأخيرة جزئياً دفاعاً عن إيران، وأنه أثبت قدرته على إزعاج إسرائيل وتحويل نفسه إلى جبهة حقيقية مؤثرة، وبالتالي لن تتخلى عنه طهران "لا أخلاقياً، ولا أمنياً، ولا عسكرياً".
إيران والالتزام بالتهدئة على كل الجبهات
ويوضح عوض أن إيران تعتبر نفسها ملتزمة بالتهدئة على كل الجبهات بالتزامن، ولن تقبل بترك الحزب وحيداً في مواجهة إسرائيل.
ويؤكد عوض أن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق، خاصة مع بوادر ردود إيرانية أولية ظهرت في خطوة إغلاق مضيق هرمز، في محاولة للضغط على واشنطن لوقف التصعيد.
ويرى عوض أن هذه النقطة قد تكون الشرارة الأخطر التي تطيح بالهدنة، في ظل سعي إسرائيل إلى تفجير الاتفاق عبر الساحة اللبنانية، وإصرار إيران على حماية حزب الله باعتباره جزءاً رئيسياً من منظومتها الإقليمية.
ويعتقد عوض أن مستقبل الهدنة ما زال غامضاً، وإن المنطقة تقف على حافة كل الاحتمالات، من تثبيت التفاهمات إلى الانهيار الكامل والعودة إلى مسار الحرب.
صعوبة تبرير نتنياهو للاتفاق
يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن الحكومة الإسرائيلية لم تستطع ابتلاع اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بسهولة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش مأزقاً داخلياً متصاعداً، إذ يجد صعوبة في تبرير الاتفاق للرأي العام الإسرائيلي ولحلفائه، في ظل اتهامات تطاله بالتقصير في السابع من أكتوبر 2023، وبالفشل في تحقيق نتائج استراتيجية من حربه على إيران، إضافة إلى المخاطر التي تهدد مستقبله السياسي مع اقتراب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني.
ويرى الرنتاوي أن هذا المأزق دفع نتنياهو إلى إطلاق "مغامرة جديدة مدمرة"، عبر تنفيذ هجمات جوية غير مسبوقة على لبنان، تجاوزت 100 غارة خلال أقل من عشر دقائق، واستهدفت عشرات البلدات والقرى، وصولاً إلى قلب العاصمة بيروت، متسببة بخسائر بشرية ومادية واسعة.
ويشير الرنتاوي إلى أن نتنياهو، الذي يخرج من حرب إلى أخرى لأجل البقاء في الحكم، اختار فتح أبواب الجحيم على اللبنانيين، بضرب منازل ومرافق طبية واجتماعية، من دون أي اعتبار لأهداف عسكرية أو حسابات سياسية واضحة.
محاولة إسقاط مبدأ "تلازم المسارين"
ويقدّم الرنتاوي تفسيرين لهذا السلوك: الأول محاولة إسقاط مبدأ "تلازم المسارين" الإيراني واللبناني، الذي أُدرج في الاتفاق الأولي لوقف النار، وفق ما أكده الوسيط الباكستاني.
ويرى الرنتاوي أن شمول لبنان في الاتفاق شكّل مصدر قلق كبير لنتنياهو، خاصة مع تعثر الجيش الإسرائيلي في جبهة الجنوب اللبناني، واستمرار سكان الشمال في ملاجئهم رغم ادعاءات تدمير قدرات حزب الله.
أما التفسير الثاني، وفق الرنتاوي، فهو تكثيف القتل والدمار في بيئات حزب الله ونازحي الجنوب ضمن سياسة "الصدم والترويع" واستراتيجية "الكي بالنار"، التي تعتمدها إسرائيل لترهيب المجتمعات في لبنان وفلسطين.
ويؤكد الرنتاوي أن نتنياهو يخشى الجولة الجديدة من المفاوضات المقررة في إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة، حيث تصر طهران على أن الاعتداء على لبنان يشكل خرقاً خطيراً للاتفاق وقد يستدعي رداً مماثلاً، الأمر الذي التقطته بيروت وحزب الله سريعاً لإفشال محاولة إسرائيل فصل المسارين.
محاولات لاستدامة الهدوء
ويشير الرنتاوي إلى أن دولاً عربية وإسلامية عديدة، إلى جانب المجتمع الدولي، تضغط لاستدامة الهدوء خشية انهيار الاتفاق الهش.
ويلفت الرنتاوي إلى أن نتنياهو يسابق الزمن لاستغلال الساعات الفاصلة بين وقف النار ومفاوضات إسلام آباد لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في لبنان، قبل أن تُفعَّل الضغوط الأمريكية على حكومته.
ويشير الرنتاوي إلى أنه في المقابل، تتجه الأنظار إلى رد حزب الله، الذي قد يتخلى عن سياسة ضبط النفس بعد الهجوم الذي طال قلب بيروت، وإلى موقف إيران التي تعتبر الهجوم خرقاً جسيماً، وقد تلجأ إلى تكتيك يستهدف إسرائيل دون توسيع المواجهة مع المصالح الأمريكية، مع إفساح المجال لوكلائها للتحرك.
ويرى الرنتاوي أن تلكؤ إيران في فتح مضيق هرمز يأتي كرسالة ضغط لإنهاء العدوان على لبنان، فيما تتحرك إسلام آباد عبر اتصالات مكثفة لاحتواء التصعيد.
ويشير الرنتاوي إلى أن نتنياهو، الذي يشعر بالخذلان بعد اتجاه ترمب لصفقة مع إيران "من وراء ظهره"، يسعى على الأقل لإغراق لبنان بالدمار في المسافة القصيرة الفاصلة عن المفاوضات، بعد أن تضاءلت فرصه في إسقاط الاتفاق بشكل كامل.
هدنة لا تؤسس لاتفاق دائم إلا بشروط
يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د. قصي حامد أن الهدنة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، التي تمتد لأسبوعين، تبقى هشة ومؤقتة، ولا تؤسس إلى اتفاق دائم إلا في حال تضمين كافة الملفات الإقليمية، بما في ذلك لبنان والجبهات الداعمة لإيران.
ويوضح حامد أن هذه الهدنة تمثل محاولة لإدارة الأزمة مؤقتًا، لكنها لا تعني عودة الاستقرار أو انتهاء المواجهات بين الطرفين، مشيراً إلى أن احتمالية استئناف الصدام قائمة بصيغ مختلفة وبتأثيرات سياسية وعسكرية متعددة.
المتغيرات السياسية في المنطقة
وحول المتغيرات السياسية في المنطقة، يشدد د. قصي حامد على ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، التباعد الأمريكي الأوروبي، حيث أظهرت الحرب الأخيرة انحياز الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب رفض واضح من الدول الأوروبية، بما فيها بريطانيا، المشاركة في النزاع، ما يعكس مسافة بين السياسات الأمريكية والسياسات الأوروبية.
الأمر الثاني وفق حامد، صمود إيران رغم الأضرار الاقتصادية والعسكرية، واستخدام قدرة الردع من خلال السيطرة على مضيق هرمز، الذي أصبح أداة استراتيجية للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل، ليشكل حائط صد أمام التوسع الإسرائيلي في المنطقة.
أما المحور الثالث وفق حامد، فهو إعادة تقييم دول الخليج لعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بعدما انكشف ضعف الحماية الأمريكية المزعومة، خصوصاً في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي ربطت الحماية الأمريكية بدفع الدول الخليجية أتاوة مقابل ذلك، وتبين أن القواعد العسكرية الأمريكية تهتم بحماية المصالح الامريكية وإسرائيل دون اكتراث بأمن الخليج، ما يمكن أن يدفع هذه الدول إلى إعادة النظر في استراتيجية التحالف مع الولايات المتحدة في المنطقة، وبطبيعة الحال يمكن أن ينعكس على اندفاع الولايات المتحدة وإسرائيل لتوسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية.
نجاح الاتفاق النهائي والجبهات الداعمة لإيران
وفي ما يخص الموقف الإسرائيلي، يرى حامد أن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تسعى لاستمرار الحرب لتحقيق أهدافها العسكرية، معتبراً أن أي فشل في الحرب مع ايران عن تحقيق اهدافها سينعكس سلباً على نتنياهو في الانتخابات المقبلة وعلى تحالفاته الداخلية، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويضع لبنان وجبهاته الداعمة لإيران في قلب الصراع.
ويشير حامد إلى أنه ليس من مصلحة إيران أن يبقى لبنان خارج أي اتفاق شامل، كون حزب الله دخل الحرب نتيجة دعم إيران، مشدداً على أن نجاح الاتفاق النهائي يعتمد على تضمين لبنان والجبهات الداعمة لإيران، إضافة إلى السيطرة على مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية، لضمان وقف الحرب بشكل كامل.
ويرى حامد أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تسعى لاستبعاد لبنان، لكن إيران تمتلك أوراق ضغط قوية تمنع ذلك، ما يجعل لبنان محورياً في أي تسوية مستقبلية.
ويرى حامد أن الشرق الأوسط ما بعد الهدنة يختلف عن ما قبلها، إذ لم تعد المنطقة رهينة لسياسات القوة الأمريكية وحدها، بل أصبحت منفتحة على توازنات جديدة بين القوى الإقليمية والدولية، بما يضمن الحد من تغولهما في المنطقة، وأساس ذلك إعادة النظر في التحالفات الأمنية والسياسية القائمة معهما.
بحث الولايات المتحدة عن آليات بديلة للضغط
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن هشاشة الهدنة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تصمد أو تؤدي إلى اتفاق حقيقي بسبب أسلوب واشنطن المعتمد على المناورات والخداع في إدارة أزماتها الإقليمية.
ويوضح الصباح أن الهدنة تمثل مهلة مؤقتة تمنح الولايات المتحدة الوقت لتجربة آليات بديلة لمواصلة الضغط على إيران دون الانخراط المباشر في مواجهات عسكرية، عبر استخدام وكلاء إقليميين أو قوى ثالثة، مع تجنب إعلان هزيمتها أمام طهران أو أمام قوى المقاومة.
ويشير الصباح إلى أن أي قبول بشروط إيران سيكون بمثابة إعلان هزيمة للولايات المتحدة، وهو ما تسعى لتجنبه، مؤكداً أن واشنطن ستواصل استخدام كل أشكال الخداع والمحاولات لإيجاد مخرج لأزمتها التي أصبحت أزمة عالمية بعد تحول مضيق هرمز إلى منطقة مغلقة بفعل العمليات الحربية، ما أثر بشكل مباشر على الملاحة البحرية والتجارة العالمية والاقتصاد الدولي.
استبعاد لبنان ضرر لإيران
ويرى الصباح أن نجاح الاتفاق في حال استبعاد لبنان من أي هدنة شاملة قد يكون مستحيلاً، لافتاً إلى أن ذلك سيضر بمكانة إيران الإقليمية ويقلل من نفوذها كقوة فاعلة وكقطب مؤثر على المستوى الإقليمي والدولي، ويضعف قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشير الصباح إلى أن إيران ترى في حماية حزب الله ولبنان جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لتثبيت دورها الإقليمي، وأن فتح مضيق هرمز مرتبط مباشرة بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، معتبراً أن أي تجاهل لهذا الملف قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق وعودة التصعيد العسكري في المنطقة.
مرحلة انتقالية شديدة التعقيد
يحذّر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د.حسين الديك من القراءة المتفائلة للهدنة الحالية بين واشنطن وطهران، مؤكداً أنها لا تعكس نهاية فعلية لجولة المواجهة الممتدة على مدار 41 يوماً، بل تمثل مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، أقرب إلى وقف إطلاق نار تكتيكي لا يرقى إلى مرتبة الخيار الاستراتيجي للطرفين.
ويشير الديك إلى أن استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، واستمرار تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وبعض الضربات على دول الخليج، واتساع فجوة الشروط التفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب انعدام الثقة البنيوي بينهما، كلها مؤشرات تدفع باتجاه مرحلة إقليمية جديدة لا توحي باستقرار قريب.
خمسة سيناريوهات محتملة
وانطلاقاً من هذا الواقع، يرسم الديك خمسة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع في الشرق الأوسط، تبدأ من الهدنة الممتدة وتنتهي بصفقة شاملة قد تغيّر وجه المنطقة بالكامل.
أول هذه السيناريوهات، وفق الديك، هو هدنة طويلة تُبنى عليها تفاهمات تدريجية عبر مفاوضات مرحلية تمتد من أسابيع إلى أشهر، وتشمل ملفات حساسة مثل البرنامج النووي الإيراني، والملاحة الدولية في مضيق هرمز، والعقوبات المفروضة على طهران منذ عقود. ويرى الديك أن هذا السيناريو مرهون بوساطات نشطة من باكستان وعُمان ودول أوروبية، وقد يؤدي إلى استقرار نسبي في أسواق الطاقة دون معالجة جذرية للأزمة.
أما السيناريو الثاني بحسب الديك، فيتمثل في هدنة هشة مهددة بالانهيار في أي لحظة، مع إمكانية عودة الاشتباك المباشر بين واشنطن وطهران بسبب إخفاق التفاوض النووي أو وقوع حادث أمني كبير، مثل استهداف سفينة أو قاعدة أمريكية، أو استمرار الضربات في لبنان والعراق.
ويحذر الديك من أن إسرائيل قد تستغل هذا المناخ لعرقلة أي مسار تفاوضي، ما يفتح الباب أمام مواجهة أوسع وارتفاع إضافي في أسعار الطاقة ودخول أطراف جديدة إلى ساحة الصراع.
ويذهب السيناريو الثالث وفق الديك، نحو تثبيت نمط "حرب الظل" عبر مواجهات منخفضة الحدة بالوكالة، تتضمن تصعيداً في العراق وسوريا، وتوتراً دائماً بين حزب الله وإسرائيل، وهجمات سيبرانية، وعمليات اغتيال نوعية.
ويرى الديك أن هذا السيناريو هو الامتداد الطبيعي للصراع الأمريكي–الإيراني، حيث تتجنب الأطراف المواجهة المباشرة المكلفة وتلجأ إلى أدوات الاستنزاف الطويل.
ويشير الديك إلى السيناريو الرابع، الذي يركز على احتمالات إعادة تشكيل النظام الإقليمي خلال فترة الهدنة، عبر صعود أدوار قوى وسيطة مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان، وبروز ما يسمى "تحالفات الضرورة" التي قد تجمع بين دول متخاصمة تحت ضغط المتغيرات.
ويلفت الديك إلى إمكانية نشوء تحالفات أمنية جديدة وتوازنات مختلفة تعيد توزيع القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.
ويصل الديك إلى السيناريو الخامس والأكثر طموحاً، وهو "الصفقة الشاملة"، التي تشمل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والعلاقة مع الوكلاء الإيرانيين، مقابل رفع كامل للعقوبات وفتح الباب أمام شراكات اقتصادية واسعة بين واشنطن وطهران.
فجوة عميقة بين مطالب الطرفين
لكن الديك يؤكد أن الفجوة العميقة بين مطالب الطرفين تجعل هذا السيناريو صعب التحقيق رغم أنه، إن نُفّذ، سيقود إلى استقرار طويل الأمد.
ويرى الديك أن الهدنة الحالية ليست سوى إدارة للأزمة، وأن المنطقة تقف أمام مرحلة "توازن عبر الفوضى"، إذ لا حرب حاسمة ولا سلام مستقر.
ويرجّح الديك أن تدفع القضية الفلسطينية ثمناً لهذه التحولات، في ظل ارتباط ملف لبنان فقط -خاصة سلاح حزب الله-بالمفاوضات الدولية التي تتضمن لأول مرة قبولاً إيرانياً ببحث مستقبل "اللاعبين غير الدوليين".
ويشير الديك إلى أن أي اتفاق نهائي سيشمل على الأرجح لبنان، وقد يفتح الباب لتحولات سياسية غير مسبوقة في علاقته مع إسرائيل.
وبذلك تبدو الهدنة، وفق الديك، مجرد استراحة قصيرة في مسار إقليمي مفتوح على تغيّرات عميقة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بكاملها.
حالة من عدم الاستقرار العميق
يوضح الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن منطقة غرب آسيا ما تزال تعيش حالة من عدم الاستقرار العميق منذ أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وما تبعها من عدوان أمريكي–إسرائيلي على إيران، وما ترافق معه مم توسّع دائرة المعركة بدخول حزب الله وفصائل المقاومة العراقية وأنصار الله في اليمن.
ويشير ياغي إلى أنه رغم دخول الهدنة الثنائية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية حيّز التنفيذ لمدة أسبوعين، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان ورفض تل أبيب إدراج الجبهة اللبنانية ضمن وقف إطلاق النار عزّز توصيف الهدنة بأنها "هشة".
توجه دولي نحو إنهاء المعركة في الخليج
ويرى ياغي أن التصريحات الصادرة عن الوسيط الباكستاني، والتي تحدثت صراحة عن وقف إطلاق نار بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تعكس توجهاً دولياً نحو إنهاء المعركة في الخليج، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز عقب الهجوم الأمريكي، وما تسبب به ذلك من صدمة اقتصادية عالمية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
ويشير ياغي إلى أن هذه التداعيات دفعت الولايات المتحدة، وتحديداً الرئيس دونالد ترمب، إلى البحث عن مخرج يجنبه تنفيذ تهديداته بضرب البنية التحتية للطاقة والجسور في إيران، وهو السيناريو الذي قد يؤدي إلى حرق الطاقة في كامل منطقة الخليج.
نافذة سياسية نحو اتفاق أوسع
وبحسب ياغي، فقد فتحت الهدنة الحالية نافذة سياسية نحو اتفاق أوسع قد يؤدي إلى وقف دائم للحرب.
ويتحدث ياغي عن أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الإقليم: اتفاق شامل ودائم بين الولايات المتحدة وإيران يشمل الخليج وغرب آسيا، وتمديد الهدن المتتالية بين الجانبين منعاً لعودة المواجهات واتساعها، وتجدد المعارك على نحو غير مسبوق، خصوصاً ضد منشآت الطاقة في الخليج، وهو ما يسعى الجميع لتجنبه، وبقاء حالة "اللا حرب واللا سلم" التي تفضّلها إسرائيل، رغم أنها ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وتوسّع المعركة مستقبلاً.
ويشير ياغي إلى أن المصالح المشتركة بين واشنطن وطهران تدفعهما نحو اتفاق يمنع مواجهة جديدة، ما سيؤسس –إذا تحقق– لواقع جيوسياسي جديد تحاول إسرائيل إحباطه، لأنه يعني صعود إيران كقوة إقليمية تتقاسم النفوذ مع القوى الكبرى، خصوصاً في الخليج والعراق، مع بقاء ساحة بلاد الشام مفتوحة أمام صراعات جديدة مرتبطة بالدور الإسرائيلي ومحاولة إعادة تشكيل الاصطفافات في سوريا ولبنان.
لبنان ضمن الاتفاق بضغط الوسطاء
وفيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، يؤكد ياغي أن الهدنة "تشمل لبنان أصلاً"، وفق ما قال الوسيط الباكستاني نصاً، لكن إسرائيل رفضت ذلك وواصلت ضرباتها التي أسفرت عن أكثر من 300 شهيد وآلاف الجرحى، مستفيدة من دعم أمريكي مباشر.
ويلفت ياغي إلى أن لبنان، تحت ضغط الوسطاء، سيدخل في نطاق الهدنة خلال وقت قصير، محذراً من أن تجاهل هذا المسار قد يدفع المنطقة نحو مواجهة تحاول إسرائيل توسيعها، في مقابل أن المقاومة ستستمر مهما فعلت إسرائيل.
المصدر:
القدس