آخر الأخبار

المحفظة الإلكترونية في فلسطين: حلول للأزمة أم مخاطر مالية؟

شارك

البروفيسور طارق الحاج: هناك غياب للوضوح بشأن اقتطاع هذه المدفوعات من الجزء الذي يُصرف للموظف أم من الجزء المتبقي في ذمة الحكومة

أيهم أبوغوش: الحديث عن المحفظة الإلكترونية تعبير عن عجز حكومي أكثر من كونه حلاً وكان ينبغي التأني وإنضاج الفكرة بتفاصيل أكثر وضوحاً

د. مؤيد عفانة: كل شيكل يمكن توفيره للموظف يعد إنجازاً وهذه المحفظة فكرة إبداعية لتعزيز صمود الموظفين بتقاسم الأعباء بين الحكومة ومزودي الخدمات

جعفر صدقة: أي مشروع من هذا النوع يجب أن يكون اختيارياً للموظفين وواضحاً قبل تنفيذه بدلاً من طرحه غير مكتمل أو دون تحديد الآليات والضوابط

د. ثابت أبو الروس: هذا النظام يهدف إلى تخفيف الأعباء المتراكمة على الموظفين لكنه يزيد الالتزامات التي سوف تتحملها الحكومة

محمد خبيصة: تعميم المحفظة الإلكترونية على التجزئة قد يؤدي إلى عدم قدرة الحكومة على سداد الديون المتراكمة ما سيدفع جزءاً منها للتعثر أو الانهيار

رام الله - خاص بـ"القدس"-


في ظل تراجع القدرة المالية للحكومة بسبب احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، يجري تداول فكرة المحفظة الإلكترونية كوسيلة لتسهيل دفع فواتير الموظفين الحكوميين عبر تطبيق رقمي على الهواتف المحمولة، لكن تلك الفكرة تحُفّها العديد من المخاطر.

ويوضح خبراء اقتصاديون ومختصون في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن فكرة المحفظة الإلكترونية للموظفين تهدف إلى ضمان استمرارية الخدمات الأساسية، حيث تقوم الحكومة بتسوية المدفوعات مع شركات الكهرباء والمياه والاتصالات، فيما يستطيع الموظف استخدام المحفظة دون الحاجة للنقد، ما يمثل خطوة نحو التحول الرقمي في ظل أزمة مالية خانقة.

إلا أن المشروع وفق الخبراء الاقتصاديين والمختصين، يواجه تحديات كبيرة، خصوصاً حول ما إذا كانت الخصومات ستُحسم من الرواتب الشهرية غير الكاملة أم من المستحقات المتراكمة على الحكومة لصالح الموظفين.

ويُحذر الخبراء والمختصون من توسيع نطاق المحفظة لتشمل القطاعات التجارية والتجزئة، لما قد يسببه ذلك من تراكم ديون إضافية على الحكومة وتهديد الاستقرار المالي للاقتصاد الفلسطيني، خاصة مع محدودية السيولة وعدم قدرة بعض القطاعات على تحمل أعباء إضافية.

ويشيرون إلى أن نجاح المحفظة الإلكترونية يعتمد على جاهزية البنية التحتية الرقمية، وضمان الأمن السيبراني، والتنسيق الكامل بين الحكومة، والموظفين، ومزودي الخدمات.


تطور مهم للتخفيف من آثار الأزمة القائمة


يؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور طارق الحاج أن الجدل الدائر في فلسطين حول مشروع المحفظة الإلكترونية للموظفين بالتحديد مبالغ فيه، مشيراً إلى أن هذه التقنية ليست جديدة عالمياً، بل مطبقة منذ ثمانينيات القرن الماضي في العديد من الدول.

ويشير الحاج إلى أن الفكرة تعتمد ببساطة على تطبيق يتم تحميله على الهاتف المحمول يتيح للمواطنين سداد أثمان الخدمات والمشتريات إلكترونياً، من دون الحاجة للتعامل النقدي المباشر.

ويبيّن الحاج أن النموذج المقترح في فلسطين يسمح لموظفي القطاع العام باستخدام التطبيق لتسديد فواتير الكهرباء والمياه والهاتف، بحيث تُخصم هذه المدفوعات من مستحقات رواتبهم، فيما تتولى وزارة المالية تسديد قيمتها مباشرة لمزودي الخدمات، وهو تطور مهم للتخفيف من آثار الأزمة القائمة.


غياب الوضوح


ويلفت الحاج إلى غياب الوضوح بشأن ما إذا كانت الوزارة ستقتطع هذه المدفوعات من الجزء الذي يُصرف للموظف—وهو 50% من راتبه—أم من الجزء المتبقي في ذمة الحكومة، الأمر الذي يثير لبساً ويحتاج إلى توضيحات رسمية.

ويشير الحاج إلى أن استخدام الدفع الإلكتروني ليس خاصاً بموظفي القطاع العام، بل يُفترض أن يشمل جميع المواطنين، كما هو الحال في دول مجاورة مثل الأردن، حيث تُعتبر المعاملات الإلكترونية شرطاً إلزامياً في العديد من الخدمات.


جزء من التزامات مفروضة من المانحين


ويؤكد الحاج أن التطور نحو الدفع الإلكتروني في فلسطين ليس خياراً محلياً فقط، بل هو جزء من التزامات مفروضة من المانحين الدوليين، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، الذين يشترطون التحول نحو أنظمة مالية رقمية أكثر شفافية، الأمر الذي يجعل تطبيق المحفظة الإلكترونية "استجابة مُلزمة لا مفر منها".

ويشير الحاج إلى أن القرار بقانون رقم (4) لسنة 2026، الذي يحظر تنفيذ أي معاملة نقدية تتجاوز 30 ألف شيكل، يأتي منسجماً مع هذا التوجه، ويعزز الحاجة إلى تسريع عملية الانتقال نحو الدفع غير النقدي.


عوائق محتملة


وفي سياق تقييمه للتحديات، يؤكد الحاج أن العائق الأول يتمثل في ضعف البنية التحتية الرقمية، وفي مقدمتها شبكات الاتصالات والأنظمة التقنية اللازمة لضمان أمن وسلاسة المدفوعات.

أما العائق الثاني وفق الحاج، فهو ضعف الوعي المجتمعي باستخدام الوسائل الإلكترونية، في حين يتمثل التحدي الثالث في ضرورة وجود تنسيق فعّال بين الأطراف الثلاثة: وزارة المالية، وموظفي القطاع العام، ومزودو الخدمات من شركات الكهرباء والمياه وغيرها.

ويشير الحاج إلى أن فلسطين متأخرة سنوات طويلة عن العالم في اعتماد نظم الدفع الإلكتروني، معتقداً أن المستقبل القريب سيشهد تراجعاً كبيراً في استخدام النقد الورقي، وأن تبني هذه الأنظمة سيصبح واقعاً لا يمكن تجنبه، داعياً إلى تسريع التحول لضمان جاهزية المواطنين والمؤسسات لهذا التغيير.


تقلّص الهامش أمام الحكومة يوماً


يقول الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش: "إن فكرة الحديث عن محفظة إلكترونية جاء أولاً في إطار التسريب الإعلامي (المقصود) للتخفيف من الاحتقان بعد مرور أكثر من أربع سنوات ونصف السنة لم تتقاض فيها فئة من الموظفين رواتب كاملة بسبب الأزمة المالية التي تمر بها السلطة، والتي تعمقت بعد السابع من أكتوبر 2023، بسبب احتجاز اسرائيل أموال المقاصة التي تشكل نحو 68% من إجمالي إيرادات الخزينة العامة، ودفعت الحكومة إلى استنفاد كافة أدوات الاستدانة محلياً، سواء من القطاع المصرفي أو من صناديق عامة أو عبر تسويات مع شركات وهيئات محلية، ولهذا فإن الهامش أمام الحكومة يتقلص يوماً بعد آخر في ظل استمرار الاحتلال باحتجاز أموال المقاصة دون وجود أفق للإفراج عنها".


تحرك لم ينضج بعد


ويشير أبو غوش إلى أن هذا التسريب جاء في إطار تحرك لم ينضج بعد وإن كان يسير قدماً، بمعنى أنه لم يرتق حتى اللحظة إلى اتفاق واضح المعالم بين الحكومة والشركات المزودة للخدمات والهيئات المحلية، كما أن الموظفين لم يعرفوا تفاصيل كافية حول طبيعية المحفظة وسقفها ومجالات استخدامها، والموعد المحدد لتفعيلها، وهل هي جزء من دفعة الراتب المحولة شهرياً أم زيادة عليها؟

ويرى أبو غوش أن الحكومة كان ينبغي عليها التأني وإنضاج الفكرة واقعاً بتفاصيل أكثر وضوحاً قبل الحديث عنها إعلامياً بصورة غير مكتملة، مشيراً إلى أن الحديث عن المحفظة الإلكترونية تعبير عن عجز حكومي أكثر من كونه حلاً.


عملية اقتراض بسقف معين


ويقول أبو غوش: "ضمن ما توفر من معلومات، فإن هذه المحفظة ليست رصيداً نقدياً مفتوح الاستخدام، وليست ترصيداً لمستحقات الموظفين المالية لاستخدامها رقمياً، وإنما هي أشبه بعملية اقتراض بسقف معين تقوم بها الحكومة من شركات القطاع الخاص والهئيات المحلية المزودة لخدمات الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، لضمان عدم انقطاع تلك الخدمات الأساسية عن الموظفين في هذه المرحلة الصعبة، مقابل احتساب ذلك ديوناً على الحكومة يتم التقاص معها لاحقاً حينما تتوفر السيولة النقدية، أو يتم التقاص بين الحكومة والشركات والهيئات إما بخصمها من الضرائب أو من ديون لصالح الحكومة".

ويعتبر أبو غوش أنها خطوة جيدة لو كانت تضاف إلى نسبة ثابتة ومستقرة من الراتب يتم صرفها، ولكن في الحقيقة هذه النسبة تتراجع شهراً بعد آخر، والأزمة المالية تدخل منعطفاً خطيراً جداً، ولذلك من المتوقع بعد وصول الدين العام والالتزامات لنحو (48) مليار شيكل حتى يناير/ كانون الثاني الماضي، منها 7.9 مليار شيكل مستحقات متأخرة لصالح الموظفين، وفي ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة، بل والعمل على تجفيفها، أن تزداد الأوضاع المالية تعقيداً، ولهذا ذهبت الحكومة إلى موازنة تعتمد على التدفقات النقدية".

ويشير أبو غوش إلى أن هذا يعطي مؤشراً مسبقاً أن نسب صرف الرواتب خلال الفترة المقبلة ستتراجع، ولن تزيد عن 50% في أفضل الأحوال ما يعني مزيداً من المعاناة لموظفي القطاع العام.

ويقول أبو غوش: "إن خطوة المحفظة الإلكترونية إن تمت فهي رصيد مالي محدود الاستخدام والسقف، ولا يمكن تسييله، ولا تغيير استخداماته، وإنما هي أشبه بشخص لا يملك مالاً، فيلجأ إلى الاستدانة من (بقالة) لتأمين بعض احتياجاته الأساسية ويقول لصاحبها (سجل على الدفتر)، على أن يقوم هو بالتسديد لاحقاً حينما تتحسن ظروفه المالية، ولكن المحفظة تأخذ وجهاً تجميلياً أفضل من خلال استخدامها عبر تطبيق إلكتروني".


مشروع يجري تطويره منذ أشهر


يؤكد الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن المحفظة الإلكترونية الرقمية للموظفين التي تعمل الحكومة على إطلاقها تطور مهم، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها الحكومة الفلسطينية، منذ قرار وزير المالية الإسرائيلي بتسلائيل سموتريش بتجميد تحويل إيرادات المقاصة في أيار 2025.

ويوضح عفانة أن الحديث عن المحفظة الإلكترونية للموظفين ليست مبادرة جديدة، بل مشروع يجري تطويره منذ أشهر ليكون أداة تعويضية تساعد الموظفين الحكوميين -مدنيين وعسكريين- على تغطية فواتيرهم الأساسية رغم تراجع الرواتب.

ويشير عفانة إلى أن الفكرة تقوم على توفير محفظة رقمية لكل موظف عبر تطبيق على الهاتف المحمول، تُستخدم لسداد فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات دون الحاجة إلى سيولة نقدية، بحيث تقوم الحكومة بتسوية هذه المدفوعات مع الهيئات المحلية والشركات المزودة عبر آلية تقاص داخلي.


تعزيز صمود الموظف ودعمه


ويؤكد عفانة أنه لو توفرت للحكومة سيولة كافية لما لجأت لهذه الفكرة، بل لرفعت نسبة الرواتب، لكن استمرار الخنق المالي الإسرائيلي وانخفاض القدرة على دفع الحد الأدنى البالغ 3500 شيكل دفعها إلى البحث عن بدائل تخفف العبء عن الموظفين.

ويبيّن أن الحكومة التاسعة عشرة نجحت خلال عامها الأول، في الالتزام بصرف 70% من الراتب، لكن بعد وقف المقاصة انخفضت النسبة والحد الأدنى، فجاءت المحفظة كنوع من التعويض لتأمين احتياجات أساسية لا يمكن للموظف الاستغناء عنها.

ويرى عفانة أن هذه الخطوة معقولة في هذا التوقيت، رغم أنها ستُفقد الحكومة جزءاً من الإيرادات عبر التقاص مع الشركات، لكنه يعتبر ذلك ثمناً مقبولاً مقابل تعزيز صمود الموظف ودعمه في ظل الظروف الصعبة.


تحديان مهمان


ويلفت عفانة إلى وجود تحديين رئيسيين أمام إطلاق المحفظة: التحدي الأول الشراكات مع الهيئات والشركات المحلية حيث أن التعامل مع عشرات الهيئات المحلية، وخمس شركات توزيع كهرباء، وشركات المياه والاتصالات، يتطلب جهوداً تنظيمية وتوافقات مالية وتشغيلية معقدة، وهو ما تعمل عليه الحكومة منذ فترة عبر حوارات موسعة مع هذه الجهات.

أما التحدي الثاني وفق عفانة، وهو اللوجستي الرقمي، إذ إن التطبيق سيخدم نحو 150 ألف موظف، وهو ما يستدعي بنية رقمية عالية الجاهزية، وربطاً آمناً بين أرصدة الموظفين لدى الحكومة وبين الشركات المزودة للخدمات. ويشدد عفانة على ضرورة توفير الأمن السيبراني، والموثوقية، وضمان سلامة التطبيق لمنع أي اختراق أو خلل تشغيلي.

ويؤكد أن كل شيكل يمكن توفيره للموظف يعد إنجازاً، وأن هذه المحفظة تمثل فكرة إبداعية لتعزيز صمود الموظفين عبر تقاسم الأعباء بين الحكومة والجهات المزودة للخدمات.

ويدعو عفانة إلى تشجيع شركات القطاع الخاص على الانضمام إلى هذه المنظومة في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، رغم ما قد تتعرض له من مخاطر مالية مرتبطة بالتقاص، معتبراً ذلك موقفاً وطنياً مطلوباً في الظروف الحالية.

ويؤكد عفانة أن نجاح المحفظة مرهون باستكمال الشراكات وضمان الجاهزية الرقمية، معرباً عن أمله أن يجري إطلاقها قريباً لتكون أداة دعم حقيقية للموظفين في مواجهة الأزمة المالية المستمرة.


مشروع يكتنفه غموض كبير


يرى المحرر الاقتصادي جعفر صدقة أن فكرة المحفظة الإلكترونية التي يجري الحديث عنها مؤخراً دون إعلان حكومي رسمي، ما زالت مشروعاً يكتنفه غموض كبير، سواء من حيث آلية التمويل أو آلية الخصم أو حتى انعكاساته على الموظفين والقطاع المصرفي.

ويشير صدقة إلى أن التجربة السابقة المتعلقة بقرار السماح بتسديد رسوم بعد الخدمات، بما فيها تأمين المركبات، من المستحقات تكشف جانباً من الإرباك المحتمل، إذ قامت وزارة المالية آنذاك بخصم رسوم التأمين من نسبة الراتب الشهرية المصروفة للموظفين، وليس من مستحقاتهم المتراكمة كما كان يفترض، ما خلق حالة من الاستياء وأظهر ضعفاً في تنفيذ مثل هذه الخطوات.

ويرى صدقة أن الفكرة غير واضحة حتى اللحظة، وأن الموظف لا يعرف ما إذا كانت خصومات المحفظة -في حال تطبيقها- ستتم من المستحقات فعلاً أم من الراتب الشهري المحدود أصلاً.


دعوة لأن يكون التطبيق اختيارياً


ويعتقد صدقة أن أي مشروع من هذا النوع يجب أن يكون اختيارياً للموظفين، وأن يُعرض عليهم بصورة واضحة قبل اتخاذ قرار تنفيذه، بدلاً من طرحه بشكل غير مكتمل أو دون تحديد الآليات والضوابط.

ويلفت إلى تقارير تحدثت عن احتمال إضافة خاصية سحب الراتب عبر المحفظة الإلكترونية، وهو سيناريو قد يتسبب بضرر كبير للبنوك، ليس فقط في ما يتعلق بملف القروض، بل أيضاً لأن ربحيتها تعتمد في جزء أساسي على علاقة العمل مع الحكومة وموظفيها ومورّدي الخدمات.

ويشير صدقة إلى أن البنوك عارضت في السابق خطوات حكومية حاولت تقليل الأعباء المالية عن الموظفين، سواء عبر خفض العمولات أو الفوائد.

ويرى صدقة أن المشروع –إنْ وُجد فعلياً– ما زال في بداياته، وأن أمامه عوائق كبيرة قد تحُول دون تطبيقه، سواء بسبب اعتراضات محتملة من الأطراف ذات العلاقة أو بسبب عدم وضوح آليات عمله، خصوصاً ما يتعلق بحق الموظف في الاستفادة من المستحقات عبر المحفظة أو احتمال تحميله أعباء إضافية على نسبة الراتب القليلة التي يتقاضاها حالياً.


التفاهم مع البنوك أمر مهم


ويشير صدقة إلى أن الحكومة، في حال رغبت بإطلاق المحفظة، ستكون مضطرة قبل ذلك إلى التفاهم مع البنوك لتجنّب أي رد فعل قد يعرقل المشروع.

وفي ما يخص الجاهزية التقنية، يلفت صدقة إلى أن جميع موظفي الحكومة -على الأغلب- يمتلكون بنية تحتية تسمح باستخدام تطبيقات من هذا النوع، غير أن المعيقات ليست فنية بالأساس، بل تتعلق بمصالح الأطراف المختلفة وبمدى انسجام المشروع مع احتياجات الموظفين.

ويؤكد صدقة أن المحفظة الإلكترونية قد تُقيّد الموظفين وتغلق أمامهم بعض الاستراتيجيات المالية التي يلجؤون إليها حالياً مثل تأجيل دفعات أو ترتيب التزامات وفق قدرتهم، وهو ما سيجعلها عرضة لمعارضة واسعة إذا ما ترتب عليها مزيد من الخصم من الرواتب أو تراجع في نسبة الصرف الشهرية.

ويشدد صدقة على أن المشروع ما زال غير ناضج، وأن العامل الحاسم سيكون بالإيضاحات الحكومية، ومدى قدرتها على تقديم نموذج مستدام وواضح يضمن عدم الإضرار بالموظفين أو المساس بتوازن العلاقة مع القطاع المصرفي.


منظومة منفصلة خاصة بسداد الفواتير


يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن ما يتم تداوله عن مشروع المحفظة الإلكترونية لفئة الموظفين، يمثل أحد أهم الابتكارات المالية التي تعمل عليها الحكومة ووزارة المالية في ظل ما وصفه وزير المالية سابقاً بـ"الأزمة الوجودية" التي تمر بها الخزينة. ويرى أبو الروس أن هذه الفكرة، رغم عدم الإعلان الرسمي عنها حتى الآن، تحمل أهمية كبيرة للاقتصاد الفلسطيني، وقد طُرحت سابقاً لكنها لم تُنفذ بسبب معوقات حالت دون تطبيقها في تلك المرحلة.

ويوضح أبو الروس أن مفهوم المحفظة الإلكترونية يقوم على أن تتولى الحكومة ضمان الدفعات لصالح شركات الكهرباء والمياه والاتصالات، فإذا أقرت الحكومة مثلاً دفع 60% من الرواتب، فإن هناك جزءاً آخر مخصصاً للمحفظة سيُوجه لسداد الفواتير الأساسية للموظفين، بحيث يحق لكل موظف استخدام المحفظة لدفع التزاماته الشهرية عبرها.

ويوضح أبو الروس أن المحفظة الإلكترونية لا تُعد جزءاً من دفعة الرواتب، بل منظومة منفصلة خاصة بسداد الفواتير الثلاث: الكهرباء والمياه والاتصالات.


تخفيف الأعباء المتراكمة على الموظفين


ويبيّن أبو الروس أن هذا النظام يهدف أيضاً إلى تخفيف الأعباء المتراكمة على الموظفين، ولكنه يزيد الالتزامات التي ستتحملها الحكومة، ما يجعل المشروع بحاجة إلى ترتيبات دقيقة قبل إطلاقه.

ويوضح وجود عائقين رئيسيين يعيقان تطبيق المحفظة حالياً: العائق التكنولوجي حيث يزيد عدد موظفي القطاع العام عن 150 ألف موظف، ما يعني الحاجة إلى إنشاء 150 ألف محفظة إلكترونية بضمانات عالية من الأمن السيبراني لحماية البيانات ومنع الاختراقات، كما أن بناء هذه المنظومة يتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً تقنية كبيرة.

أما العائق الثاني وفق أبو الروس، فيتمثل بتعاون الشركات المزودة للخدمات، إذ تجري مفاوضات "قاسية" بين الحكومة وشركات الكهرباء والمياه والاتصالات، لأن الفكرة تجعل وزارة المالية مسؤولة عن التحصيل المالي لصالح تلك الشركات، ما يزيد التزاماتها المالية ويفرض ترتيبات جديدة على آليات الدفع والاسترداد.


بعض تخوفات الموظفين


ويوضح أبو الروس أن الموظف لن يخسر أي حق مالي إذا لم يستخدم المحفظة، حيث سيُرصَد المبلغ غير المستخدم في حساب المستحقات الخاصة به، كما أنه لن تُفرض عمولات على استخدام المحفظة وفق التقديرات الحالية.

أما حول إن كان السداد سيتم من الراتب الشهري أم من المستحقات المتراكمة، فيشير أبو الروس إلى أن الأثر واحد في كلتا الحالتين، لأن عدم استخدام المحفظة يعني ترصيد المبلغ للموظف، فيما استخدامها يخصم ما يُدفع من مستحقاته أو راتبه بحسب ترتيب وزارة المالية.

وفيما يخص السقف المالي للمحفظة، يؤكد أبو الروس أنه لم يُحدد بعد، وأن العمل يجري لوضع الحدود المالية المناسبة للفائدة من الخدمة.

ورغم استمرار المشاورات والاجتماعات، يؤكد أبو الروس أنه لا يوجد جدول زمني واضح لإطلاق المحفظة، نظراً لارتباط المشروع بجاهزية البنية التكنولوجية واستكمال المفاوضات مع الشركات، متوقعاً أن يستغرق الأمر عدة أشهر قبل الوصول إلى صيغة نهائية تسمح بتفعيلها رسمياً.


مخاطر تعميم المحفظة الإلكترونية


يوضح الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي محمد خبيصة أن تطبيق المحفظة الإلكترونية على الموظفين قد يكون خطوة مجدية في بعض القطاعات فقط، بينما قد يتحول إلى أزمة مالية موسّعة إذا تم تعميمه على قطاعات هشة، خصوصاً أسواق التجزئة.

ويرى أن فعالية هذا النظام ترتبط بقدرة القطاعات الخدمية على إجراء عمليات تقاص مالية مباشرة مع الحكومة الفلسطينية، خلافاً لقطاعات أخرى قد تتعرض لمخاطر مالية كبيرة في حال دخولها ضمن النظام دون دراسة معمّقة.

ويبيّن خبيصة أن القطاعات الخدمية -خاصة شركات الكهرباء- ترتبط مالياً بشكل مباشر مع الحكومة عبر الضرائب والرسوم مثل ضريبة القيمة المضافة، ومع اعتماد المحفظة الإلكترونية، تصبح عملية تبادل الالتزامات بين هذه القطاعات والحكومة أسهل، إذ تحصل الشركات على مستحقاتها وتقدّم ما عليها للحكومة ضمن آليات مقاصة واضحة، سواء في نهاية الشهر أو الأسبوع أو وفق ترتيبات تُتفق عليها مسبقاً.


المحفظة تمنح الحكومة ميزتَين

ويعتبر خبيصة أن هذه الخطوة تتيح للحكومة ميزتين أساسيتين: التخفيف عن الموظف العمومي عبر تسهيل دفع التزاماته، وضمان تحصيل الحكومة لمستحقاتها بصورة منظمة من خلال الخدمات التي يحصل عليها الموظفون.

لكن خبيصة يشدّد على أن الخطر الحقيقي يكمن في توسيع نطاق المحفظة لتشمل قطاعات مثل السلع الاستهلاكية وأسواق التجزئة، وهي قطاعات لا تمتلك القدرة المالية لتحمل ديون كبيرة تجاه الحكومة.


محاذير في ظل شح السيولة


ويوضح خبيصة أن إدخال هذه الأسواق في منظومة المحفظة قد يؤدي إلى نشوء أزمة دين مركّبة، لأن الحكومة أصلاً غير قادرة على سداد نحو 90% من ديونها الحالية بسبب شح السيولة، فهي غير قادرة على دفع أقساط وفوائد ديون القطاع المصرفي، كما تراكمت عليها ديون كبيرة لصالح الموظفين العموميين الذين ينتظر بعضهم 11 راتباً متراكماً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.


مخاطر عدم القدرة على سداد الدين


ويحذّر خبيصة من أن تعميم المحفظة الإلكترونية على التجزئة قد يؤدي إلى عدم قدرة الحكومة مستقبلاً على سداد الديون المتراكمة لصالح أصحاب المتاجر، ما سيدفع جزءاً منها إلى التعثر أو الانهيار، نظراً لعدم تمتعه بالملاءة المالية أو القدرة على تحمّل الديون مثل بعض القطاعات الأخرى، وعلى رأسها القطاع الصحي الذي راكم مستحقات كبيرة على الحكومة خلال السنوات الماضية وتمكّن من الاستمرار بصعوبة.


القطاع الخاص وعدم المقدرة على المجازفة


ويشير خبيصة إلى أن القطاع الخاص -الذي يشكل اليوم "صمام الأمان الأخير" للاقتصاد الفلسطيني- لا يملك ترف المجازفة بدخول نظام قد يهدد استقراره، فقبل نحو ثلاث سنوات كانت العمالة الفلسطينية في إسرائيل ورواتب الموظفين الحكوميين تشكلان الدعامة الأساسية للاقتصاد عبر ضخ ما يزيد عن 1.5 مليار شيكل شهرياً، أما اليوم فقد تراجع هذا الدور بقوة، وباتت الشركات الفلسطينية هي الطرف الوحيد الذي يحافظ على نبض الاقتصاد، ما يجعل أي قرار يتعلق بالمحفظة الإلكترونية حساساً للغاية.

ويؤكد خبيصة أن على القطاع الخاص أن يكون بالغ الحذر في قبول أو رفض أي مقترح حكومي للانضمام إلى المحفظة الإلكترونية، لأن السيناريوهات الحالية تُظهر بوضوح أن الحكومة لا تملك السيولة الكافية لسداد الديون المحتملة التي ستنشأ نتيجة استخدام الموظفين للمحفظة، وهو ما قد يهدد بحدوث تدهور واسع في قطاع التجزئة، ويعمّق أزمات الاقتصاد الفلسطيني بدل تخفيفها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا