تشير التطورات الميدانية المتسارعة في جنوب لبنان إلى محاولة إسرائيلية جادة لإعادة إنتاج مأساة غزة في الأراضي اللبنانية. ففي ظل الانشغال الدولي بالتوترات الإقليمية، يزحف الجيش الإسرائيلي متوغلاً في القرى الجنوبية، معيداً إلى الأذهان ذكريات الاحتلال الذي بدأ في أوائل الثمانينيات ولكن ضمن سياق إنساني أكثر دموية.
ولم تعد النوايا الإسرائيلية مجرد تكهنات، بل أكدها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي صرح بوضوح عن رغبته في السيطرة على مساحات شاسعة من لبنان. هذا الطموح التوسعي يتقاطع مع ما تفرضه إسرائيل حالياً من سيطرة على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، مما يعكس استراتيجية موحدة للتعامل مع الجبهات المختلفة.
وعلى الأرض، تترجم هذه التصريحات عبر توغل مستمر يترافق مع سياسة النزوح القسري للسكان، وهو ما تصفه أوساط قانونية بأنه انتهاك صارخ وجريمة حرب. وتستهدف العمليات العسكرية تدمير البنية التحتية ومقدرات المواطنين اللبنانيين، في محاولة واضحة لتفريغ المناطق الحدودية من سكانها الأصليين.
وأفادت مصادر إعلامية بأن الاحتلال يعتزم السيطرة الكاملة على الخط الأول من القرى اللبنانية بذريعة منع إطلاق الصواريخ. وقد بدأت القوات الإسرائيلية بالفعل بتوجيه إنذارات إخلاء لسكان مناطق صور ومعشوق وبرج الشمالي، في مشهد يطابق تماماً ما جرى في شمال قطاع غزة.
الخطورة تكمن في أن هذه الإنذارات تتحدث عن إخلاء 'لأجل غير مسمى'، مما يثير مخاوف من احتلال طويل الأمد قد يمتد لسنوات طويلة. هذا الغموض في الأهداف العسكرية المعلنة يشير إلى نوايا مفتوحة تتجاوز العمليات المحدودة نحو إعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي للمنطقة.
وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يرتكب جريمة إبادة جماعية في لبنان. ويعد هذا التحذير من أقوى المواقف الرسمية الدولية التي تنبه إلى حجم الكارثة الإنسانية المحتملة في حال استمرار الصمت الدولي.
ميدانياً، اعترف جيش الاحتلال بمقتل الجندي موشيه يتسحاق هاكوهين كاتز وإصابة 15 آخرين في اشتباكات ضارية مع المقاومة. وتواجه القوات المتوغلة مقاومة شرسة في بلدات مثل دير سريان والعديسة، حيث تم استهداف آليات ومروحيات إسرائيلية بشكل مباشر.
من جانبه، كثف حزب الله من عملياته العسكرية مستهدفاً قواعد استراتيجية في العمق الإسرائيلي، شملت قواعد عين شيمر ورغفيم وميشار. واستخدمت المقاومة أسراباً من المسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة لعرقلة تقدم القوات البرية واستهداف تجمعات الجنود في المستوطنات الحدودية.
وعلى الصعيد الإنساني، بلغت حصيلة ضحايا العدوان منذ مطلع مارس الماضي 1189 شهيداً، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء. وأدت الغارات المكثفة إلى نزوح أكثر من مليون لبناني، يعيشون ظروفاً قاسية في مراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الأساسية.
وتشير التقارير إلى أن الاحتلال نفذ عمليات تفجير واسعة في أحياء سكنية ببلدة الخيام، مما يؤكد نية التدمير الممنهج للمناطق السكنية. هذه السياسة تهدف إلى جعل القرى الجنوبية غير قابلة للحياة، وهو ذات الأسلوب الذي اتبع في تدمير أحياء كاملة في غزة.
إن ما يحدث في الجنوب اللبناني لا يمكن اختزاله في صراع عسكري محدود، بل هو جزء من رؤية إسرائيلية أوسع للمنطقة. فغياب الردع الدولي جعل من نموذج غزة 'حالة طبيعية' تسعى إسرائيل لتكرارها في أي بقعة جغرافية تصطدم مع طموحاتها الأمنية أو التوسعية.
ويرى مراقبون أن الوضع غير القانوني للاحتلال في الجنوب سيولد أشكالاً جديدة من المقاومة الشعبية والمسلحة، بغض النظر عن التوازنات السياسية الداخلية. فالتاريخ اللبناني يثبت أن الاحتلال دائماً ما يواجه برفض شعبي يتحول بمرور الوقت إلى استنزاف مستمر للقوات الغازية.
وفي غضون ذلك، دخل سكان مدن عكا وحيفا والجليل إلى الملاجئ عشرات المرات نتيجة الرشقات الصاروخية المستمرة من لبنان. هذا الضغط العسكري المتبادل يضع المنطقة على فوهة بركان، في ظل إصرار حكومة نتنياهو على المضي قدماً في خيار التصعيد العسكري.
ختاماً، يبقى التساؤل حول قدرة المجتمع الدولي على لجم هذه التوجهات قبل فوات الأوان وتحول الجنوب اللبناني إلى غزة ثانية. إن الصمت الحالي قد يغري الاحتلال بتكرار هذا النموذج في أجزاء أخرى من العالم العربي، مما يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي برمته.
المصدر:
القدس