آخر الأخبار

العنصرية ضد الفلسطينيين في سوريا: أبعاد التحريض والمخاطر

شارك

يشهد الفضاء الرقمي السوري مؤخراً تصاعداً مقلقاً في لغة الخطاب المنحدرة التي تستهدف الوجود الفلسطيني في سوريا، حيث تزامنت هذه الموجة مع مظاهرات التضامن مع الشعب الفلسطيني وأسراه. وقد حاول البعض ربط التحركات الشعبية السورية بأجندات خارجية، مدعين أن الفلسطينيين المحسوبين على تيارات معينة هم من يحركون الشارع السوري لأهداف خاصة.

تجلت هذه التوترات بشكل واضح عقب الهجوم الذي شنه البعض على سفارة دولة الإمارات في دمشق، رداً على اعتقال قيادات عسكرية سورية سابقة. وبدلاً من حصر الحدث في سياقه السياسي أو الأمني، سارع البعض لاتهام اللاجئين الفلسطينيين بالوقوف وراء هذه الفوضى، مما يعكس رغبة في تحميلهم مسؤولية الأزمات الداخلية.

الحقيقة الميدانية تشير إلى أن مظاهرات مخيم اليرموك التي خرجت نصرة للأسرى الفلسطينيين كانت منضبطة تماماً والتزمت بحدود المخيم الجغرافية وشعاراتها الوطنية الصرفة. إن محاولة خلط الأوراق بين حراك المخيمات وبين الاحتجاجات في دمشق أو الجنوب السوري تفتقر إلى الدقة وتهدف فقط إلى شيطنة الوجود الفلسطيني.

لا يحتاج السوريون، الذين يواجهون اعتداءات إسرائيلية متكررة على أراضيهم، إلى تحريض من أي طرف للتعبير عن وطنيتهم أو تضامنهم مع القضايا العادلة. فالدفاع عن الأرض والكرامة هو فعل غريزي نابع من صلب الهوية السورية، ولا يمكن اختزاله في كونه مجرد استجابة لمؤثرات فلسطينية أو إيرانية كما يروج البعض.

إن الإفصاح عن هذه العنصرية الرديئة من قبل بعض المحسوبين على النخب الثقافية أو السياسية يكشف عن خلل عميق في فهم طبيعة الصراع. هذه الثقافة الانعزالية ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لترسبات قديمة حاولت الأنظمة المتعاقبة ترسيخها لتفتيت النسيج المجتمعي المشترك.

من المؤسف أن يتم تصوير التضامن الشعبي السوري مع فلسطين كجزء من 'مؤامرة' أو أجندة غير وطنية، في وقت تتعرض فيه البلاد لتهديدات وجودية. إن الدعوات لطرد الفلسطينيين أو تسخيف مطالبهم تعكس حقداً دفيناً يتجاهل عقوداً من العيش المشترك والمصير الواحد في مواجهة الاحتلال.

لقد امتزجت الدماء الفلسطينية والسورية في خنادق المواجهة وفي أقبية التعذيب على حد سواء، وتشهد 'حفر الإعدام الجماعي' في حي التضامن ومخيم اليرموك على وحدة المعاناة. إن القفز فوق هذه التضحيات المشتركة ومحاولة مسح الذاكرة الجمعية هو فعل فاجر يخدم بالدرجة الأولى أعداء الشعبين.

إن ثقافة العنصرية الانعزالية تعاني من ضعف مزمن منذ عقود، وتجد اليوم في القضية الفلسطينية شرفة لنشر غسيلها القذر.

تطل علينا اليوم شعارات مثل 'سوريا أولاً' في سياق تحريضي يهدف إلى عزل السوريين عن محيطهم القومي والإنساني. هذا التوجه يستدرج أدوات مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر من الاحتلال الإسرائيلي لصب الزيت على النار، بحجة الحفاظ على مصلحة الدولة وتجنب المواجهة.

المفارقة تكمن في أن المروجين لهذا الخطاب يتجاهلون الأطماع الإسرائيلية المعلنة في الأراضي السورية، بما في ذلك السعي لإنشاء أحزمة أمنية ومستوطنات جديدة. فبينما ينشغل المحرضون بمهاجمة الفلسطينيين، تستمر إسرائيل في قضم السيادة السورية وتوسيع نفوذها العسكري والميداني دون رادع.

إن الحراك السوري ضد العدوان الإسرائيلي هو حراك وطني بامتياز، ولا يحتاج إلى 'مندسين' أو 'متآمرين' لتبرير وجوده في الشارع. محاولة وصم كل فعل مقاوم بـ 'التأيرن' أو التبعية للخارج هي محاولة بائسة لهدم الذاكرة الوطنية التي بنيت على أسس العدالة والحق التاريخي.

لا يمكن إنكار خطورة المرحلة الحالية التي تسعى فيها إسرائيل لتحقيق سحق شامل للمقاومة، واستخدام ذلك كسلاح لجلد الذات العربية. إن ارتباك الوضع الداخلي في سوريا، اقتصادياً وأمنياً، هو نتاج مباشر للعدوان والسياسات الفاشلة، وليس بسبب القضية الفلسطينية كما يدعي 'المتحذلقون'.

تذكرنا حملة التحريض الحالية بالعنصرية التي يواجهها السوريون أنفسهم في بلاد اللجوء، مما يجعل ممارستها ضد الفلسطينيين نوعاً من التناقض الأخلاقي الصارخ. إن الفاشية الصهيونية التي تنظر للعرب جميعاً كأعداء لا تفرق بين سوري وفلسطيني، وهي المرآة التي يجب أن نرى فيها حقيقة عدونا.

يجب الحذر من تضخيم قدرة سكان المخيمات على تحريك المدن السورية، لأن هذا الادعاء يهدف فقط لتبرير القمع أو التحريض العنصري. إن الرهان على وعي الشعبين السوري والفلسطيني هو السبيل الوحيد لإفشال هذه المخططات التي تسعى لتمزيق ما تبقى من روابط العروبة والجوار.

ختاماً إن المعركة الحقيقية هي ضد الاحتلال وأدواته التي تحاول تزييف الوعي ونشر الكراهية بين الإخوة. إن الحفاظ على البوصلة نحو فلسطين لا يعني إهمال الشأن السوري، بل هو تأكيد على أن الحرية والعدالة لا تتجزأ، وأن المصير المشترك أقوى من كل خطابات التحريض العابرة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا