انقضت السكينة التي كانت تميز حياة سكان تجمع 'حمرّوش' الفلسطيني شمال شرق بلدة سعير بالخليل، بعد أن تحولت مروجهم الخضراء إلى ساحة لمواجهة مفتوحة مع التمدد الاستيطاني. فمنذ تسعة أشهر، انقلبت حياة نحو 25 أسرة من عائلة الطروة رأساً على عقب إثر إقامة بؤرة استيطانية لا تبعد سوى 400 متر عن منازلهم، مما جعلهم عرضة لهجمات يومية.
لم تعد الاعتداءات تقتصر على المستوطنين المسلحين فحسب، بل باتت تتم بمشاركة وحماية من جيش الاحتلال النظامي وقوات الاحتياط. وتفيد مصادر محلية بأن الجنود يتدخلون لتعقب الفلسطينيين والتنكيل بهم كلما حاولوا الدفاع عن أنفسهم أو طلبوا النجدة لصد اقتحامات المستوطنين المتكررة لمنازلهم وأراضيهم.
تتوزع حياة السكان في هذا التجمع بين تربية الماشية في المراعي الواسعة وزراعة الأشجار المثمرة كالزيتون واللوزيات، وهي مصادر الرزق التي باتت مهددة بالزوال. فبعد الغزو الاستيطاني الأخير، أصبح الفلسطينيون يعيشون فيما يشبه السجن الكبير، حيث تمنعهم التهديدات من الوصول إلى أراضيهم التي ورثوها عن آبائهم.
يقيم أهالي حمروش في بيوت متواضعة شيدت قبل احتلال الضفة الغربية عام 1967، بالإضافة إلى خيام ومنشآت بسيطة من الصفيح أضيفت لاحقاً لتلبية احتياجات التوسع السكاني. ورغم بدائية هذه المساكن والمخاطر المحدقة بها، يصر السكان على البقاء والصمود، معتبرين أن الرحيل يعني تقديم الأرض لقمة سائغة للمستوطنين.
وبمناسبة الذكرى السنوية ليوم الأرض، يجدد أهالي التجمع تمسكهم ببرنامج صمود شعبي لمواجهة محاولات الترحيل القسري. ويؤكد السكان أن البديل الوحيد للبقاء هو الهجرة، وهو خيار مرفوض جملة وتفصيلاً مهما بلغت شدة التنكيل والضغوط الممارسة عليهم من قبل سلطات الاحتلال.
يقول نبيل الطروة، أحد سكان التجمع إن حرية الحركة التي كانوا يتمتعون بها في آلاف الدونمات قد تلاشت تماماً منذ ظهور البؤرة الاستيطانية. وأوضح أن المعادلة الأمنية تغيرت، حيث بات المستوطنون يشنون اعتداءات على مدار الساعة، مما دفع رجال التجمع لتنظيم نوبات حراسة ليلية لحماية عائلاتهم.
ويضيف الطروة أن السكان باتوا يمتنعون عن التنقل فرادى خشية الاستفراد بهم من قبل المستوطنين الذين يتربصون بهم في الطرقات. وقد سجلت المنطقة مؤخراً حوادث إطلاق نار مباشر واقتلاع للأشجار المعمرة، في محاولة واضحة لترهيب المزارعين ودفعهم لترك أراضيهم قسراً.
وفي إطار سعيهم لانتزاع حقوقهم، يوثق سكان حمروش اعتداءات المستوطنين عبر هواتفهم النقالة، حيث تظهر المقاطع المصورة وجوه المعتدين بوضوح تام. ورغم تقديم هذه الإثباتات لشرطة الاحتلال، إلا أن أياً من هذه الشكاوى لم تسفر عن اعتقالات، مما يؤكد تواطؤ المنظومة الأمنية مع المستوطنين.
محمد الطروة، مسن فلسطيني تجاوز الستين من عمره، يروي بمرارة كيف تبدلت أحوال الرعي في المنطقة، مشيراً إلى أنهم لم يتجاوزوا حدود مساكنهم منذ تسعة أشهر. ويؤكد أن المستوطنين يتعمدون مهاجمة التجمع أيام الجمعة تحديداً، مستغلين انشغال الرجال بأداء الصلاة، مما استدعى وضع ترتيبات خاصة للحماية.
ويصف المسن الطروة حالة القلق الدائم التي يعيشها السكان، قائلاً إن الخوف من الهجمات المباغتة بات يلاحقهم حتى في أحلامهم. هذا الضغط النفسي المستمر يهدف، بحسب السكان، إلى كسر إرادتهم وتحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق لدفعهم نحو الرحيل الطوعي عن المنطقة الاستراتيجية.
من جانبه، يشير الشاب نصر الطروة إلى أن التجمع كان وجهة سياحية لأهالي بلدة سعير والقرى المجاورة في فصل الربيع، حيث كانوا ينشدون الهدوء والطمأنينة. أما اليوم، فقد تحولت المنطقة إلى ثكنة عسكرية ومسرح للاعتداءات بالعصي والمركبات، خاصة في الأوقات التي تسبق الإفطار في شهر رمضان.
وتشير تقارير رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن جرائم المستوطنين تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر 2023. وقد أدت هذه الاعتداءات إلى تهجير 79 تجمعاً بدوياً فلسطينياً بشكل كلي أو جزئي، ما تسبب في تشريد أكثر من 4700 مواطن فلسطيني في مختلف مناطق الضفة.
وتكشف المعطيات الإحصائية أن الاحتلال يسيطر فعلياً على نحو 42% من مساحة الضفة الغربية من خلال المستوطنات ومناطق نفوذها. كما تم رصد مخططات لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، في وقت تواصل فيه آليات الاحتلال هدم المنشآت الفلسطينية، حيث طال الهدم 1400 منشأة خلال الفترة الماضية.
وفي ظل وجود أكثر من 542 مستوطنة وبؤرة استيطانية يقطنها نحو 780 ألف مستوطن، يواجه تجمع حمروش تحدياً وجودياً كبيراً. ومع ذلك، يبقى الشباب والرجال في التجمع مرابطين في خيام الحراسة، مؤكدين أن الصمود هو السلاح الوحيد المتبقي لحماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية في وجه التغول الاستيطاني.
المصدر:
القدس