تشهد مدينة القدس المحتلة مفارقة صارخة في إدارة المسجد الأقصى المبارك، حيث تتسع ساحة البراق أمام المصلين اليهود وتُرفع القيود عن أعدادهم، بينما تنعدم المساحة المتاحة للمسلمين للصلاة منذ نهاية فبراير الماضي. ويعكس هذا المشهد محاولة إسرائيلية ممنهجة لإعادة ترسيم حدود الحضور الديني في أولى القبلتين، مستغلة الظروف الراهنة لفرض واقع جديد.
وفي خطوة وُصفت بالاستفزازية، نفذ وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اقتحاماً للأقصى مساء الاثنين، بهدف التمهيد لسياسات جديدة تمنح المستوطنين امتيازات إضافية. وقد أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية مؤخراً زيادة عدد المصلين اليهود عند حائط البراق من 50 إلى 100 شخص، استجابة لالتماسات تطالب بتوسيع نطاق الصلوات التلمودية.
ورصدت مصادر ميدانية اصطفاف عشرات المستوطنين في طوابير طويلة أمام باب الخليل بالبلدة القديمة، تمهيداً لعبورهم نحو ساحة البراق لأداء طقوس خاصة بعيد الفصح اليهودي. وتأتي هذه الحشود في وقت تواصل فيه شرطة الاحتلال تضييق الخناق على الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى المسجد الأقصى، مما يحول الساحات إلى مناطق شبه خالية من أصحابها.
واتفق الوزير المتطرف بن غفير مع قيادة الشرطة على آلية جديدة لفتح المسجد الأقصى أمام مجموعات صغيرة لا تتجاوز 150 شخصاً في الجولة الواحدة. ويرى مراقبون أن هذا الإجراء يهدف إلى مساواة عدد المصلين المسلمين بالمقتحمين المستوطنين، وهو ما يعد قفزة خطيرة نحو التقسيم الزماني والمكاني الفعلي للمسجد.
من جانبه، أكد الباحث الأكاديمي ساهر غزاوي أن هذه الممارسات تندرج ضمن مسار متسارع يسعى الاحتلال من خلاله إلى فرض وقائع ميدانية تستند إلى روايات دينية موظفة سياسياً. وأوضح غزاوي أن سلطات الاحتلال تستغل حالة الطوارئ بصورة انتقائية، حيث تُطبق القيود على الفلسطينيين بينما يتم تسهيل حركة المستوطنين وحشودهم في محيط البلدة القديمة.
وأضاف غزاوي أن اقتحام بن غفير الأخير يمثل خطوة سياسية مقصودة لتمهيد الطريق أمام تكثيف الاقتحامات الجماعية تزامناً مع انتهاء أعياد الفصح. ويتزامن ذلك مع تصاعد التضييق على دائرة الأوقاف الإسلامية وموظفيها، في محاولة واضحة لانتزاع صلاحياتها وتقليص دورها التاريخي في إدارة شؤون المسجد الأقصى.
وتشير التطورات الحالية إلى دفع الاحتلال باتجاه مرحلة متقدمة من مشروع السيطرة الكاملة، مدفوعاً بخطاب ديني متطرف يوظف الأساطير لتبرير تغيير الوضع القائم. ويستغل قادة الاحتلال حالة الضعف الإقليمي والانشغال الدولي لتمرير هذه المخططات التي تستهدف هوية القدس العربية والإسلامية بشكل مباشر.
وحذرت مؤسسة القدس الدولية من أن قرار تحديد عدد المصلين بـ 150 شخصاً هو 'ذر للرماد في العيون' ويهدف لتعميق تقسيم المسجد. وأوضحت المؤسسة أن هذا العدد لا يملأ صفاً واحداً في الجامع القبلي، مما يعني عملياً إبقاء المسجد مغلقاً أمام المسلمين ومفتوحاً بالكامل أمام الاقتحامات المنظمة للمستوطنين.
واعتبرت المؤسسة أن فتح المسجد للمقتحمين في العيد اليهودي بعد إغلاقه طوال شهر رمضان وعيد الفطر يثبت توظيف الحرب لتبديل هوية الأقصى. كما انتقدت تفويض المحكمة العليا للوزير بن غفير بالتحكم في شؤون المسجد، معتبرة ذلك إلغاءً صريحاً للدور الأردني والوصاية الهاشمية على المقدسات.
ووجهت الهيئات المقدسة نداءً لجماهير الشعب الفلسطيني بضرورة الزحف نحو المسجد الأقصى وكسر الحصار المفروض عليه عبر الصلاة عند الأبواب والأعتاب. وشددت على أن فرض فتح المسجد دون قيد أو شرط هو واجب الوقت لمواجهة محاولات التهويد التي بلغت مستويات غير مسبوقة من الخطورة.
ختاماً، يبقى المسجد الأقصى رمزاً سيادياً وحضارياً جامعاً للأمة، حيث تتقاطع عنده الهوية والوجود الفلسطيني في مواجهة آلة الاحتلال. وتفرض التحولات الجارية ضرورة استعادة الفعل الشعبي والرسمي للتصدي لمشاريع التقاسم التي تسعى لتحويل المسجد إلى مقدس مشترك تمهيداً للسيطرة الكاملة عليه.
المصدر:
القدس