رام الله – خاص بـ"القدس" - في مقابلة حصرية مع جريدة القدس، أوضح رئيس سلطة الطاقة، المهندس أيمن إسماعيل، أن إعادة النظر في نظام صافي الفوترة المتعلق بمشاريع الطاقة الشمسية جاء نتيجة تغيّر الظروف الاقتصادية والاجتماعية بعد إصدار النظام في أكتوبر 2025، وتأثر القدرة الشرائية للمواطنين والقطاع الخاص بسبب الحرب والأحداث الأخيرة، وسيتم دراسة كل القضايا الخلافية المتعلقة بنظام الطاقة الشمسية الأخير في فلسطين لما فيه مصلحة المواطن واستدامة عمل الشركات.
وأكد إسماعيل أن الحكومة تسعى للوصول إلى نسبة 30٪ من الطاقة المتجددة بحلول 2030، مع استمرار دعم الاستثمار الفردي والمجتمعي، مشيراً إلى أن الرسوم الرمزية وسيلة لضمان استدامة الشبكات وتمكين شركات التوزيع من تطوير التخزين والشبكات الذكية.
ودعا إسماعيل المواطنين والمستثمرين إلى الانخراط في مشاريع الطاقة الشمسية، مستعرضاً الفوائد الاقتصادية المباشرة من تقليل فاتورة الكهرباء وبيع الفائض، مع التأكيد على العدالة الاقتصادية واستقرار الشبكة الوطنية.
* بداية، سمعنا كثيراً في الفترة الأخيرة عن قضية الضرائب المتعلقة بمشاريع الطاقة الشمسية، قبل أيام، حيث كانت هذه القضية محور جدل واسع، وصولاً إلى قرار رئيس الوزراء د. محمد مصطفى بتجميد العمل بالنظام الخاص بذلك، ما هو السبب وراء إعادة النظر في النظام من قبل الحكومة؟ وما دوافعه ومبرراته؟
شكراً لكم. أود بداية أن أوضح أن موضوع النظام المتعلق بالطاقة الشمسية ليس جديداً، حيث أنه في شهر أكتوبر من عام 2025 تم اعتماد النظام الجديد المنظم لمشاريع الطاقة الشمسية في فلسطين، بعد تنسيبه من مجلس تنظيم قطاع الكهرباء وهو الجهة المسؤولة عن وضع التشريعات الثانوية الخاصة بالطاقة الشمسية وتنظيم ومراقبة القطاع.
لكن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تغيرت بعد إصدار النظام ونشره، خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة التي لها علاقة بالحرب الأخيرة مع إيران، والتي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى القطاع الخاص، حيث تم تخفيض دفعات الرواتب أو حتى فقدان بعض الوظائف في القطاع الخاص. لذلك، كانت الحاجة لإعادة النظر في بعض البنود، خصوصاً تلك المتعلقة بالرسوم.
أود التأكيد هنا أن ما تم تداوله في وسائل الإعلام بشأن فرض ضريبة على الطاقة الشمسية غير دقيق، ولم يكن هناك ضريبة تفرضها الحكومة على المواطنين الذين يستثمرون في الطاقة الشمسية. ما كان مطروحاً هو مساهمة رمزية تُدفع لشركات توزيع الكهرباء، بهدف دعم البنية التحتية للشبكات، وليس للحكومة.
* هل يمكن أن توضح لنا سبب ضرورة هذه المساهمات ولماذا هي مرتبطة بشبكة الكهرباء؟
بالطبع. عند تركيب نظام طاقة شمسية في المنزل، سواء كنت تولد كهرباء للاستهلاك الشخصي أو تبيع الفائض، أنت ما زلت تعتمد على الشبكة الكهربائية كمصدر آخر احتياطي. وشبكات التوزيع صُممت تاريخياً لنقل الطاقة باتجاه واحد، ومع ازدياد انتشار الأنظمة الشمسية ظهرت تحديات فنية، أهمها: ارتفاع الجهد في الشبكات خلال ساعات النهار وتدفقات القدرة العكسية، وتعقيد أنظمة الحماية الكهربائية، والحاجة لاستثمارات كبيرة في تطوير الشبكات الكهربائية للعمل مع مصادر طاقة متجددة موزعة.
لو ركبت نظام طاقة شمسية دون مساهمة، وإن كانت بسيطة، فإن تحميل تكاليف البنية التحتية بالكامل سيكون على عاتق المشتركين الذين لا يمتلكون أنظمة شمسية، وهذا غير عادل.
لذلك، تُدفع هذه المساهمة لشركات التوزيع أو موزعي الكهرباء كمساهمة لدعم الصيانة والتوسعة والتطوير بما يتيح استيعاب المزيد من مشاريع الطاقة المتجددة.
* وهل تختلف هذه الرسوم حسب نوع النظام الذي يركبه المواطن؟
نعم، هناك اختلافات. لدينا ثلاث آليات أو نظم لمشاركة المواطن في توليد الطاقة الشمسية:
1. النظام الأول (بيع الكل وشراء الكل – Prosumer): حيث يبيع المواطن كل إنتاجه من الكهرباء لشركة التوزيع، ويستهلك من الشبكة حسب التعرفة الرسمية. هذا النظام لا يحمل أي رسوم إضافية، ويتيح للمواطن أن يصبح منتجاً ومستثمراً في الوقت نفسه، ويحقق دخل إضافي من الإنتاج.
2. النظام الثاني (صافي الفوترة – Net Billing): المواطن يستهلك احتياجاته من النظام الشمسي أولاً، والفائض يُباع لشركة التوزيع بسعر الجهد المتوسط، وهناك رسوم رمزية على كل كيلوواط فائض، تقدر بـ 5 شواكل لكل كيلو. على سبيل المثال، نظام منزلي بقدرة 5 كيلوواط قد يولد نحو 500 شيكل، تكون الرسوم 25 شيكل، أي ما يعادل 5٪ من إجمالي الإنتاج، وهي نسبة أقل بكثير من النظام القديم الذي كان يستقطع 10٪.
3. النظام الثالث (صافي الفوترة مع بطاريات التخزين): هنا يتم استهلاك الطاقة أولاً من النظام، والفائض يُخزن في بطاريات للاستخدام الليلي أو في أوقات عدم وجود شمس.
هذا النظام يحمل رسوماً أعلى قليلاً، لكنها لا تزال مقبولة، ويمكن خفضها أو تعديلها عبر آليات أخرى مثل شراء الشركة للفائض بسعر أقل قليلاً لتعويض الرسوم.
* هل هذا يعني أن المواطنين الذين يملكون أنظمة Zero Export هم معفيون من المساهمة في الشبكة؟
لم يناقش النظام هذه الحالة، ولكن حتى أنظمة Zero Export، التي تعمل دون تصدير فائض للطاقة، ما زالت تعتمد على الشبكة للحصول على الكهرباء عند الحاجة.
هذه الأنظمة ستتم دراستها من خلال اللجنة، لأن الشبكة الكهربائية تظل المصدر الاحتياطي الأساسي في حالات الطوارئ، مثل أيام غياب الشمس أو خلال العواصف والطقس السيء، أو عند الأعطال الفنية مثل تلف الإنفيرتر أو بطاريات التخزين.
* إذاً، ما هي الدوافع الحقيقية لإعادة دراسة الرسوم؟
هناك عدة دوافع:
أولاً: الظروف الاقتصادية الحالية التي أثرت على القدرة الشرائية للمواطنين والقطاع الخاص.
ثانياً: الملاحظات والشكاوى التي وردت من المواطنين حول الرسوم، خصوصاً مع اختلاف فهم طبيعة هذه الرسوم، وكان لا بد من الإيضاح للمواطنين.
ثالثاً: التوسع الكبير في مشاريع الطاقة الشمسية، الذي يتطلب تحديث وتوسيع الشبكة الكهربائية بشكل سريع لضمان الاستقرار وعدم الانقطاع.
لذلك، تم تشكيل لجنة مختصة تضم خبراء من مختلف المؤسسات الحكومية، ممثلين عن القطاع الخاص، جمعية حماية المستهلك، شركات التوزيع، مجلس تنظيم قطاع الكهرباء، معهد أبحاث الدراسات الاقتصادية (ماس)، واتحاد صناعات الطاقة المتجددة، لإعادة تقييم الرسوم ووضع آلية عادلة تحقق الهدف دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
* كيف يتم التوازن بين التوسع في الطاقة الشمسية واستدامة قطاع الكهرباء؟
التوجه الأساسي هو تنظيم القطاع وليس الحد من انتشار الطاقة الشمسية. التركيز على تنظيم الأنظمة المرتبطة بالشبكة، خصوصاً أنظمة Zero Export، لأنها تعتمد على الشبكة كمصدر احتياطي.
لذلك، يجب تسجيل هذه الأنظمة لدى شركات التوزيع لضمان التخطيط الصحيح للأحمال الكهربائية، واستثمار الشركات في تطوير الشبكة لاستيعاب هذه الأنظمة دون الإضرار باستقرار الكهرباء.
كما أن شركات التوزيع بدأت تتحول من مجرد بائع كهرباء إلى مشغل شبكة متكامل، قادر على إدارة الشبكات الذكية، واستيعاب الطاقة الموزعة، وتطوير أنظمة التخزين، وتطبيق تقنيات ذكية لضمان استقرار الشبكة. هذا التحول ضروري لتوسيع انتشار الطاقة الشمسية ودعم الاستثمارات الفردية في المنازل والمشاريع الصغيرة.
* وماذا عن استراتيجية الحكومة للطاقة المتجددة؟
الحكومة تهدف إلى وصول نسبة الطاقة المتجددة في فلسطين إلى 30٪ من الاستهلاك الإجمالي بحلول عام 2030. حتى الآن، وصلنا إلى حوالي 8.2٪ من الطاقة المستهلكة، لذلك، لا يزال هناك نحو 22٪ لتحقيق الهدف، كما أن دعم الاستثمار الفردي والمجتمعي في الطاقة الشمسية أساسي للوصول إلى هذا الهدف.
رسوم المساهمة الرمزية ليست عائقاً، بل وسيلة لضمان استدامة الشبكات الكهربائية، وتمكين شركات التوزيع من الاستثمار في التخزين والشبكات الذكية، وبالتالي ضمان كهرباء موثوقة لجميع المواطنين.
* وما هي أهمية الربط بين المواطنين وشبكة الكهرباء، خاصة لأولئك الذين يملكون أنظمة شمسية مستقلة؟
حتى المواطن الذي يمتلك نظاماً مستقلاً 100٪ مع بطاريات تخزين، فإنه يظل بحاجة إلى الشبكة كمصدر احتياطي في حالات الطوارئ.
لا يمكن الاعتماد على الشمس فقط طوال السنة، إذ يمكن أن تتعرض لمراحل غياب شمسية، أعطال في الأجهزة أو ظروف جوية قاسية. لذلك، استمرار الربط بالشبكة أساسي، وهذا يبرر الحاجة لمساهمة رمزية لدعم البنية التحتية.
* وما هي الفوائد الاقتصادية للمواطنين عند اعتماد هذه الأنظمة؟
المواطن يستفيد بطريقتين:
1. الاستهلاك الذاتي: يستهلك الكهرباء من نظامه الشمسي أولاً، وبالتالي يقلل من فاتورة الكهرباء.
2. بيع الفائض: يبيع الفائض لشركة التوزيع بأسعار عادلة، ما يوفر له دخل إضافي. حتى في النظام الثالث مع البطاريات، الرسوم الرمزية تبقى منخفضة، وفترة استرداد الاستثمار حوالي خمس سنوات، وهو أمر مقبول في الظروف الحالية.
* هل هناك اختلاف بين أنواع استخدام الأنظمة الشمسية؟
نعم، هناك فئات مختلفة:
- من يرغب بتركيب أنظمة صغيرة لتقليل فاتورة الكهرباء فقط.
- من يرغب بأن يصبح منتجاً ومستثمراً يبيع كل الإنتاج للشركة (Prosumer).
- من يسافر جزءاً من السنة ويحتاج أن يبيع فائض الإنتاج خلال غيابه.
لذلك، النظام مصمم ليكون مرناً ويتيح لكل مواطن اختيار ما يناسبه من ثلاث آليات، بما يضمن الاستفادة القصوى ودعم الشبكة في الوقت ذاته.
* ما دور الحكومة في دعم المواطنين في هذه المرحلة؟
الحكومة، من خلال لجنة إعادة تقييم النظام، تبحث عن حلول لتخفيف الأعباء على المواطنين. قد يشمل ذلك تعديل الرسوم، أو البحث عن آليات بديلة مثل شراء الفائض بسعر مختلف لتعويض الرسوم، أو حتى دعم جزئي من الحكومة للرسوم، بحيث يظل الاستثمار في الطاقة الشمسية مجدياً وميسوراً للمواطنين.
* ما الرسالة التي تود توجيهها للمواطنين والمستثمرين في مجال الطاقة الشمسية؟
الرسالة واضحة: الحكومة وسلطة الطاقة ملتزمون بدعم الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، ووصول نسبة الطاقة المتجددة إلى 30٪ بحلول عام 2030.
نحن نشجع كل المواطنين، سواء كانوا مستهلكين منزليين أو مستثمرين صغار أو كبار، على الاستثمار في الطاقة الشمسية. الرسوم الرمزية موجودة لدعم البنية التحتية للشبكة فقط، وليست ضريبة، وستتم مراجعتها لضمان عدالة التطبيق وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية. الاستثمار في الطاقة الشمسية يحقق فوائد مزدوجة: تخفيف الفاتورة وتحقيق دخل إضافي، وفي الوقت ذاته دعم استقرار الكهرباء الوطنية.
* بشكل واضح، حدثنا عن الرسوم وآليات الاستثمار في الطاقة الشمسية؟
بكل وضوح أود التأكيد على أن:
- الاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة تهدف للوصول إلى 30٪ من الاستهلاك بحلول 2030.
- الرسوم المخصصة ليست ضريبة، بل مساهمة رمزية لتطوير شبكات الكهرباء.
- تم تشكيل لجنة مختصة لإعادة تقييم النظام والرسوم بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية.
- أنظمة صافي الفوترة توفر للمواطن ثلاث آليات للاستثمار واستهلاك الطاقة.
- الهدف الأساسي هو التوسع في الطاقة الشمسية دون الإضرار باستقرار الشبكة.
- شركات التوزيع تتحول من بائع كهرباء إلى مشغل شبكة متكامل يشمل التخزين والتقنيات الذكية.
بهذه الطريقة، نجحت فلسطين في وضع إطار متوازن يتيح التوسع في الطاقة الشمسية، ودعم الاستثمارات الفردية، وضمان استدامة وكفاءة الشبكة الكهربائية، مع مراعاة العدالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
المصدر:
القدس