آخر الأخبار

مهلة ترمب لإيران: هل تتجه المنطقة نحو المواجهة؟

شارك

د. عقل صلاح: ترمب يسعى لاستخدام القوة العسكرية لإجبار إيران على التفاوض تحت النار وقبول شروطه لإعلان "نصر سياسي" ينهي الحرب دون الاعتراف بالرضوخ لطهران
أكرم عطا الله: رغم أن ترمب عُرف بقدرته على اتخاذ قرارات غير متوقعة لكن الظروف الحالية تشير بوضوح إلى وجود رغبة وإمكانات تدفعان نحو المواجهة
د. رهام عودة: تجاهُل إيران مهلة ترمب قد يدفعه إلى إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لاستهداف منشآت الغاز والنفط الإيرانية ليقابله رد على مصادر الطاقة في الخليج
نبهان خريشة: المهلة محاولة عاجلة لمعالجة ارتدادات الأزمة دون أن تتحول أزمة الطاقة لأزمة سياسية تؤثر على حظوظ الحزب الجمهوري بانتخابات الكونغرس النصفية
د. فادي جمعة: ترمب يعتمد استراتيجية رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى بهدف دفع إيران نحو مقاربة تفاوضية جديدة تتماشى مع شروط محسّنة لصالح واشنطن
سري سمور: استمرار الضغط على إيران سوف يدفعها نحو ضرب منابع النفط ورفع أسعار الطاقة بشكل غير مسبوق ويضع المنطقة والعالم أمام أخطر مرحلة

رام الله - خاص بـ"القدس"-


تمثل المهلة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإيران مدة 48 ساعة تنتهي مساء اليوم، محطة مركزية في مسار الأزمة مع إيران، إذ يسعى ترمب من خلالها إلى فرض إيقاع جديد يضمن له استعادة زمام المبادرة بعد تراجع نفوذ واشنطن في ملف مضيق هرمز.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الخطوة تحمل بعداً سياسياً أكثر منه عسكرياً، وتهدف إلى دفع طهران نحو القبول بشروط تفاوضية مشددة يمكن لواشنطن تقديمها كإنجاز استراتيجي.
وتكتسب هذه المهلة أهميتها مع استمرار إيران في استخدام موقعها الجغرافي وسيطرتها على مضيق هرمز، كورقة ضغط مؤثرة على حركة الطاقة العالمية، ما وضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات اقتصادية وأمنية دفعتها إلى رفع مستوى التهديد، كما أن هذا الواقع يرسخ فكرة أن واشنطن باتت بحاجة إلى تغيير قواعد اللعبة بسرعة قبل أن تتعمق خسائرها السياسية والاقتصادية.
ويشيرون إلى أنه مع اقتراب انتهاء المهلة، تبدو السيناريوهات مفتوحة بين تفاهم محدود يخفف التوتر مؤقتاً، أو ضربة عسكرية محسوبة تهدف لإعادة رسم خطوط النفوذ في المنطقة، وبين هذين الاحتمالين، تبدو المهلة محاولة أخيرة لترمب لإجبار إيران على التراجع دون الانزلاق نحو مواجهة واسعة قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله.


حالة التبريد السياسي الداخلي

يؤكد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د. عقل صلاح أن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه إيران ليست جديدة، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من أسلوبه السياسي القائم على التصريحات المتناقضة والوعيد المتكرر، وذلك بهدف خلق حالة من "التبريد السياسي" داخلياً وخارجياً، وإظهار نفسه وكأنه يحقق إنجازات في الملف الإيراني الذي تحول إلى عبء كبير على إدارته.
ويوضح صلاح أن واشنطن وجدت نفسها متورطة في حرب تفتقر إلى الإجماع الدولي، وتواجه خلافات واسعة حول جدوى استمرارها، الأمر الذي أضعف صورة الولايات المتحدة على الساحة العالمية.

محاولة ترمب إعادة الاعتبار لصورته

ويرى صلاح أن إيران، عبر إغلاق مضيق هرمز، تمكنت من توجيه ضربة مباشرة لهيبة القوة الأمريكية التقليدية، ما دفع ترمب لإطلاق تهديدات جديدة وفرض مهلة زمنية بهدف إعادة الاعتبار لصورته الشخصية ولصورة بلاده التي باتت غير قادرة على فرض إرادتها على طهران.
ويشير صلاح إلى أن ترمب يسعى لاستخدام القوة العسكرية لإجبار إيران على التفاوض تحت النار وقبول شروطه، حتى يتمكن من إعلان "نصر سياسي" ينهي الحرب دون الاعتراف بأن الولايات المتحدة وإسرائيل رضختا لضغط طهران.

ويؤكد صلاح أن الوقت لا يعمل لصالح ترمب، فالحرب طالت، وصورة أمريكا ازداد اهتزازها، كما تعرضت قواعدها في الخليج لخسائر واضحة، وتضرر الاقتصاد العالمي والأمريكي بسبب إغلاق هرمز، خصوصاً بعد فرض إيران رسوماً جديدة على مرور السفن، وهو ما يعد إهانة سياسية لواشنطن ونقطة قوة لطهران.

سياسة إيران بـ"التعامل الذكي" مع هرمز

وبحسب صلاح، فقد اعتمدت إيران سياسة "التعامل الذكي" مع المضيق، فسمحت بمرور سفن الدول الصديقة ومنعت السفن التابعة للدول المشاركة في الحرب، وخاصة الأمريكية والإسرائيلية، ما عزز سيطرتها على الممر البحري ووضع الولايات المتحدة أمام مأزق استراتيجي.
ويشير صلاح إلى أن تصريحات ترمب المتناقضة حول المضيق – بين التهديد المباشر، والدعوة للدول الأخرى إلى فتحه، ثم العودة للوعيد – تعكس حالة ارتباك سياسي وغياب استراتيجية واضحة لإنهاء الأزمة.
ورغم ذلك، يرى صلاح أن ترمب سيواصل استهداف إيران بقصف متصاعد أملاً في فرض اتفاق يتيح له إنهاء الحرب دون خسارة معنوية.

نتنياهو بمواجهة ضغط داخلي

على الجانب الإسرائيلي، يرى صلاح أن نتنياهو يواجه ضغطاً داخلياً كبيراً، فالجبهة الداخلية لا تستطيع تحمل استمرار الصواريخ والإنذارات، مع تراجع التأييد الداخلي للحرب من 80% إلى نحو 50%، مرجحاً انخفاضه أكثر خلال الأيام المقبلة، في ظل الخسائر الاقتصادية والبشرية التي تتعرض لها إسرائيل.

تكثيف الضربات على إيران

ويعتقد صلاح أن السيناريو الأمريكي–الإسرائيلي المرجح هو تكثيف الضربات العنيفة ضد إيران لفرض وقف إطلاق نار بشروط أمريكية صرفة، دون ربطه بالجبهة اللبنانية، بما يسمح لتل أبيب بالتحضير لاحقاً لمرحلة استفراد بلبنان والضغط على حزب الله.
ويشير صلاح إلى أن هذا السيناريو لن يكون قابلاً للتحقق إلا عبر "فرض القوة ومزيد من القوة"، وصولاً إلى فرض حل أمريكي على إيران بشكل أحادي، بما يتناسب مع رؤية ترمب لإنهاء الحرب بطريقة تظهر واشنطن كطرف منتصر لا خاسر.

مستقبل المنطقة رهن المفاوضات الجارية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإيران خول فتح مضيق هرمز، تفتح الباب أمام سؤال محوري يتعلق بما سيحدث بعد انتهائها، موضحاً أن مستقبل المنطقة بات مرهوناً بنتائج المفاوضات الجارية.
ويرى عطا الله أن احتمال التوصل إلى اتفاق ضعيف جداً، وفي حال تحقق اتفاق مفاجئ فإن الأوضاع ستتجه نحو التهدئة، لكن فشل المفاوضات أو انفجارها يعني انزلاق المنطقة نحو تصعيد إقليمي شامل وكبير.

معادلة "صفرية"

ويشير عطا الله إلى أن المشهد التفاوضي يقوم على معادلة "صفرية"، إذ يصرّ ترمب على اتفاق أقرب إلى "اتفاق استسلام"، في حين يضع شروطاً أثقل مما تستطيع إيران تحمله.
ويوضح عطا الله أن طهران، عبر أكثر من خمسة أسابيع من الصمود والمناورة ورفع مستوى الحضور السياسي والعسكري، تشعر بأنها قادرة على الاستمرار، وأن هذا الشعور يتحول إلى ورقة قوة تستخدمها على طاولة التفاوض لرفض الشروط الأمريكية ومحاولة فرض خطوطها الخاصة.

التناقض وعقدة التفاوض

ويوضح عطا الله أن التناقض بين شروط واشنطن القصوى وبين الثقة الإيرانية بقدرتها على الصمود يخلق "عُقدة التفاوض" التي يصعب جسرها، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق شبه معدومة.

المنطقة أقرب إلى التصعيد

ويؤكد عطا الله أن المنطقة باتت أقرب إلى سيناريو التصعيد، إذ لن يسمح ترمب لنفسه بالظهور بمظهر المهزوم، خاصة مع الدعم القوي الذي يتلقاه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما يجعل كفة التصعيد أثقل بكثير من كفة التهدئة.
ورغم أن ترمب عُرف، كما يوضح عطا الله، بقدرته على اتخاذ قرارات غير متوقعة، إلا أن الظروف الحالية تشير بوضوح إلى أن الرغبة والإمكانات على الأرض تدفعان نحو مواجهة أكبر بدلاً من أي تسوية مؤقتة.

لغة ترمب تعكس حالة تصعيد واضحة

تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بضرب مصادر الطاقة الإيرانية وتدمير أجزاء من البنية التحتية في حال انتهاء المهلة دون استجابة طهران لمطلبه بفتح مضيق هرمز يُعدّ تهديداً جدّياً وذا دلالات مباشرة على مستوى الغضب الأمريكي تجاه إيران.
وتشير عودة إلى أن الخطاب الأخير لترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذي تضمن ألفاظاً حادة وغير مألوفة في لغة الرؤساء، يعكس حالة تصعيد واضحة، ويؤكد أن ترمب يعتبر مضيق هرمز "الورقة الاقتصادية الأخطر" التي تملكها إيران.

محاولة ترمب حرمان إيران من أهم سلاح اقتصادي

وترى عودة أن استمرار سيطرة إيران على المضيق بعد انتهاء الحرب سيمنحها مكسباً اقتصادياً هائلاً وقدرة ضغط استراتيجية ضد دول الخليج وحلفاء واشنطن، إضافة إلى إمكانية استخدام العوائد الكبيرة لتخفيف أثر الحصار الأمريكي، ولذلك يسعى ترمب إلى حرمان إيران من أهم سلاح اقتصادي بيدها، سواء عبر الضغط المباشر أو عبر تهديدات عسكرية واسعة، ليتمكن من إنهاء الحرب بطريقة تسمح له بإعلان "انتصار سياسي".

سيناريوهات محتملة

وتطرح عودة سيناريوهات محتملة لما بعد انتهاء المهلة، السيناريو الأول يتمثل بقبول إيران الدخول في تفاهم مع ترمب حول إدارة مضيق هرمز أو التخلي عن جزء من السيطرة عليه بهدف وقف الحرب والحفاظ على ما تبقى من مصادر الطاقة والبنية التحتية.
وتشير عودة إلى أن هذا التفاهم لا يستلزم اتفاقاً فورياً بشأن الملف النووي أو اليورانيوم المخصب، بل قد يقتصر على تهدئة الوضع وتأجيل الملفات الخلافية، مقابل حل أزمة المضيق.
أما السيناريو الثاني والأكثر خطورة، بحسب عودة، فهو تجاهل إيران لمهلة ترمب، ما يدفع الأخير إلى إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لاستهداف منشآت الغاز والنفط الإيرانية، إلى جانب ضربات تطاول بنى تحتية حيوية. وتوضح عودة أن إيران قد ترد حينها باستهداف مصادر الطاقة في الخليج، ما يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع.
وفي حال رفضت طهران التخلي عن المضيق رغم الضربات، قد يلجأ ترمب – كما تتوقع عودة – إلى تشكيل تحالف دولي من الدول المتضررة من إغلاق هرمز بهدف مواجهة البحرية الإيرانية وفرض السيطرة على الممر البحري، قبل أن يعلن وقف الحرب من طرف واحد باعتباره "انتصاراً أمريكياً".

طبيعة السياسة الأمريكية في عهد ترمب

يوضح الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن المهلة الجديدة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإيران لمدة 48 ساعة من أجل التوصل إلى اتفاق وفتح مضيق هرمز، محذّراً من "جحيم عظيم" قد يطاول طهران إذا لم تستجب، تأتي ضمن اللغة التي تكشف مجدداً طبيعة السياسة الأمريكية في عهد ترمب، والتي اتسمت بالتهديد الأقصى والضغط الأقصى، وبخطاب درامي أقرب إلى لغة الصفقات التجارية منه إلى لغة رؤساء الدول.
ويشير خريشة إلى أن إشكالية قراءة هذه التهديدات تكمن في شخصية ترمب نفسها، التي أثارت الكثير من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية وحتى الأكاديمية، فعدّة محللين ومتخصصين في علم النفس السياسي وصفوا سلوك ترمب بأنه يجمع بين النرجسية الحادة والاندفاع والنزعة العدوانية، ما يجعل التنبؤ بقراراته صعباً إلى حدّ كبير، فهو قد يتراجع في اللحظات الأخيرة، وقد يذهب إلى التصعيد فقط لئلا يظهر بمظهر المتنازل أو الضعيف أمام خصومه أو جمهوره.

المهلة الجديدة كمهلة الأيام العشرة

ويربط خريشة المهلة الجديدة، كما مهلة الأيام العشرة التي سبقتها، بسياق أوسع يتجاوز المواجهة المباشرة مع إيران، ليشمل الأزمة العالمية في قطاع الطاقة، والأزمة الداخلية في الولايات المتحدة نفسها، فارتفاع أسعار المحروقات في السوق الأمريكية يشكل عامل ضغط كبير على أي إدارة حاكمة، لأن الناخب الأمريكي يتأثر مباشرة بسعر البنزين أكثر من تأثره بسياسات خارجية عديدة.

موقف سياسي حرج

وبحسب خريشة، فإنه مع التوتر في الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، بدأت تظهر احتجاجات داخلية تربط بين سياسات ترمب التصعيدية وبين ارتفاع الأسعار، ما وضعه في موقف سياسي حرج.
ومن هذا المنطلق، يرى خريشة أن مهلة الـ48 ساعة لم تكن مجرد ورقة ضغط على إيران، بل محاولة عاجلة لمعالجة ارتدادات الأزمة على الداخل الأمريكي قبل أن تتحول أزمة الطاقة إلى أزمة سياسية تؤثر على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية.
أما عبارة "الجحيم العظيم" التي استخدمها ترمب، فيصفها خريشة بأنها فضفاضة ومقصودة لخلق ضبابية تمنحه مساحة واسعة للمناورة.

الغزو البري شبه مستبعد

ويرجح خريشة عدة احتمالات للمرحلة المقبلة: فالغزو البري شبه مستبعد، لأن إيران دولة كبيرة جغرافياً وعسكرياً، وأي اجتياح سيحول العملية إلى حرب استنزاف قد تستمر سنوات، أما القصف الجوي الواسع فهو احتمال أقرب، لكنه محفوف بالمخاطر، لأن إيران سترد على الأرجح باستهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية وربما منشآت نفطية في الخليج، ما قد يشعل حرباً إقليمية ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
ويستعرض خريشة سيناريوهات لما بعد انتهاء المهلة: الأول أن تكون مجرد ضغط نفسي ينتهي بتفاهم غير مباشر يسمح بفتح المضيق دون حرب، والثاني ضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآت إيرانية، والثالث تصعيد متبادل ينفلت من السيطرة، والرابع استمرار سياسة ترمب القائمة على التهديد ثم التراجع ثم التهديد مجدداً.

أداة سياسية مكثفة

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية، د. فادي جمعة، أن المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإيران وتهديدها حال عدم فتحها مضيق هرمز، لا ينبغي فهمها بوصفه خطوة عسكرية مباشرة، بل باعتبارها "أداة سياسية مكثفة" يستخدمها ترمب لإعادة ضبط ميزان التفاوض وخلق حالة من الضغط العالي دون الانزلاق الضروري إلى مواجهة شاملة.
ويشير جمعة إلى أن ترمب، في هذه المرحلة، يتصرف كرجل صفقات أكثر منه رئيساً يستعد لحرب، إذ يعتمد إستراتيجية رفع سقف التهديد إلى الحد الأقصى بهدف دفع إيران نحو مقاربة تفاوضية جديدة تتماشى مع شروط محسّنة لصالح واشنطن.

محاولة لفرض معادلة جديدة

ويوضح جمعة أن الهدف من التلويح بفتح مضيق هرمز بالقوة لا يتعلق بالمضيق نفسه، على الرغم من أهميته الجغرافية والسياسية والاقتصادية، بقدر ما هو محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على مبدأ: "إمّا أن تتجاوب إيران وفق شروط أمريكية معدّلة، أو تتحمل كلفة تصعيد قد لا تخضع للسيطرة".
ويؤكد جمعة أن هذا النهج يُعد امتداداً لطبيعة السلوك السياسي لترمب، الذي يعتمد على خلق حالة من "اللا يقين الحاد" لدى الطرف الخصم، بحيث يصبح خيار التراجع أقلّ كلفة بالنسبة لإيران مقارنةً بمحاولة اختبار جدية تهديداته.

تهديد محسوب يحقق ضغطاً سياسياً

وبحسب جمعة، تدرك الولايات المتحدة أن أي مواجهة واسعة مع إيران، خصوصاً في ملف حيوي مثل ملف مضيق هرمز، لن تكون عملية محدودة، بل قد تتحول إلى اختبار شامل لقدرة واشنطن على إدارة المشهد الإقليمي، وتحمّل تداعيات مواجهة تتجاوز المكاسب المتوقعة.
وبحسب جمعة، لذلك تميل الإدارة الأمريكية إلى التهديد المحسوب الذي يحقق ضغطاً سياسياً دون أن يتحول إلى حرب مفتوحة، في وقت يواصل فيه ترمب إعادة إنتاج حالة "الرجل اللا متوقع" التي تضع خصومه في موقع الحذر المستمر.

سيناريوهات باحتمالات غير متساوية

ويحدد جمعة ثلاثة سيناريوهات محتملة للتطورات المقبلة، مع التأكيد أن احتمالاتها ليست متساوية: السيناريو الأول هو: التصعيد المنضبط ويُعد السيناريو الأقرب لطريقة إدارة ترمب للأزمات، إذ يشمل تنفيذ ضربات محدودة ومدروسة تستهدف مواقع إيرانية منتقاة، بهدف إيصال رسالة جدّية دون فتح الباب أمام مواجهة شاملة.
هذا النوع من التصعيد وفق جمعة، يسمح لواشنطن بإثبات جاهزيتها، وفي الوقت نفسه يمنح إيران فرصة الرد بشكل محسوب يحافظ على توازن الردع، دون أن يؤدي إلى انهيار خطوط التواصل أو توسع المواجهة بما يفوق قدرة الطرفين على الإدارة.
أما السيناريو الثاني وفق جمعة، هو الاحتواء عبر التفاوض ويمثل احتمالاً واقعياً، حيث يتم تفعيل دور الوسطاء الإقليميين والدوليين لتحويل التهديد إلى أداة ضغط تُنتج تفاهمات جزئية أو مرحلية، قد تُعلن أو تبقى خلف القنوات المغلقة.
ويشير جمعة إلى أن هذا المسار يهدف إلى إعادة ترتيب الملف الإيراني وفق قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، مع إدخال تعديلات محدودة تتيح لواشنطن الادعاء بتحقيق مكاسب سياسية مقابل تخفيف حالة الاحتقان الإقليمي.
ويلفت جمعة إلى السيناريو الثالث وهو التصعيد الإقليمي الواسع، وهو "الأقل رغبة لدى الجميع"، لكنه يبقى احتمالاً قائماً بحكم طبيعة المنطقة وتشابك الفاعلين.

خطأ الحسابات بدفع نحو ردود غير محسوبة

ويؤكد جمعة أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى ردود غير محسوبة، ويفتح المجال أمام توسع المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية إضافية، ما يجعل الصراع يتجاوز مضيق هرمز إلى إعادة تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط ككل.
ويشدد جمعة على أن السيناريوهات الثلاثة لا تتحرك بشكل منفصل، بل قد تتداخل وتتدرج من مستوى إلى آخر تبعاً لتطورات الميدان والتفاعلات السياسية.
ومع وجود ترمب، كما يوضح جمعة، تصبح "الخيارات الأقل ترجيحاً أكثر احتمالاً"، فيما يبقى القاسم المشترك أن واشنطن تسعى لاستخدام التهديد لتجنب الحرب، وليس العكس، ضمن منطق إدارة الأزمات بأسلوب يقوم على الضغط الأقصى وتوسيع هامش "اللا يقين".

أزمة بنيوية تطال الداخل الأمريكي والعالم

يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن العالم اليوم يقف أمام مرحلة غير مستقرة، يتصدرها رجل "لا يمكن التنبؤ بمواقفه" وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يقود أكبر قوة في العالم.
ويشير سمور إلى أن المشكلة مع ترمب لم تعد محصورة بإيران وحدها، بل باتت أزمة بنيوية تطال الداخل الأمريكي والعالم، إذ يطلق تهديدات متضاربة ثم يمدّد المهل، ويقدّم نفسه كرجل ينهي الحروب رغم أن معظم ادعاءاته "مجرد أكاذيب".
ويؤكد سمور أن تجاهل كثيرين للعامل الإسرائيلي في شخصية ترمب كان خطأ كبيراً، فهو يمثّل نسخة من "مضاعفة التبعية" لإسرائيل، وهو ما يفسّر كثيراً من مواقفه التصعيدية.

المشهد الإسرائيلي بات مرتبكاً

ويوضح سمور أن المشهد الإسرائيلي نفسه بات مرتبكاً؛ فبعد اندفاع تل أبيب في بداية المواجهة، بدأت اليوم تدفع ثمناً أمنياً واقتصادياً وسياسياً.
أما رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فيرى سمور أنه ماضٍ في خيار التصعيد "حتى لو ارتفعت أسعار الطاقة عالمياً"، ما دام غير متأثر مباشرة بتداعيات تلك الخيارات.
ويشير سمور إلى أن السيناريوهات لا تزال مفتوحة: من احتمال تمديد ترمب للمهلة، إلى دخول باكستان على خط الوساطة، وصولاً إلى خيار التصعيد المباشر.
ويذكّر سمور بأن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا خلال الأيام الماضية جسوراً حيوية، بينها جسر B1 الرابط بين جزيرة خرّج وطهران، إضافة إلى جامعات ومحطات طاقة، في إطار محاولة توسيع دائرة الهجمات لإغراق إيران في الظلام وشل خدماتها الأساسية.
ويقابل ذلك، بحسب سمور، تصعيد إيراني واضح يقوم على معادلة "صفرية" هي: إذا لم تعش إيران بأمن وخدمات مستقرة، فلن تسمح للمنطقة بالاستقرار، وهو ما قد يشمل استهداف محطات الطاقة والتحلية في الخليج ومرافق حيوية أخرى، إضافة إلى إسرائيل.

رفض إيران العودة لمرحلة "الصبر الاستراتيجي"

ويشير سمور إلى أن إيران لم تعد تقبل العودة لمرحلة "الصبر الاستراتيجي" أو التسويات الجزئية، بل تريد ضمانات بعدم تكرار الحصار، وتصرّ على التعويضات لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وهي عملية معقّدة في ظل العقوبات. ويرى محللون أمريكيون، وفق سمور، أن إيران الآن بحاجة إلى المال والزمن، إلا أن طهران تقرأ أيضاً تراجعاً في الموقف الأمريكي؛ إذ انتقلت واشنطن من 15 شرطاً تعجيزياً، أبرزها تغيير النظام ووقف دعم حركات المقاومة وإنهاء برنامجها النووي والصاروخي، إلى مطلب واحد فقط: فتح مضيق هرمز.

إيران تحاصر واشنطن بمضيق هرمز

ويعتقد سمور أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي تتكبدها، نجحت في محاصرة الإدارة الأمريكية في ملف المضيق، وحوّلت هرمز إلى مصدر مالي مهم من خلال الرسوم المفروضة على عبور السفن، فيما تواصل تصدير النفط بنسبة شبه طبيعية، مقابل معاناة الأسواق العالمية وارتفاع أسعار المحروقات في الولايات المتحدة، وتضرر دول الخليج التي كانت تراهن على "حماية أمريكية" بدت محدودة ومرتبكة.
ويحذر سمور من أن سعي ترمب –وفق ما ورد على لسان متحدثة البيت الأبيض– لتمويل الحرب بالأموال العربية، قد يجر المنطقة إلى مواجهة أوسع، تجعل إيران تعتبر دول الخليج جزءاً مباشراً من الصراع.
ويشير سمور إلى أن الخليج يفتقر إلى مقومات الصمود في حال استمرت الضربات، نظراً لاعتماد دوله على بنى تحتية كهربائية وخدماتية قد تنهار سريعاً تحت أي استهداف واسع.
ويرى سمور أن الخيار العقلاني أمام هذه الدول هو إعادة النظر جذرياً في وجود القواعد الأمريكية التي "لا توفر لها الحماية الفعلية".
ويرى سمور أن استمرار الضغط على إيران سيدفعها نحو ضرب منابع النفط ورفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، بما يعيد النفط إلى "قيمة الذهب"، ويضع المنطقة والعالم أمام أخطر مرحلة من عدم الاستقرار.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا