آخر الأخبار

انتشار القوارض في غزة: أزمة صحية تهدد النازحين في الخيام

شارك

لم يعد الخوف في قطاع غزة مقتصرًا على أصوات الانفجارات والغارات الجوية، بل امتد ليشمل زوايا الخيام المظلمة حيث باتت القوارض والجرذان تشارك النازحين أدق تفاصيل حياتهم. في مخيم الجوازات بمدينة غزة، يروي الطفل نوح الخور تجربة مريرة حين تسلل جرذ كبير إلى ملابسه، مما تسبب له بصدمة نفسية وتشنجات عصبية جعلته يرفض مغادرة خيمته بعد غروب الشمس.

وتصف والدة نوح الواقع المرير الذي يعيشه سكان المخيمات، حيث أصبحت رؤية القوارض وهي تقفز فوق الوسائد وتعبث بأواني الطعام مشهدًا يوميًا معتادًا. وتضطر العائلات لإغلاق فتحات الخيام بالحجارة وقطع القماش المهترئة في محاولة يائسة لصد هجمات الجرذان التي لا تجد عائقًا يمنعها من الدخول، وسط غياب تام لأدنى مقومات الأمان الصحي.

وفي مشهد آخر من المعاناة، يقضي أشرف أبو الخير ليله في حالة يقظة تامة، حيث يتناوب مع زوجته السهر لحماية طفليهما من القوارض التي تخرج من جحور تحت الرمال. ويؤكد أشرف أن المعركة الليلية مع الفئران أصبحت تستنزف طاقته الجسدية والنفسية، خاصة مع قدرة هذه الكائنات على اختراق كافة التحصينات البدائية التي يضعها حول مؤن الطحين.

أما في حي اليرموك، فقد اضطرت أم يحيى الأشقر لاستئجار منزل صغير رغم ضيق حالها المادي، خوفًا على حياة ابنها المصاب بمرض السكري المزمن. وتخشى الأم من تعرض ابنها لعضة جرذ قد لا يشعر بها بسبب مرضه، مما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة والتهابات يصعب التئامها في ظل تدهور المنظومة الصحية بالقطاع.

من جانبه، حذر أيمن أبو رحمة، مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة، من أن قطاع غزة يعيش 'مكرهة صحية' أدت لانتشار القوارض بشكل غير مسبوق. وأرجع أبو رحمة هذه الظاهرة إلى ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في تراكم أطنان النفايات، وتدمير البنية التحتية لشبكات الصرف الصحي، ووجود آلاف الجثث المتحللة تحت الركام.

وأشار المسؤول الصحي إلى تزايد مطرد في أعداد الإصابات التي تصل للعيادات جراء عضات القوارض، خاصة بين الأطفال وكبار السن. وأوضح أن هذه العضات تتسبب في جروح عميقة والتهابات بكتيرية، فضلاً عن خطر نقل الأمراض عبر البول والفضلات، مما يزيد من تعقيد الرعاية الصحية المنهكة أصلاً بفعل الحرب.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر في بلدية غزة أن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال مادة 'الرطريم' السامة، وهي المادة الأساسية التي كانت تُستخدم لمكافحة القوارض قبل الحرب. هذا المنع جعل محاولات السيطرة على تكاثر الجرذان تبوء بالفشل، في ظل انعدام البدائل الكيميائية الفعالة والمتاحة محلياً.

القوارض لا تتوقف عن الدخول والخروج، أجدها تقفز على الوسائد وتخرج من كل مكان.. كيف يمكن لي أن أحمي أطفالي؟ هل يمكنني أن أضع باباً للخيمة!

ويشكل مكب النفايات الحالي وسط مدينة غزة بيئة خصبة لتكاثر هذه الآفات، حيث يحتوي على قرابة 300 ألف كوب من النفايات المتراكمة. وأوضح محمد العشي، رئيس قسم ترحيل النفايات أن البلدية فقدت 80% من أسطولها ومعداتها، مما جعل عمليات الطمر الصحي أو المعالجة العلمية للنفايات أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.

كما تساهم شبكات الصرف الصحي المدمرة في تفاقم الأزمة، إذ تحولت المجاري المفتوحة إلى ممرات آمنة لتزاوج وتسلل القوارض نحو خيام النازحين. ويحاول الفنيون إغلاق هذه الفتحات باستخدام مواد بدائية مثل ألواح الزنك أو الإسمنت منتهي الصلاحية، إلا أن هذه الحلول تظل مؤقتة ولا تصمد طويلاً أمام أعداد القوارض المتزايدة.

وعلى صعيد الدفاع المدني، كشف الناطق باسم الجهاز محمود بصل عن وجود نحو 8500 جثمان متحلل لا تزال تحت أنقاض المنازل المدمرة في مختلف مناطق القطاع. وتعتبر هذه الجثامين مصدراً مباشراً لجذب القوارض وانتشار الأوبئة، مما يحول ركام المنازل إلى بؤر خطر بيئي تهدد حياة الناجين القاطنين بالقرب منها.

وتواجه البلديات تحديات هائلة في الوصول إلى المكبات الرئيسية الحدودية، مثل منطقة جحر الديك، بسبب المخاطر الأمنية واستهداف طواقم العمل. هذا الوضع أجبر البلدية على ترحيل النفايات إلى مكبات مؤقتة قريبة من التجمعات السكانية، مما زاد من حدة الأزمة الصحية وتفشي الروائح الكريهة والحشرات والقوارض.

ويناشد المسؤولون في غزة المؤسسات الدولية والمنظمات الصحية بالضغط الفوري على سلطات الاحتلال للسماح بإدخال معدات النظافة والمبيدات الحشرية والسموم اللازمة. ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى كارثة وبائية لا يمكن السيطرة عليها.

إن 'الحرب الصامتة' التي تشنها القوارض على أجساد وأعصاب الغزيين تضاف إلى سلسلة طويلة من المعاناة اليومية التي يفرضها الحصار والعدوان. فبينما يبحث العالم عن حلول سياسية، يجد النازح في غزة نفسه مضطراً لخوض معركة بقاء ضد كائنات صغيرة تهدد أمنه داخل خيمته البسيطة.

وفي ختام المشهد، يبقى الطفل نوح وأقرانه رهائن لهذا الواقع المرير، حيث يفتقدون أبسط حقوقهم في النوم بأمان داخل بيوتهم. وتظل صرخات الأمهات وتوجسات الآباء شاهدة على حجم المأساة البيئية التي خلفتها الحرب، والتي قد تمتد آثارها الصحية لسنوات طويلة إذا لم يتم التدخل العاجل.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا