يواجه الأمن الغذائي في العراق تهديدات مباشرة وغير مسبوقة جراء تصاعد التوترات الإقليمية التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر استراتيجية في المنطقة. وتسببت هذه الأزمة في اضطراب حاد داخل الأسواق المحلية، مما أثقل كاهل المواطنين بزيادات سعرية متسارعة طالت السلع الأساسية والمنتجات اليومية.
وكانت السلطات الإيرانية قد أعلنت في مطلع شهر مارس الجاري عن تقييد حركة الملاحة في المضيق، مهددة باستهداف أي سفن تعبر دون تنسيق مسبق معها. ويأتي هذا الإجراء التصعيدي في سياق الرد على التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، مما ألقى بظلاله على حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ويعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يتدفق عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، وهو ما جعل إغلاقه سبباً رئيساً في قفزة تكاليف الشحن والتأمين البحري. وانعكست هذه الزيادات العالمية بشكل فوري على تكلفة استيراد المواد الغذائية في العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الممرات البحرية لتأمين احتياجاته الاستهلاكية.
وأفادت مصادر تجارية بأن أسعار المواد الاستراتيجية مثل الأرز والسكر والزيوت النباتية سجلت ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة وصلت إلى 30% خلال فترة وجيزة. وعزا التجار هذه الموجة من الغلاء إلى تعثر وصول الإمدادات وارتفاع كلف النقل البري والبحري، مما أجبر الموردين على رفع الأسعار النهائية للمستهلكين.
ولم تقتصر الأزمة على السلع المستوردة فحسب، بل امتدت لتشمل الخضروات والفواكه المنتجة محلياً في مفارقة أثارت استياء الشارع العراقي. فقد قفز سعر كيلو الطماطم إلى 1500 دينار بعد أن كان يباع بأسعار تتراوح بين 250 و500 دينار، كما شهدت أسعار الخيار والمنتجات الورقية زيادات مماثلة أرهقت ذوي الدخل المحدود.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن حالة الهلع التي سادت الأسواق ساهمت في استغلال بعض التجار للأزمة لرفع الأسعار بشكل غير مبرر. كما أدى اضطراب سلاسل النقل الداخلي ونقص المواد الأولية اللازمة للزراعة والصناعة المحلية إلى خلق ضغط مزدوج على مائدة العراقيين، بين استيراد شبه متوقف وإنتاج محلي متعثر.
وفي جولة ميدانية بالأسواق، أكد باعة محليون أن القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة التغيرات السعرية اليومية التي لا يمكن التنبؤ بها. وأشاروا إلى أن السلع التي كانت تباع بأسعار زهيدة أصبحت اليوم تتطلب ميزانيات مضاعفة، مما دفع الكثير من العائلات إلى تقليص حصصها الغذائية اليومية.
ويحلل خبراء الاقتصاد الوضع الراهن بوصفه 'ثالوث الأزمة'، حيث يجتمع الشلل اللوجستي الناتج عن إغلاق المضيق مع تعثر المعامل المحلية بسبب نقص المواد الخام. ويضاف إلى ذلك اضطراب توزيع الحصة التموينية الحكومية، حيث لم يتسلم المواطنون سوى حصة شهر واحد منذ مطلع العام الحالي، مما فاقم الفجوة الغذائية.
وتتطلب هذه التحديات تدخلاً عاجلاً من الجهات الحكومية لتأمين مسارات بديلة للاستيراد ودعم الإنتاج الوطني لضمان استقرار الأسواق. وفي حال استمرار إغلاق الممرات المائية الدولية، فإن العراق قد يواجه تدهوراً أعمق في مستويات المعيشة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد بشكل طويل الأمد.
المصدر:
القدس