آخر الأخبار

معاناة النازحين ذوي الإعاقة في لبنان جراء العدوان الإسرائيلي

شارك

تروي قصص النازحين في لبنان فصولاً مأساوية من المعاناة، لا سيما لأولئك الذين يعانون من إعاقات حركية وجدوا أنفسهم تحت نيران القصف بلا معيل أو وسيلة آمنة للانتقال. مهدي حمادة، الستيني المقعد الذي نزح من بلدة ديركيفا، يجسد هذا الواقع المرير بعدما استقر في غرفة ضيقة ببيروت، مفتقراً لأدنى مقومات الدعم الإغاثي رغم تسجيله في المنصات الرسمية.

تتفاقم الأزمة الإنسانية مع فقدان العائلات لمصادر رزقها، خاصة تلك التي كانت تعتمد على الزراعة في المناطق الحدودية. وتكافح الأسر النازحة حالياً لتأمين المستلزمات الأساسية والأدوية، في ظل غياب شبه تام للمساعدات المباشرة من الجهات الحكومية التي تعاني أصلاً من ضغوط هائلة جراء تدفق النازحين.

أطلق الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً حملة استغاثة لجمع التبرعات العينية والمادية، مستهدفاً النازحين المقيمين خارج مراكز الإيواء الرسمية. وتشمل هذه المساعدات الحفاضات والكراسي المتحركة والعصي، وهي أدوات اضطر الكثيرون لتركها خلفهم أثناء هروبهم المتسرع من القصف الإسرائيلي العنيف.

ازدهار أبو عوض، نازحة أخرى من النبطية، تعيش مأساة مزدوجة مع ولديها الشابين المصابين بضمور عضلي، حيث يقبع أحدهما في العناية المركزة ببيروت. وتواجه ازدهار صعوبات بالغة في تأمين تكاليف العلاج، معتمدة على تبرعات فردية محدودة في ظل انهيار المنظومة الصحية والاجتماعية الشاملة.

من الناحية الرسمية، أعلن وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين عن رفع نسبة التغطية في المستشفيات الحكومية لتصل إلى 100% للنازحين من القرى الحدودية. ورغم هذا القرار، لا تزال الفجوة كبيرة بين الاحتياجات الطبية الفعلية والخدمات المتاحة على أرض الواقع، خاصة في العمليات الجراحية المعقدة.

تؤكد سيلفانا اللقيس، رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة الخطط الرسمية التي تجاهلت دمج ذوي الإعاقة لسنوات طويلة. وأوضحت أن هذه الفئة، التي تمثل نحو 15% من السكان، لم تحظَ بأي معاملة خاصة أو خطط إخلاء منظمة تتناسب مع وضعها الصحي.

تشير التقديرات إلى أن أعداد ذوي الإعاقة في لبنان شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، متأثرة بانفجار مرفأ بيروت وتفجيرات أجهزة الاتصال في سبتمبر 2024. وتضيف الحرب الحالية مزيداً من المصابين الذين قد ينتهي بهم الأمر بإعاقات دائمة، مما يضع عبئاً إضافياً على كاهل الدولة والمجتمع المدني.

النزوح بالنسبة لرجل مقعد لا يبدو مجرد انتقال قسري، بل تجربة مضاعفة القسوة تختلط فيها مشقة الحركة بفقدان الأمان.

يعيش نحو 3000 نازح من ذوي الإعاقة داخل مراكز الإيواء الرسمية، بينما يفضل الآلاف غيرهم البقاء لدى أقاربهم أو في بيوت مستأجرة رغم خطورتها. وتفتقر معظم مراكز الإيواء، التي هي في الأصل مدارس رسمية، إلى التجهيزات الهندسية الضرورية مثل المنحدرات والمراحيض الواسعة التي تسمح بمرور الكراسي المتحركة.

رغم وجود 116 مركز إيواء مجهزاً في مختلف المناطق اللبنانية، إلا أن موجات النزوح العشوائية والمفاجئة أدت إلى إشغالها من قبل عائلات لا تعاني من إعاقات. هذا الخلل في التوزيع حرم المستحقين الفعليين من الوصول إلى أماكن توفر لهم الحد الأدنى من الاستقلالية والكرامة الإنسانية خلال فترة النزوح.

تواجه فئات أخرى، مثل ذوي الإعاقات الذهنية والصم والبكم، تحديات مضاعفة تتعلق بالتواصل والخصوصية داخل مراكز الإيواء المزدحمة. وتؤكد مصادر حقوقية أن البيئة الحالية في مراكز النزوح تفتقر إلى الأمان النفسي والجسدي اللازم لهذه الفئات، مما يزيد من تدهور حالتهم الصحية والعقلية.

على الصعيد المالي، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن تقديم منحة مالية مقطوعة بقيمة 100 دولار لستة آلاف أسرة لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. وتأتي هذه الخطوة بدعم من منظمات دولية مثل 'يونيسف'، إلا أنها تظل غير كافية لمواجهة الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة والعلاج.

في خطوة تشريعية متأخرة، صادق لبنان في أبريل 2025 على الاتفاقية الدولية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بعد سنوات من إقرارها في البرلمان. ومع ذلك، يرى مراقبون أن العبرة تكمن في التنفيذ الفعلي لهذه الاتفاقية وتحويل نصوصها إلى سياسات تحمي حقوق هذه الفئة في أوقات السلم والحرب.

تشير التقارير الصادرة عن وحدة إدارة الكوارث إلى أن عدد الجرحى جراء العدوان تجاوز 3750 شخصاً حتى نهاية مارس الماضي. وبناءً على دراسات منظمة الصحة العالمية، يتوقع أن يصاب نحو ربع هؤلاء الجرحى بإعاقات مستديمة، مما يتطلب استراتيجية وطنية طويلة الأمد لإعادة التأهيل.

يبقى واقع ذوي الإعاقة في لبنان شاهداً على قسوة الحرب وإهمال السياسات العامة، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع العوز والتهميش. إن غياب الاستجابة الملائمة لاحتياجاتهم لا يمثل خرقاً للحقوق الإنسانية فحسب، بل يعمق جراح مجتمع يرزح تحت وطأة أزمات متلاحقة لا تلوح نهايتها في الأفق.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا