تعرضت المنظومة الصحية في قطاع غزة لعملية تدمير ممنهجة وصفت بأنها 'إبادة صحية' شاملة، طالت البنية التحتية والكوادر البشرية والمعدات الطبية. ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، تجاوزت الخسائر المادية المباشرة حاجز 7 مليارات دولار، مما أدى إلى خروج 18 مستشفى رئيسياً عن الخدمة تماماً من أصل 38 مستشفى كانت تعمل في القطاع قبل اندلاع المواجهات.
يبرز مجمع الشفاء الطبي كأكبر شاهد على هذه الإبادة، حيث تحول المرفق الذي كان يضم ثلاثة مستشفيات كبرى ويجري 32 ألف عملية جراحية سنوياً إلى أطلال محترقة. وأكدت مصادر طبية أن المجمع تعرض لحصار خانق واجتياحات متكررة انتهت بتدمير غرف العمليات وأجهزة التصوير ووحدات العناية المركزة، مما أفقده القدرة على تقديم أي رعاية طبية لمئات آلاف المواطنين.
لم تقتصر الخسائر على الحجر، بل امتدت لتطال الكوادر البشرية التي تمثل العمود الفقري للقطاع الصحي، حيث ارتقى 1701 شهيداً من الأطباء والممرضين والمسعفين. كما اعتقلت قوات الاحتلال 363 كادراً طبياً، من بينهم مدير مجمع الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتفريغ القطاع من كفاءاته النوعية ودفع السكان نحو اليأس والهجرة.
في ظل خروج المستشفيات الكبرى عن الخدمة، تصدر المستشفى الأهلي العربي 'المعمداني' المشهد كخط دفاع أخير في مدينة غزة والشمال. واضطرت الطواقم الطبية في المستشفى إلى تحويل الكنيسة والمكتبة وأقسام العلاج الطبيعي إلى غرف للعمليات والمبيت، في محاولة لاستيعاب التدفق الهائل للجرحى الذي فاق القدرات الاستيعابية للمكان بعشرة أضعاف.
كشف الدكتور فضل نعيم، مدير المستشفى المعمداني، عن ظروف قاسية اضطر فيها الأطباء للمفاضلة بين الأرواح بسبب شح الإمكانات الطبية واللوجستية. وأوضح أن الطواقم لجأت لبدائل بدائية مثل استخدام الكلور المنزلي لتعقيم الجروح والشاش العادي بدلاً من المستلزمات المتخصصة، في مشهد يعيد الطب إلى عصور قديمة نتيجة الحصار المطبق ومنع دخول الإمدادات.
من جانبه، أشار وكيل وزارة الصحة ماهر شامية إلى أن الاحتلال نفذ أكبر عملية إنهاك وتفريغ طبي في التاريخ الحديث للقطاع. وأوضح أن القدرة السريرية انهارت إلى مستويات حرجة، بينما تعطلت معظم أجهزة التشخيص الحيوية، حيث لم يتبقَ في غزة أي جهاز للرنين المغناطيسي، وتدمرت أغلب أجهزة التصوير المقطعي والأشعة التقليدية.
قطاع الإسعاف والمختبرات لم يكن بمنأى عن الاستهداف، إذ فقدت غزة أكثر من نصف أسطولها الإسعافي نتيجة القصف المباشر أو المصادرة. كما بلغت نسبة الدمار في المختبرات الطبية نحو 48%، بما في ذلك مختبر الصحة العامة، مما أدى إلى فقدان السيطرة على الأوبئة وتفشي أمراض مثل شلل الأطفال والجرب والالتهابات المعوية بين النازحين.
تعاني مخازن وزارة الصحة من عجز دوائي حاد وصل إلى 53% من الأصناف الأساسية، بينما بلغت نسبة النقص في المستهلكات الطبية 67%. وأكدت مديرية الصيدلة أن هذا العجز أدى إلى وفاة المئات من مرضى الأورام والفشل الكلوي، حيث فُقد نحو 41% من مرضى الغسيل الكلوي نتيجة تعذر وصولهم للعلاج أو نقص المحاليل والأدوية اللازمة.
تتفاقم المأساة مع وجود أكثر من 19,500 مريض وجريح على قوائم انتظار التحويلات الطبية للعلاج في الخارج. ورغم الاتفاقيات الدولية التي تقضي بإخراج عشرات المرضى يومياً، إلا أن القيود الميدانية قلصت هذا العدد إلى نحو 10 حالات فقط، مما تسبب في وفاة 1200 مريض وهم ينتظرون دورهم للسفر عبر المعابر المغلقة.
تروي قصص الضحايا مآسٍ إنسانية تفوق الوصف، مثل قصة السيدة إيمان أبو جامع التي فقدت زوجها وطفليها بسبب غياب التشخيص الدقيق والعلاج المناسب. وتجسد هذه الحالات الفشل الدولي في حماية الحق في الصحة، حيث يقف النظام الصحي عاجزاً عن إجراء فحوصات وراثية أو كيميائية بسيطة بسبب منع الاحتلال لإدخال المواد المخبرية.
قانونياً، أكد خبراء أن ما جرى في غزة يندرج تحت توصيف 'الإبادة الصحية' كجزء من جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية عام 1948. فاستهداف المستشفيات وحرمان السكان من الدواء وعرقلة وصول الوفود الطبية هي أركان مادية تهدف لخلق بيئة يستحيل معها البقاء على قيد الحياة، وهو ما يتجاوز مجرد العمليات العسكرية التقليدية.
رغم التدمير الشامل، بدأت المؤسسات الصحية في غزة مرحلة 'التعافي المبكر' بإمكانيات محدودة جداً وبدعم من منظمات دولية. وجرت عمليات ترميم جزئية لبعض أقسام مجمع الشفاء والمستشفيات الأخرى، مما سمح بإعادة تشغيل نحو 60% من الخدمات الأساسية بالحد الأدنى، في محاولة لمواجهة سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها الاحتلال.
لعب المهندسون والفنيون الفلسطينيون دوراً بطولياً في إعادة إحياء الأجهزة الطبية المحطمة، حيث تمكنوا من تجميع قطع غيار من أجهزة تالفة لإعادة تشغيل وحدات غسيل الكلى. هذه الجهود المحلية تعكس إرادة البقاء التي لم تنجح آلة الحرب في كسرها، رغم استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المولدات الكهربائية وقطع الغيار الضرورية للمستشفيات.
يبقى الوضع الصحي في غزة معلقاً بين مطرقة الحصار وسندان الدمار، حيث تظل حياة آلاف المرضى مهددة في كل لحظة. إن إعادة بناء ما دمرته الحرب تتطلب جهداً دولياً جباراً يتجاوز الترميم الجزئي، للوصول إلى منظومة صحية قادرة على تلبية احتياجات مليوني إنسان عانوا من أطول وأعنف عملية استهداف طبي في العصر الحديث.
المصدر:
القدس